إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

انفصال أكراد العراق وانعكاساته على الدول الإقليمية وعلى أكراد سورية

إعداد: نسرين عبود *

نسخة للطباعة 2017-10-13

قبل الخوض في هذه الدراسة لابد لنا من التعريج على العديد من النقاط الشائكة التي تشكل بالنسبة لموضوعنا نقاط استفهام لابد من الإجابة عليها لفهم مايجري في سورية  والعراق وخاصة فيما يتعلق بالحرب ضد داعش ومسألة الفيدرالية التي ينادي الأكراد بها.

توجد أسئلة كثيرة سنحاول الإجابة عليها من خلال موضوع بحثنا هذا :

أسئلة البحث :

·                   من هم الأكراد ومن أين جاؤوا وماهي أصولهم ؟؟

·                   هل الأكراد المتواجدون في المنطقة المراد إنشاؤها بما يسمى كردستان  الكبرى هم قومية واحدة وشعب واحد وهل يتحدثون لغة واحدة ؟؟

·                   لماذا يطالب الأكراد بإستقلالهم عن الدول التي يعيشون فيها ؟؟

·                   ماهي انعكاسات مطالبة أكراد العراق بالاستقلال على أكراد الجوار ؟؟

·                   ماذا بعد دير الزور والرقة  في سورية و ماهو مصير  الأكراد في المناطق التي يسيطرون عليها فيما لو تم القضاء على داعش نهائياً؟

·                   ماهو مصير قوات سورية الديمقراطية ( قسد ) بعد داعش ؟ وإلى آين ستكون وجهتها الجديدة ؟

تحاول هذه الدراسة الإجابة عن كل هذه التساؤلات متوخين الحيادية الموضوعية قدر الإمكان .

 

توطئة : من هم الأكراد وما هي أصولهم :

أولاً :  نشأة الأكراد وأصولهم: تتفق العديد من المراجع التاريخية على أن  أصل الأكراد يعود إلى حركة الهجرة الثانية للآريين ( شعوب هندو جيرمانيين) في حوالي الألفين سنة قبل ميلاد المسيح في منطقة غرب إيران والتي أطلق عليها فيما بعد كردستان.

يتكون الشعب الكردي من عدة شعوب وقبائل - ولو أن أغلب ثقافتهم بحسب المراجع التاريخية المتوفرة تعود إلى الثقافة الإيرانية البدوية ( انظر كتاب د محمد أمين زكي في هذا الصدد )

ولو بحثنا جيداً في أصول الكرد لوجدنا ثلاثة نظريات حول أصولهم الثقافية واللغوية :

1- النظرية الأولى : هذه النظرية التي تتحدث عن تأسيس أجداد الهوريين( الحوريين) مملكة ميتاني (  ( mittani سنة 1500 قبل الميلاد، حيث أطلق على هذه المملكة أسم خوري ( هوري، حوري) chouri , churri ومنها أشتق فيما بعد الأسم الكوردي، ومنطقة استيطان هؤلاء الهوريين هي مطابقة تماماً مع حدود كردستان.

 2- النظرية الثانية : والتي تدعي بأن منشأ الأكراد يعود إلى الميديين حيث اشتقت كلمة كورانج من كور/ كورد ومانج لميدي، حيث يدعي أغلب الأكراد أصولهم الميدية/ الميديين( الميدية في اللغة الكردية تعني القوة)

 3- النظرية الثالثة : فترى هذه النظرية بأن أصولهم تعود للإسكيتيين ( Skythen)  حيث يذكر الفيلسوف " xenophon" فيلسوف إغريقي ولد في أثينا عام 444 قبل الميلاد وقد كان من تلاميذ سقراط)) حيث يذكر بحملته العسكرية من البحر إلى الأراضي الآسيوية المرتفعة والذي أصبح فيما بعد عملاً تاريخياً بعنوان " الصعود- الرقي حيث يذكر في هذا المجلد بأن أصولهم تعود إلى الكاردوخيين/  / carduschen إلا أن أغلب المؤرخين يشككون في صحة هذه المعلومة باعتبار أن أغلب " الإسكيتيين" سكنوها في المنطقة التي ظهر فيها الشعب الكردي لأن وطنهم أي الأسكيتيين كان في كازاخستان وفي جنوب روسيا وأوكرانيا وليس في منطقة كردستان المزعومة.

