إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

الانتصار على الإرهاب

أسامة العرب - البناء

نسخة للطباعة 2017-07-15

الارشيف

تحرّرت الموصل أخيراً، ورقص المواطنون العراقيون وأفراد الجيش والمقاومة فرحاً واحتفالاً بهذا النصر المبين، بعد أن تخلّصوا من كابوس داعش الرهيب.

والحقيقة أن «إسرائيل» لم تولِ أيّ حدث اهتماماً شديداً كما أولته لمعركة الموصل وللتذكير بأهمية الدور الوظيفي الذي تؤدّيه داعش في مواجهة محور المقاومة. ولم يقتصر التعبير عن الموقف «الاسرائيلي» على الخبراء والمعلقين الاعلاميين في تل أبيب، بل شمل أيضاً المستويات العسكرية، والاستخبارية والسياسية كافة، حيث قال نتنياهو: «القضاء على داعش وترك إيران يعني خسارة الحرب»، أما اللواء هرتسي هليفي فقال: «إسرائيل لا تريد أن ينتهي الوضع في سورية والقتال الدائر فيها، ضمن النتيجة الآتية: داعش مهزوم، والدول العظمى تغادر المنطقة، ونبقى نحن في مواجهة محور المقاومة«.

غير أن المثير للتعجب والقلق في آن واحد هو تفرّد أكبر قناتين «إسرائيليتين» إخباريتين في التغطية الحيّة والنقل المباشر لتطوّرات المعركة من داخل الموصل عبر عدد من المراسلين، حيث ظهرت مراسلة القناة الثانية العبرية، إفرات لختر، وهي تجري لقاءات حيّة. كما كشفت وسائل الإعلام العبرية من مصادر مقرّبة من الرئيس «الإسرائيلي» أن الرئيس الأميركي قال له بأن العراق سوف لن يبقى دولة موحّدة وأن الأكراد يجب أن يؤسسوا عملياً دولة مستقلة وديمقراطية. كما أشارت وسائل الإعلام إلى أن لقاءً جمع وزير خارجية الكيان الصهيوني ونظيره الأميركي، وتطرقا فيه إلى الحديث عن مستقبل العراق، وعن تشكيل دولة كردية مستقلة تستحق الدعم، كما هو الحال مع الأردن على حدّ قولها.

ولعل الحدث البارز هنا هو قفز تركيا إلى واجهة المشهد. فقد نشرت صحيفة ديليليش التركية المؤيدة للرئيس رجب طيب أردوغان خريطة لتركيا تضمّ أجزاء من العراق وسورية تحت عنوان: هل هذه الأراضي مقتطعة من تركيا؟، فيما وُجد بأن الخريطة تسقط اسم فلسطين وتستبدله بـ»إسرائيل». وقد تزامن ذلك، مع بدء عملية تحرير الموصل من قبضة تنظيم داعش، ورفض الحكومة التركية سحب جنودها من المعركة، رغم طلب الحكومة العراقية.

ومن ثم فإن المخطط «الإسرائيلي» المدعوم أميركياً يهدف في المقام الأول إلى تقسيم العراق وسورية إلى دويلات صغيرة متناحرة، في ما بينها بما يخدم الكيان الصهيوني ويدعم الكيانات السياسية المنفتحة على «إسرائيل» والغرب. والجدير بالذكر، أن أحزاب إقليم كردستان العراق قاموا بتحديد يوم الخامس والعشرين من أيلول المقبل موعداً لإجراء استفتاء يحدّد مصير العلاقة الفيدرالية بين الإقليم وبين الحكومة المركزية في بغداد، حيث يتمتع الإقليم بإدارة ذاتية منذ عام 1970 حصل عليها بمقتضى اتفاقية أنهت حالة الحرب بين المعارضة الكردية والحكومة العراقية آنذاك، ثم أصبح لاحقاً الحكم الذاتي للإقليم أمراً واقعاً في العام 1991، وبعدها وبإقرار دستور عراقي جديد عام 2005 أصبحت منطقة كردستان العراق كياناً اتحاديّاً ضمن حدود الدولة.

والجميع يعلم بأن ركائز السياسة الأميركية في المنطقة تتلخّص في أمرين: ضمان تفوّق الكيان الصهيوني ووضع اليد مباشرة على منابع النفط. لذا فقد كانت الأولوية في السابق لإنتاج عدو جديد في المنطقة يخدم هذه الرؤية لسنوات ويبعد الدول العربية والإسلامية عن المعركة الأساس مع العدو الصهيوني ويجعله بمأمن من أي تفكير ولو نظري في مقاتلته، ويجعله يستفرد بالفلسطيني واللبناني والسوري كلاً على حدة، إلا أن هذا الدعم كان يجب بالطبع أن يبقى ضمن حدود معينة، خشية أن يؤدي ذلك إلى ارتداد الإرهاب على صانعيه، وهذا ما حصل بالفعل. ومن هنا جاءت صحوة الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب في مواجهة الإرهاب، لاسيما بعد تحسّن العلاقات الأميركية – الروسية، وانتهت الحاجة التي دفعت الإدارة الأميركية السابقة لدعم الإرهاب. وما أدلّ على ذلك، سوى أنها المرة الأولى التي يُعقَد فيها لقاء مباشر بين الرئيس الأميركي والرئيس الروسي في إطار ضيّق وعلى نحو غير معتاد، وبحيث لا يحضر اللقاء إلى جانب الرئيسين إلا وزيرا خارجية البلدين، واثنان من المترجمين، فيما يغيب عن اللقاء الرسمي مستشار الأمن القومي والسفيران الأميركي والروسي وكبار مسؤولي مجلس الأمن القومي .

