إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

اتجاهات سياسية خطيرة نحو تمزيق المؤسسات

د. وفيق إبراهيم - البناء

نسخة للطباعة 2017-07-14

الارشيف

مطالبة حزب «القوات اللبنانية» بإنشاء جامعات لبنانية مستقلة في مدينة بيروت لها رئاسات ومجالس وموازنات ماليّة وهيئات تعليمية حصريّة، هي أشبه بدعوة صارخة لتحطيم الأدوات القليلة التي لا تزال تربط بين اللبنانيين ثقافياً وتعليمياً.

وللتنبيه، فإنّ هناك فارقاً بين تعدّدية على مستوى الفروع الأكاديمية في الجامعة اللبنانية، جرى تأسيسها سابقاً في المناطق لتحسين شروط أكلاف الحياة والأمن، وبين جامعات مستقلّة بشكل كامل… وأخذ العاصمة الفرنسية باريس نموذجاً لوجود تعدّدية في الجامعة الرسمية السوربون، فليس وازناً، لأنّ أهل باريس مندمجون في الثقافة والاقتصاد والسياسة والاجتماع، في حين أنّ لكلّ طائفة لبنانية شارعاً خاصاً بها في بيروت، والأهالي ليسوا مندمجين حتى بالحدّ الأدنى.

لجهة فروع الجامعة اللبنانية، فهي تتبعها بشكل كامل تعليمياً وتمويلياً وإدارة، وبالتالي فهي منتجة للمعايير الثقافية نفسها في مختلف المحافظات والمناطق.

اللافت هنا أنّ التيّار الوطني الحر انجذب بكلّ أسف إلى ديماغوجية «القوات» خشية خسارته جمهوره، فزايد عليها متقدّماً بمطالبات انفصالية بذريعة أنّ حصة المسيحيين في الجامعة اللبنانية أقلّ من حصة المسلمين، وفي محاولة لاستيعاب الضجيج القوّاتي العوني الذي يبدو أنّه يستهدف الرئيس برّي، لأنّه صاحب النفوذ الأكبر في الجامعة الوطنيّة حالياً، قامت جهات أكاديمية مسؤولة بعرض مجريات الأوضاع الأكاديمية على مراجع دينية عليا تمثّل المعترضين، وفوجئت بانسداد لغة الحوار مع اتجاه مريب نحو التصعيد والتشدّد في المطالبة بتأسيس جامعات رسمية مستقلّة…

عند هذه الحدود، اتّضح للمتابعين أنّ حركات الاعتراض أعمق من مجرّد إصرار على مساواة في توزيع المناصب والعمداء، وهذه مطالبة قد لا تلقى كبير اعتراض في نظام طائفي قائم أساساً على التحاصص. ومثل هذا الأمر يجب أن يسري على مواقع الدولة كلّها، فلا تستأثر فئة واحدة بالمراكز الأساسية بسبب حيازتها على مصدر قوة جديدة أو ارتباطها بالإقليم. وعندها قد تنحسر فئة أخرى من حصصها لمحدودية نفوذها.

هذا منطق مرفوض في الأنظمة المدنية الحديثة التي تطورّت تاريخياً من المرحلة العمودية الطائفية الإثنية القبلية الجهويّة، إلى المرحلة المدنية التي تتمحور حول الانقسامات الطبقية والوطنية. وبما أنّ لبنان يتموضع حالياً في موقع وسطي بين المرحلتين، فإنّه يتّسم حالياً بنظام طائفي يعكس المرحلة العمودية إنّما إلى جانب اتجاهات تجسّدها أحزاب مدنيّة تحاول دفع البلاد نحو المدنية والعلمنة، لكنها تصطدم بتحالف الداخل الطائفي مع الخارج المستفيد، فتصاب بانتكاسات وإحباط مؤقّت، فتعضّ على الجرح مع ترقّب فرص جديدة.

لذلك، لا يشكّل التحاصص استهجاناً كبيراً، لأنّه يتمّ على أساس موازنات قوى سياسية عامة هي لصالح القوى السياسية، وتلبّي حاجاتها للهيمنة على الإدارة وحركة توزيع المال العام. وهنا يتّضح أنّ القوى السياسية ترفع الشعار الطائفي في التحاصص حرصاً على امتيازاتها الخاصة، وليس لمصالح طوائفها. لكنّها تلعب لعبة هذا التحاصص إنّما من خلال الدولة الواحدة والمؤسسات الواحدة والثقافة الواحدة، وليس من خارجها كما تتّجه «القوات».

أمّا ما يحدث اليوم فأكثر خطورة، ويستهدف إلغاء آفاق كلّ تطوّر اجتماعي بين اللبنانيين وتدمير القواسم الثقافية المشتركة على تواضعها وهزالتها. فالجامعة الوطنية والجيش والقضاء ومؤسسات وطنية نادرة، لا تزال تتمسّك بعمقها الوطني رغم ما شابها من تأثيرات سياسية جعلتها في دائرة استقطابها، إنّما في إطار وحدة المؤسسات.

هناك إذن الجامعة الوطنية التي تأسّست على وقع حاجة الدولة النامية لطبقة وسطى وثقافة وطنية في بلد كثير الطوائف، وبالتالي المزدحم بقصَصٍ تاريخي مفبرك حسب حاجات قوى الطوائف لمدى تاريخي لزعاماتها.