  ثانياً : متى ظهر المصطلح الجغرافي لكردستان؟ بحسب المؤلف توماس بوا،  كردستان التي يحلم بها الأكراد تمتد من جبال زاغروس جنوب غرب إيران وحتى همدان شمالاً وإلى جبال طوروس في جنوب تركيا ومابين نهري سيمان وجيجان  ( دجلة والفرات)  حتى شمال العراق ، والمعنى الحرفي لكردستان هو بلاد الأكراد.

أما  المؤرخ الإنكليزي " ديفيد ماكدويل " الذي كتب أهم موسوعة تاريخية في العصر الحديث عن تاريخ الأكراد، حيث يعتبر فيها  بأن مصطلح الأكراد الذي أطلقه العرب لم يكن مصطلح عرقي أو قومي أو حتى قبائلي، بل هو مصطلح أطلق على بدو الهضبة الغربية من بلاد فارس حينها، وحتى أن بعض القبائل التي نزحت سواء عربية أم لا وسكنت منطقة الأكراد كان يطلق عليهم كورد، أو يتم تكريدهم ثقافياً، مثل قبيلة الروادية العربية التي انتقلت إلى مناطق البدو الكرد في بداية العصر العباسي وخلال 200 عام أصبحت  كردية الثقافة واللسان رغم عدم اختلاط أنسابهم بالكرد، ومع تطور الأوضاع السياسية تنقل هؤلاء الكرد إلى مناطق أوسع وسيطروا على بعض المناطق التي لم يسكنونها من قبل  بسبب ضعف الدولة العباسية آنذاك.

حيث ظهر حينها أول مرة مصطلح كردستان، وفيما بعد تطورت لدى الأكراد النزعة القومية في إنشاء دولة قومية لهم، وقد عزز  الاستعمار البريطاني هذا الشعور القومي لديهم مع تفكك الدولة العثمانية ورغبة الحلفاء المنتصرين في تقسيم تركيا بين الكرد والأتراك، إلا أن مصطفى كمال أتاتورك أستطاع أن يسقط مشروع قيام دولة كردستان بإعلانه إنشاء الجمهورية التركية.  

ثالثاً : أكراد سورية والطريق إلى الفيدرالية بين الحلم وواقع الديموغرافيا والجغرافية السورية وانعكاسات قضية انفصال كردستان العراق: يشكل أكراد سورية نسبة6% من مجموع كرد العالم حيث يبلغ عددهم حوالي مليون وستمئة ألف نسمة ( 8% ) من مجموع سكان سورية، بعكس أكراد العراق. لا يقطن أكراد  سورية في بقعة جغرافية ممتدة وموحدة، بل يتوزعون مابين الجزيرة السورية ( الحسكة والقامشلي، المالكية) شمال شرق سورية  ومابين عفرين في ريف حلب الغربي الشمالي، وكما يتواجدون في عين العرب ( كوباني) على الحدود مع تركيا، ويفصل إقليم الجزيرة الممتد بين المالكية ورأس العين تجمع سكاني عربي على امتداد واسع عن الإقليم الثاني لتواجد الأكراد في عين العرب، حيث تتوسط هذا الإمتداد الجغرافي للأكراد مدينة "تل أبيض"  ذات الغالبية العربية، كما يفصل هذين الإقليمين حيث يتواجد الأكراد في شرق الفرات العديد من المدن العربية وصولاً إلى الإقليم الثالث لتواجد  الأكراد في مدينة عفرين شمال غرب حلب، وبالتالي فالأكراد وحسب الجغرافية السورية والتوزع الديمغرافي ليس لهم امتداد واحد بل يتناثرون على تلك الأقاليم الثلاثة المذكورة.