والسؤال المطروح: هل يمكن أن يشكل ذلك مدخلاً لتحقيق الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط؟ إذ يبدو واضحاً أن الرئيس ترامب يريد عقد صفقة مع الرئيس بوتين لتحسين العلاقات بين أكبر دولتين في العالم، بغض النظر عن أي شيء آخر. ناهيك عن حصول الرئيس بوتين من الجانب الأميركي على معاملة الشريك الذي يحظى بالمستوى نفسه من الندية.

قد يراهن البعض على أن الشرق الأوسط متجه للتقسيم بما يضمن المصالح الاقتصادية الأميركية في المنطقة وفي صدارتها النفطية. غير أن القمة الأميركية الروسية المعقودة في هامبورج كشفت أن الرئيس بوتين كان الرابح الأكبر على الساحة الدولية، وأنه ليس بحاجة للشراكة الأميركية، لا سيما وأن مصالح الدولتين تتعارضان كلياً في أوروبا الشرقية، فموسكو ترغب في استعادة نفوذها في مناطقها الحدودية القديمة، وهو ما تعارضه واشنطن، وتعتبره أمراً غير مقبول من زاوية مصالحها الإستراتيجية. كما أن الخلاف بين الدولتين ما زال مستمراً حول أمور تتعلّق بالطاقة، فإدارة ترامب التي تحظى بدعم شركات النفط الأميركية، تسعى جاهدة لزيادة الإنتاج وخفض الأسعار، وهو ما تعارضه موسكو بسبب الأضرار التي يمكن أن تلحق بالاقتصاد الروسي، خاصة أن نصف الميزانية الروسية تعتمد على عائدات تصدير النفط والغاز.

ووفقاً للمعطيات والإشكاليات والعقبات السابق رصدها يمكن القول إن فكرة التقسيم غير واردة حالياً، أو بالأحرى مستبعَدة، أما بالنسبة لاستقرار المنطقة، فكل المعطيات والآراء تؤكد ذلك بعد هزيمة داعش في عقر داره، وتصاعد حدّة الصراعات السعودية – القطرية، ما ينبئ بأن هنالك متغيّرات جذرية بالسياسية الخارجية الأميركية الجديدة، تنبع من اضمحلال النمو الاقتصادي الأميركي والخشية من الهيمنة الصينية على الصعيد العالمي.

خلاصة القول، الانتصار الذي أعلنته السلطات العراقية في مدينة الموصل على داعش خطوة عظيمة في سبيل تحرير البلاد بالكامل من سلاسل وأغلال العبودية ومشاريع التقسيم، وهو ثمرة نتاج تضحيات العراقيين ودماء وصمود وثبات العراقيين، وهذا النصر الذي كُتب في العراق سوف تنعكس آثاره الإيجابية على جميع دول المنطقة، وكما قال العميد الدكتور أمين حطيط في مقاله الأسبوعي في جريدة البناء الصادرة بتاريخ الجمعة 14 تموز 2014، أميركا بريئة من النصر الذي تحقق براءة الذئب من دم يوسف، ونجح العراق في تطهير أرضه من هذا الطاعون السرطاني الخبيث، وسقطت الخرافات ودولة الخرافة، وما هي إلا فترة قصيرة وتكون محطة النصر الاستراتيجي الكبير في سورية. أما اليوم، فالتعويل على تحرير الناس من الفكر الظلامي الذي سعى لتشويه صورة الدين الإسلامي الحنيف، والتعويل على المراجع الدينية السنية والشيعية المحترمة، كي تشترك جميعاً في محاربة الفكر التكفيري ومراقبة مناهج التعليم الديني وتوعية المواطنين وتحصينهم من المخاطر المحدقة بهم، ولا بدّ كذلك من مواجهة كلّ مَنْ يبث سموم الفتن المذهبية والطائفية، ويثير النعرات ويحرّف الحقائق والأحاديث ومعاني الآيات ليحقق مكاسب شخصية أو فئوية، لا تمتّ للدين بصلة.

إلا أنه إذا كان المراد حقيقة القضاء على الإرهاب، فالأجدر أن تنتقل المعركة اليوم لضرب الإرهاب من جذوره، عبر مواجهة صانعيه الحقيقيين ومَن هو مستمرّ بتمويله وتسليحه!

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017