ونجحت الجامعة اللبنانية بدوريها في النصف الثاني من الستينيات والسبعينيات نجاحاً منقطع النظير، لأنّها أمّنت علماً «مقبولاً» سبق نظيره العربي بأشواط. كما روّجت لثقافة وطنية شكّلت عموداً أساسياً في بنيان لبنان… وكان النفوذ الأساسي فيها للسياسيين الموارنة. الأمر الذي يكشف أنّ تأسيس الجامعة في ذلك الوقت لبّى حاجة المارونية السياسية إلى تأمين موقع ثقافي يحمي هيمنتها على النظام السياسي بشكل نظيف، فكانت الجامعة اللبنانية.

إلا أنّ الجامعة بدأت تتراجع مع اندلاع الحرب الداخلية في 1975، وظلّت تتقهقر حتى 1990، فجرى إنشاء فروع لها في المناطق بسبب الحرب وضرورات الأمن. وجنح كلّ فرع لارتداء اللبوس المذهبي للمنطقة التي يوفر لها العلم، إنّما ضمن إطار التحاصص، ومع وجود كادرات تعليمية في الطوائف كلّها وفي الفروع كلّها. وهذا أنتج تراجعاً طبيعياً في حركة إنتاج العلم النوعي بفعل الضغوط السياسية وتحوّل الكادرات التعليمية والطلاب والإداريين إلى الانتماءات السياسية والحزبية، لكن ما قصم ظهر البعير بالنسبة للجامعة اللبنانية، افتتاح القوى السياسية اللبنانية جامعات خاصة بها ومحطات تلفزة خاصة بها، انعكست على تدنّي الاهتمام الرسمي بالجامعة التي نخرها النفوذ السياسي، وجاء التحاصص على حساب الكفاءة، وأصبحت موازناتها تنقص عن الحدّ الأدنى المطلوب ولا تجاري متطلّبات التحديث، لكنها حافظت على دورها في إنتاج الحدّ الأدنى من الثقافة الوطنية مع اختراق كبير للسياسة في قلب حركتها.

هل هذا مبرّر لإلغاء الدور اللبناني للجامعة؟

إلغاؤها يعني نسفاً لآخر أمكنة لإنتاج الثقافة الوطنية، ففروع الأرياف تضمّ الطالب الشيعي والسنّي والمسيحي، كفروع الشمال والبقاع وبيروت والجبل.

فهل المطالبة بتأسيس جامعات وطنية مستقلة تعزّز القواسم المشتركة أم تلغيها؟ ولماذا المطالبة بإلغائها؟ ألا يعرفون أنّهم يؤسّسون بذلك لطلاب ذوي ثقافات متناقضة معظمها أسطوريّ وخرافي، وتلعب دور المهشّم للتماسك الوطني؟

وإذا ما ربطنا مسألة إفساد الجامعة وتهميش دورها «بإلقاء القبض على المدرسة الرسمية» وتحويلها مراكز لإنتاج علم سطحي متأثر بالرواية الدينية وحسب موقع كلّ مدرسة، لاتّضح أنّ لدى اللبنانيين إشكالية ضخمة وخطيرة تتعلّق بعدم وجود مراكز لإنتاج ثقافات تجمع بين المواطنين.

الدليل على ذلك موجود… هناك مناطق ألغت قواها الحزبية المدارس الرسمية وسجّلت الطلاب في مدارسها الخاصة ذات الأثر الديني الكبير، وهذا موجود لدى الطوائف والمذاهب كلها من دون استثناء. فالمدرسة الرسمية ومدارس الطوائف ليست إلا مراكز تعاكس فكرة الدولة الواحدة لمصلحة انتماءات أكثر أساسية ذات أبعاد دينية متناقضة. فكيف يمكن الدفاع عن الدولة والوطن وهو في أذهان ناشئتنا الجامعية والمدرسية، «لبنانات» يقع بعضها في قلب الغرب والآخر في قلب الشرق، وقد يوجد قسم آخر في جهات أسطوريّة؟!

ضمن هذا الإطار، يمكن فهم مطالبة القوات اللبنانية والتيّار الوطني الحر بتأسيس جامعات مستقلة كلياً، فتتواصل رحلة تدمير لبنان انطلاقاً من تدمير ثقافته الواحدة وتحويلها ثقافات متصارعة ومخترعة.

والعودة إلى المحاصصة في إدارات الدولة كلّها قد تكون وسيلة شديدة التخلّف، لكنّها تبقى أفضل من الرحيل نحو «التقسيم الثقافي» الذي يشكّل عادة طليعة التقسيم السياسي والوطني.

فأطلقوا سراح الجامعة الوطنية والمدرسة الرسمية، وردّوا إليهما مكانتيهما في إنتاج الثقافة الوطنية، والتأسيس للطبقات الوسطى التي يشكّل توسّعها ميزاناً للاستقرار السياسي وبالتالي الوطني، على قاعدة أنّ لبنان لم يشكّل في تاريخه حقيقة سياسية أو وطنيّة مستقلة عن جواره رغم اختراعات مؤرّخي الطوائف الذين يعملون بالأجرة عند القوى السياسية والأساطير.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017