  أولاً : أكراد سورية وبداية حلم الفيدرالية:

مع انطلاق الحراك السياسي في سورية عام 2011  حاول الأكراد انتهاز فرصتهم الذهبية للمطالبة باستقلالهم الذاتي وخاصةً مع تحول الأحداث وتصاعد العنف والحرب الدولية وتدخل الدول في سورية، مستغلين الفوضى وصعود الحركات الإسلامية المتطرفة كداعش للحصول على المزيد من المزايا والمكاسب السياسية والميدانية، فبدؤوا بتشكيل ما يسمى حزب الاتحاد الديمقراطي والذي يعد الجناح العكسري لحزب العمال الكردستاني المحظور تركيا، مع دخول الولايات المتحدة على الخط وإطلاقها شعار محاربة الإرهاب المتمثل في داعش في كل من العراق وسورية، تحالف حزب الاتحاد الديمقراطي مع الولايات المتحدة والتي مدته بالسلاح واستخدمته كأداة على الأرض بحجة محاربة داعش، تم الإعلان عن تشكيل " وحدات حماية الشعب"   ( الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي)  بمشاركة " المجلس الوطني الكردستاني" إلا أن الولايات المتحدة سرعان مااستغنت عن وحدات حماية الشعب، وخاصة بعد استيلاء حزب الاتحاد الديمقراطي على العديد من البلدات والمدن المحررة من قبضة داعش في شمال وشرق سورية، حيث قامت الولايات المتحدة الأمريكية بإعلان تشكيل قوات جديدة وهي قوات سورية الديمقراطية ( قسد) وهي تحالف يجمع كل من وحدات حماية الشعب والتحالف العربي السوري والذي يتألف من مجموعة من الفصائل المعارضة المسلحة  " كجيش الثوار و " جيش الصناديد " إلى جانب بعض المسيحين والآشوريين والسريان.

لماذا تخلت الولايات المتحدة الأمريكية عن حزب الاتحاد الديمقراطي وسعت إلى تشكيل قوات سورية الديمقراطية ؟ بحجة محاربة داعش قامت الولايات المتحدة الأمريكية كما أسلفنا باستخدام قوات حماية الشعب الجناح العسكري لحزب العمال الكردستاني والموضوع على لائحة الإرهاب، وعندما أنجزت هذه القوات مهامها المنوطة لها من قبل الولايات المتحدة وهي السيطرة على جميع القرى والبلدات الحدودية الشمالية والشرقية ذات الغالبية الكردية بالإضافة على السيطرة على مدينة تل أبيض ذات الأغلبية العربية المتاخمة للقرى والمدن ذات الغالبية الكردية، أرادت الولايات المتحدة قَص جناح حزب الاتحاد الديمقراطي الذي بدء نجمه يسطع وخاصة بتشكيله مجالس إدارة ذاتية في منتصف عام 2013  مثل بيت الشعب وقوات الشرطة الأسايش، كمقدمة للاستقلال الذاتي ضمن إدارة كردية، وبناءً على ما تقدم قامت الولايات المتحدة بالإعلان عن تشكيل قوات سورية الديمقراطية في عام 2015  كتمويه عن رغبتها في استغلال الكرد من جهة، ومن جهة ثانية نيتها  تقسيم سورية ضمن دولة  فيدرالية سورية ينال فيها الكرد استقلالهم الذاتي، تماماً مثلما فعلت أثناء احتلالها للعراق حيث قامت بفرض منطقة حظر جوي في أربيل، ليقوم فيما بعد الأكراد بإدارة هذا الإقليم ذاتياً وبشكل مستقل عن حكومة المركز في بغداد.

وبناءً عليه يمكن لنا أن نطرح التساؤل الآتي: هل ستساعد الولايات المتحدة الأكراد لنيل استقلالهم في سورية ضمن إدارة فيدرالية ترفضها سورية كما ترفضها الفصائل المعارضة قاطبةً باستثناء المجلس الوطني الكردي؟؟ هل سيستطيع الأكراد تحقيق حلمهم القومي في إقامة دولة كردستان والممتدة من جنوب العراق إلى حدود هاتاي؟ ( إقليم الإسكندرون السليب والذي اقتطعته فرنسا وأهدته لتركيا عام 1939عبر اتفاقية سرية في عصبة الأمم المتحدة ، رغم وجود العديد من الوثائق التي تبرهن على سورية اللواء، أولها معاهدة سيفر والتي فيها اعترفت الدولة العثمانية آنذاك بعروبة اللواء وقليقية( أضنة ومرسين) بالإضافة إلى اتباع اللواء للدولة السورية قبل الانتداب الفرنسي والذي سعى إلى تقسيم سورية لعدة دويلات ومن ثم تآمر الفرنسيون وسلخوا لواء سكندرون عن الوطن الأم سورية)

لماذا تحدثت عن لواء إسكندرون هنا، لان هذه النقطة مهمة بالنسبة للدراسة قيد البحث، فاقتطاع اللواء وتسليمه لتركيا، هو خير برهان عن حجم المؤامرات الي حيكت ومازالت تحاك ضد سورية، ومن بينها مسألة الفيدرالية والتي يزمع من خلالها السعي لتقسيم المقسم، بمعنى آخر سايكس بيكو ثاني بحجة إعطاء الأكراد استقلالهم الذاتي ضمن حكومة فيدرالية .

سوف نقوم الآن باستعراض مواقف الدول الإقليمية المساندة والمناهضة للفيدرالية ولاستقلال الأكراد في سورية كما سوف أعرج على مسألة الاستفتاء على إستقلال كردستان العراق ومدى انعكاساته على القضية الكردية في سورية وفي دول الجوار :

بادئ ذي بدئ يستحضرنا السؤال التالي : لماذا الاستفتاء لاستقلال كردستان العراق في هذا التوقيت بالذات ؟ وخاصة بعد تحرير الموصل من تنظيم داعش المتطرف ؟ والسؤال الثاني الذي يتبادر إلينا : ماذا لو تحررت الرقة  وتم القضاء نهائياً على تنظيم داعش وخاصة بعد تقدم الجيش السوري وحلفائه في دير الزور، ما هو مصير الرقة وخاصةً مع تصاعد الأنباء عن سيطرة قوات سورية الديمقراطية على جزء كبير من الرقة ؟؟ وما هو مصير هذه القوات وما هو مصير الفدرالية المزعومة ومطالب الأكراد بإدارتهم واستقلالهم الذاتي ؟

ثانياً : أكراد العراق وانفصال كردستان : المخاطر والتحديات :

لنعود قليلاً إلى الوراء  وبالذات إلى العراق وتحديداً إلى إقليم كردستان العراق، فيما يتعلق بالكرد في العراق يتراوح  عددهم ما بين 5  إلى 6   ملايين نسمة، ولقد قاموا بالعديد من حركات التمرد  عبر التاريخ بقيادة زعيمهم الأسطوري مصطفى البرزاني والد زعيم أقليم كردستان العراق الحالي " مسعود البرزاني" ،ففي  عام 1991 وبعد حرب الخليج الأولى استطاعت  قوات البيشمركة الكردية هزيمة الجيش العراقي بمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية حيث قامت  بالسيطرة حينذاك على إقليم كردستان الحالي وذلك بعد حظر للطيران في كامل منطقة تواجد الكرد في شمال العراق، مما سهل عليهم فيما بعد إعلانهم قيام حكم ذاتي لهم وعاصمته أربيل، وبعد حرب العراق والاحتلال الأميركي له  عام 2003  تم توسيع الحكم الذاتي للكرد لينص عليه الدستور العراقي حيث تم أيضاً وفق الدستور العراقي الجديد  سن قانون المحاصصة الطائفية، ليكون الرئيس العراقي كردياً، وأعطي الشيعة منصب رئيس الحكومة، أما السنة فكان لهم منصب رئيس البرلمان، وبالتالي ووفقاً لهذا الدستور العراقي قد أعطي  جزءاً من ميزانية الحكومة لأقليم كردستان العراق، وبناء عليه فرض وبحسب الدستور منع دخول الجيش العراقي إلى إقليم كردستان حيث تقوم قوات البيشمركة بحماية مناطق الحكم الذاتي للكرد والتي تشمل مناطق السليمانية وأربيل ودهوك، ومعظم سكان هذه المنطقة هم أكراد بالإضافة إلى بعض الأقليات التركمانيين والآشورية والأزيدية.

طبعاً هناك مدن أخرى يتطلع أكراد العراق لضمها وهي كركوك ومحافظتي نينوى و صلاح الدين، مدينة كركوك المتنازع عليها بين الحكومة العراقية والكرد هي مدينة استراتيجية وتحتوي على آبار النفط والتي قامت حكومة أربيل بالسيطرة عليها بعد طرد تنظيم داعش الإرهابي منها وسيطرة قوات البيشمركة عليها، وقاموا فعلاً بتصدير النفط لتركيا التي وجدت مصلحة لها مع حگومة أربيل خوفاً من تحالف كرد العراق مع كرد تركيا وخاصةً حزب العمال الكردستاني المصنف على لائحة الإرهاب الأمريكية.

من كل ماتقدم نستطيع أن نستخلص بأن إصرار  إقليم كردستان  العراق بإجراء استفتاء لانفصال الإقليم عن الدولة الأم هو يأتي في ظروف استثنائية وخاصة التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط والمخطط الجديد الذي يحضر ويهندس لها في أروقة الأمم المتحدة وجنيف والأستانة، لقد شعر الكرد بأن هذه اي فرصتهم التاريخية لتحقيق حلمهم بإقامة دولتهم القومية كردستان الكبرى ولذلك كانت البداية من العراق ولكن الغريب في الأمر هو إصرارهم على الاستقلال والانفصال في هذا الظرف الحرج والتشرذم والضعف الذي تمر به الدول الأقليمية التي يتواجدون بها، فالاستفتاء الذي جرى فعلاً في الخامس والعشرين من شهر سبتمبر / أيلول لم توافق عليه الحكومة المركزية واعتبرته غير شرعي، ورغم الردود السلبية من دول الجوار الإقليمي وخاصة ذات التواجد الكردي على أراضيها كسورية وتركيا وإيران، فإن البرزاني قام بالاستفتاء على استقلال أربيل عن العراق، مما سيساهم في تقسيم العراق وفي تشجيع باقي الحركات الانفصالية والقوميات التي تطالب بانفصالها عن الجسد الأم ككتالونيا ولا نستغرب ربما كورسيكا مستقبلاً الخ، ما يهمنا نحن هنا هو انعكاسات انفصال كرد العراق على القضية الكردية ومطلب الاستقلال سواء في كل من  إيران أو تركيا  أو الفدرالية التي ينادون بها في سورية.

ثالثاً : انعكاسات انفصال كردستان على الكرد في  دول الجوار:

لابد لنا باستشراف بعض الأحداث التي قد تنجم جراء الانفصال الفعلي لكردستان العراق على دول الجوار الإقليمي وانعكاساته على تطلعات الأكراد في هذه الدول :

أولاً على إيران : لنبدأ من  إيران: فالأكراد فيها  قاموا بعدة محاولات لإقامة إقليم حكم ذاتي، لكن دون الانفصال عن جسد الدولة المركزية، حيث كانت المرة الأولى مابين عامي 1918/1922بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، حيث تشير الأحداث التاريخية إلى ثورة سمكو آغا الذي أراد إقامة دولة كردية  بدعم من الأتراك ضد حكم القاجاريون لإيران، وكانت المرة الثانية في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1946م وخاصة بعد الاحتلال السوفييتي للمناطق الواقعة في شمال غرب  إيران حيث شهدت  هذه الفترة محاولة انفصالية قام بها الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني الأول (  ( KDP-1 والجماعات الشيوعية لتأسيس حكومة حليفة للسوفييت في منطقة أكراد إيران حيث سميت بحكومة مهاباد إلى أنها هذه المحاولة أيضاً باءت بالفشل بعد انسحاب السوفييت من إيران.

أما بالنسبة للمحاولات الحديثة لأكراد إيران  بالاستقلال الذاتي عن الحكومة المركزية فكانت متمثلة بحزب الحياة الكردستاني حيث استمر هذا التمرد من عام 2004 لغاية عام 2011  حيث تم توقيع  اتفاقية وقف إطلاق النار في سبتمبر  بين حكومة طهران وحزب الحياة وبالتالي بذلك انتهت أنشطة حزب الحياة الكردستاني، كما شهدت أيضاً إيران الثورة الكردية في عام 1967 كجزء من التمرد الماركسي وذلك أيضاً بهدف إقامة استقلال ذاتي لكن هذه المحاولة باءت أيضاً بالفشل، كما حاول الكرد تحقيق استقلالهم الذاتي في إيران في أعقاب الثورة الإيرانية عام 1979 لكن الحرس الثوري الإيراني استطاع هزيمة الأكراد ومنعهم دون تحقيق حلمهم في الاستقلال الذاتي عن الحكومة الأم. إيران لن تسمح لا لأكراد العراق ولا سورية ولا إيران بالحصول على أي استقلال ذاتي لأنه باختصار هو مخطط أمريكي  إسرائيلي لتقسيم سورية والعراق وتركيا و إيران بحجة إعطاء الأكراد حقهم المسلوب.

مما تقدم نستطيع أن نستنتج بأن الأكراد لطالما استغلوا عبر التاريخ سواء ظروف الحرب أو حالة التخبط والضعف والتشرذم  التي تعصف بالدول التي يتواجدون بها لكي ينتغموا الفرص ويقوموا بالتمرد لنيل استقلالهم وحكمهم الذاتي، طبعاً وخير دليل كان حالياً الوضع في كل من سورية والعراق فكلا البلدين يمر بظروف صعبة وحرب تشن عليهما من قبل الدول الغربية بغية إضعافها والسعي لتفتيت هذه الدول والنيل من سيادتها من خلال مشروع الشرق الأوسط الجديد.

 ثانياً: انعكاسات انفصال كردستان العراق على تركيا : ماذا عن تركيا وما هو موقفها من استقلال أكراد العراق وسورية على حدٍ سواء : بالنسبة لحكومة كردستان العراق كان لها تحالفاً استراتيجيا مع تركيا  والتي تمتعت بعلاقات جيدة مع حكومة أريبيل، رغم المشكلة الأساسية للأكراد في تركيا مع الحكومة المركزية، إلا أن أنقرة استطاعت وعبر تحالفها مع أكراد العراق بتغليب المصالح الاقتصادية على المصالح القومية، فتركيا تجيد جيداً سياسة التحالفات التكتيكية وليس الاستراتيجية، فبرغم تصدير النفط العراقي عبر حكومة أربيل إلا أن صديق الأمس أصبح عدو اليوم، فمسعود البرزاني الذي كان حليفاً لأردوغان  اليوم وبعد إعلانه إجراء استفتاء بانفصال  إقليم كردستان العراق أصبح اليوم كزعيم لأكراد العراق خطراً استراتيجيات وقومياً على تركيا، فتركيا لطالما عانت من المشكلة الكردية ما عانته وتوجد معارضة كردية سياسية لابأس بها متمثلة بحزب الشعوب الديمقراطي، أو المسلحة والمتمثلة بحزب العمال الكردستاني، ولطالما كان  استقلال أكراد تركيا يشكل كابوساً  لأنقرة ، ونحن لانستغزب بطبيعة الحال الموقف التركي من قضية استقلال أكراد العراق، فهذا  الانفصال يشكل خطراً على تركيا بعينها وعلى القضية الكردية فيها، فتركيا قد لا تتناهى عن التدخل العكسري المباشر كما فعلت في سورية لمنع قيام أي كيان كردي يهدد وجودها. 

ثالثاً : ما هي الفرص المُحتملة لانفصال كردستان العراق ؟ وهل الظروف متاحة للقيام بذلك؟:   حتما وَمِمَّا لاريب فيه هو أن الطريق أمام انفصال كردستان العراق لن يكون معبداً بالورود،  وخاصةً اذا ما استعرضنا  مواقف دول الجوار قاطبةً  الرافضة لاستقلال وانفصال الإقليم عن العراق،  لما من تداعياته على الدول الإقليمية المجاورة  التي يتواجد بها الأكراد، رغم أن حكومة أربيل هي تكاد تكون الأوفر حظاً لنيل استقلالها، إلا أنها ستتصادم أيضاً بردات  فعل دولية وأقليمية مناهضة لها، هذا ناهيك عن التهديد الإيراني والتركي بالتدخل العسكري المباشر في حال حاولت حكومة أربيل الانفصال فعلياً، ولكن رغم حظوظ إقليم كردستان بالحصول على الاستقلال إلاّ أنه ستكون في انتظاره الكثير من التحديات وهي :  

1- صعوبة الحصول على اعتراف رسمي من الدول الإقليمية المجاورة .

2- احتمالية الاعتراف بشرعية استقلال إقليم كردستان العراق في الأمم المتحدة.

3-  رفض الحكومة العراقية نتائج الاستفتاء والاعتراف باستقلال كردستان.

4-  قد تلجأ الدول الإقليمية إلى غلق حدودها البرية مع حكومة كردستان.

5- لجوء تركيا  بوقف تصدير نفط كردستان العراق إلى الدول الخارجية .

6-  تراجع الاقتصادفي حكومة إقليم كردستان جراء سياسة الحصار التي ستمارس عليها من قبل دول الجوار كإيران وتركيا.

7-  احتمال  شن حرب على إقليم كردستان  من قبل تركيا وإيران بغية منع انفصاله .

8-  احتمال استغلال تنظيم داعش حالة الفوضى مجدداً ليعود ويسيطر من جديد على المدن التي خسرها.

 وبالتالي فليس من السهولة  بمكان لإقليم  كردستان العراق نيل استقلاله  ولن تكون الدول الإقليمية  متهاونة في هذه المسألة المصيرية التي تهدد استقرار دول الجوار وكيانها المستقل والموحد. 

رابعاً: ما بعد الرقة و دير الزور : وبالعودة لأكراد سورية رغم تحالفهم مع واشنطن وتقدم قوات سورية الديمقراطية في أكثر من منطقة وإعلان الأكراد عن ما يسمى روج آفا في مارس 2016  ( منطقة غرب كردستان ) كمنطقة للإدارة الذاتية بحكم الأمر الواقع حيث تضم ثلاثة أقاليم الجزيرة وكوباني وعفرين، طبعاً هذه المناطق لاتعتبر بها دمشق الحكومة المركزية وهي أصلاً فرضت بعد خروج تنظيم داعش منها، طبعا كما جوبهت روج آفا من قبل  تركيا والتي تعتبر قوات حماية الشعب الكردي وحزب الاتحاد الديمقراطي كامتداد لحزب العمال الكردستاني،طبعاً الأكراد وكما أسلفنا يسعون لاستغلال الفرص مهما كانت الثمن، طبعاً قد لانستغزب بأن يكون هناك ضوء أخضر أمريكي وروسي بإقامة فدرالية في سورية ينال من خلالها الأكراد حكمهم الذاتي في المناطق التي يسيطرون عليها وبالتالي قد نكون ربما أمام سيناريو جديد " سايكس بيكو 2  ولكن هذه المرة بهندسة أمريكية وروسية، طبعاً لا ننكر بأن الأكراد استطاعوا محاربة داعش وطرده من عدة مدن كان قد سيطر عليها ولكن ذلك بفضل الأمريكان ودعمهم اللامتناهي لقوات سورية الديمقراطية وقوات حماية الشعب العمود الفقري فيها، ولكن الأكراد كغيرهم سيطلبون مكاسب جراء تضحيات كانوا قد قدموها في سبيل تحرير مدن سورية من تنظيم داعش الإرهابي ولكن السؤال المطروح هنا ماذا لو تم طرد تنظيم داعش من مدينة الرقة ما هو مصير المدينة وهل سيقوم الأكراد بضم الرقة إلى إقليم غرب كردستان سورية ؟. 

أهمية مدينة الرقة بالنسبة للجميع :

تتمتع محافظة الرقة بموقع متميز في الجغرافية السورية فهي تقع في حدود سورية الشرقية وطبعاً هي غنية بالثروة الزراعية والحيوانية والمائية هذا ناهيك عن قربها من الحدود العراقية، وبالتالي تشكل الرقة بالنسبة للأكراد نقطة استراتيجية، وهم لم يخفوا حلمهم بضم الرقة إلى غرب كردستان بغية إقامة حلمهم القومي الأكبر ووصل كردستان العراق بكردستان سورية عبر الرقة، ولكن الرقة ليست تلك المدينة ذات الغالبية الكردية فهي عبارة عن مدينة ذات غالبية عربية تنتمي لعشائر عربية، طبعا قوات قسد كانت تتسابق مع الولايات المتحدة من أجل السيطرة على الرقة لمنع سورية والدول الحليفة كأيران من الوصول لدير الزور، إلى أن فك الحصار عن مدينة دير الزور من قبل الجيش العربي السوري وحلفاءه قطع الطريق على قوات قسد ومن وراءها الولايات المتحدة للسيطرة على كامل الشروط الحدودي مع العراق، طبعاً الرقة مهمة للجميع، ومع أن المقارنة هنا مستحيلة، فالرقة مدينة سورية وليست ملك لأحد، ولا يعني تحريرها من تنظيم داعش بأن القوى التي ساهمت في ذلك سوف تكون هي لها كلمة الفصل في نظام الحكم فيها أو في استقلالها عن الوطن الأم، المخطط الأمريكي واضح، وهو تفتيت سورية إلى دويلات من خلال مايسمى بالفيدرالية والتي وعد فيها الكرد بدولة  مستقلة، الكرد في سورية هم سوريون كغيرهم من الأقليات الأخرى كالآشوريين والسيريان والأرمن والعلويين، وبالتالي تواجد أقلية معينة في منطقة ما لا يعطيها الحق بالاستقلال عن الدولة الأم على أساس عرقي بحت، ولو رجعنا إلى الوثائق التاريخية لوجدنا بأن أكراد سورية لايتجاوز عددهم المليون والنصف وأغلبهم كانوا قد هاجروا من جنوب تركيا إلى شمال وشرق سورية بعد إعلان كمال أتاتورك  تأسيس الجمهورية التركية عبر اتفاقية لوزان. 

خاتمة : ماذا  لو  انفصلت كردستان العراق :

من غير المستغرب أن نرى بأن إسرائيل تدعم استقلال كردستان العراق، فهي تريد قطع الحدود ما بين إيران والعراق، وبالتالي فإن استقلال إقليم كردستان العراق قد يكون البداية لتقسيم العراق، ومن ثم لتحريض وإشغال الإيرانيين بالقضية الكردية، كذلك لاستفزاز أنقرة وحملها على التدخل عسكرياً لمنع قيام كيان كردي مستقل قد يشجع أكراد تركيا الذين لطالما طالبوا باستقلالهم عن تركيا وخاصةً أنهم  كعديد  لابأس به مقارنة بسورية وإيران، وبالتالي نحن الأن أمام مشهد جديد يجتاح منطقة الشرق الأوسط وعنوانه الجديد سايكس بيكو " ملحق" أو ثاني  لما لم يتم تحقيقه في سايكس  بيكو الأول بحيث يكون هذه المرة الكرد قاطبة فيه عبارة عن  حجر الشطرنج الذي تستطيع من خلاله الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة بداية إعلان خارطة جديدة للشرق الأوسط تبدأ من كردستان العراق لتنتهي بفدرلة سورية وربما تقسيم تركيا لاحقاً.

 -------------------------------

المراجع المعتمدة:

-      كتاب محمد أمين زكي نقله إلى العربية  الدكتور محمد أحمد عوني عام 1936 / طبع عام 93

-      كتاب الأكراد تاريخ شعب وقضية وطن/ الدار الثقافية للنشر 2002

·       مقال بقلم حنان أخميس / كانون الثاني / janvier 2004

·       كتاب آريا القديمة وكوردستان الأبدية ( الكرد من أقدم الشعوب) تأليف الكاتبة الروسية صلوات كولياموف ترجمه عن الروسية الدكتور اسماعيل حصاف/ الطبعة الأولى 2011 / صفحة 564

·       كتاب تاريخ الأكراد في سورية الحالية قديماً وحديثاً، بقلم آرباكسي/ 2017 أون لاين

·       كتاب تاريخ كردستان ( الجزء الأول) تأليف جكر خوين، ترجمة خالص مسور، المجلد الأول / استوكهولم 1985/ مطبعة آميرال بيروت/ لبنان طبعة أولى عام 1996.

·       مقال ، مستقبل الكورد في سورية بعد هزيمة داعش، زارا صالح،

·       www.Rudaw.net/26/04/2016

·       نظام فدرالي في سورية، مقال لسهام أشطو، 18/03/2016/ www.dw.com

·       فيدرالية كرد سورية ودولة كردستان،ياسين طه NRT/ / www.nrttv.com

·       اتفاق أمريكي كردي، موقع صحيفة رأي اليوم الالكترونية ، مريم حجاب.

------------------------------

* باحثة  في العلاقات الدولية ومتخصصة في شؤون الشرق الأوسط / مقيمة في باريس


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017