شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2017-11-03
 

الحكم المجحف

د. أنطوان فرحة - الفينيق

أعلنت المحاكم اللبنانية حكمها الأخير في قضية حبيب الشرتوني بعد غياب طويل مستغرب، ومرور 35 عاماً على هذه القضية. أن تطل المحاكم اللبنانية علينا اليوم بحكم زائف بعيد كل البعد عن الحقائق والوقائع والأدلة الدامغة أمر متوقع ومحسوم، فلو أن المحكمة فاجأتني بإصدار حكم معاكس تبرئ به الشرتوني ونبيل العلم لأرداني وقع المفاجأة قتيلاً .

لقد عودتنا المحاكم اللبنانية على مدار ما يناهز مائة عام على قلة نزاهتها وارتهانها السياسي. وما المهزلة التي لعبت فصولها أمامنا في الأشهر الماضية إلا واحدة من العشرات التي طالت الحزب السوري القومي الاجتماعي، بدءاً بزعيمه ومروراً بقياداته وأعضائه عبر السنين، لتطال أخيراً أحد رموز مقاومته الوطنية في لبنان.

نزل عليّ الخبر بهدوء وبرودة لم أعهدهما، فلم يرف لي جفن. ماذا تتوقعون من محاكم أنزلت بالزعيم أنطون سعاده عقوبة الإعدام، فشرّعت اغتياله. هي المحكمة عينها التي أصدرت على سعاده عقوبة الإعدام لـ”تعامله” مع العدو الإسرائيلي (أنظر حكم الإعدام)، فقضى من جاهر وحذر من الخطر الصهيوني ووضع خطة معاكسة لمحاربته بتهمة التعامل معه!

لن أطيل عليكم اليوم بقصة الشرتوني، ولن أناقش صحة عمله، ولن أصوّر ملاحم البطولة، ولن أحاوركم بالأهمية الوطنية والمعنوية لما قام به، ولن أعدد دوافعه وما نتج عن عمله البطولي المقاوم من تغيير حقيقي وفعلي لمجريات الأمور والتاريخ.

كما أنني لن أعلمكم بمسيرة بشير الجميل، ولن أتعبكم بالحديث المطول أو المُكهل عن مدى عمالته واتصاله بالعدو الإسرائيلي، ولن أمعن عليكم بذكرى المجازر التي ارتكبها بحق المواطنين ومعظمهم من العزل… فكل هذه الأمور موثقة وازداد انتشارها وتضاعف خلال الأيام الماضية على شبكات التواصل الإلكتروني. ولم يخبيء رفاق بشير الجميل هذه الأمور، ولم يحاولوا نكران أعماله. فالحفنة القليلة الباقية من محبيه تباهوا بما أقدم عليه من إجرام وتغنوا بزياراته المتكررة للعدو ولقاءاته المدونة بمسؤوليه. وقد تكلم هؤلاء برومانسية عن حلم أو أحلام هي في الحقيقة بعيدة كل البعد عن وقائع تلك الحقبة، وأنا كنت معايشاً لها ومطلعاً على أدق تفاصيلها.

وقد علق البعض من محبي الجميل أو الذين سارعوا فجأة إلى ساحة الأشرفية لقطف الثمار السياسية الجافة لهذا القرار المجحف، بأن قرار المحكمة طوى صفحة! ومنهم من غالى بالعدالة، وأهل الفقيد اعتبروه انتصاراً معنوياً وإلى ما هنالك من عبارات جوفاء مرددة.

أظن أن قرار المحكمة غيّر الكثير في هذا الموضوع. فبشير الجميل قضى كأي عميل، ولا أخال أن حبيب الشرتوني كان ينتظر بفارغ الصبر قرار المحكمة ليحزم أمتعته ويعود إلى لبنان، وعوائل الذين قضوا على يد بشير الجميل ورفاقه لم ينالوا قسطاً من العدالة. كيف لهم ذلك ورفاق الجميل من أمراء الحرب تبوأوا مراكز السلطة. لكن السؤال الخطير الذي نتج عن هذا القرار هو التالي: ما هي العبرة التي يعطيها هذا القرار للأجيال الجديدة من الشباب اللبناني؟ لقد أسدل هذا القرار بالرغم من سخافته ستاراً من الضبابية على معاني الخيانة العظمى وخيانة الوطن وحق المواطن المشروع بمحاربة عدوٍ غازٍ ومن تعامل معه من ضعفاء النفوس. وقد أوهن القرار صلة الأنسان بأرض أمته أو ما يسمى بالتواصل العامودي مع أرضه، فلم تعد الخيانة العظمى محددة تحديداً تاماً بعيداً عن التفسيرات والتأويلات.

لقد أصبح مفهوم العمالة “وجهة نظر”! (كما أردفني أحد أعز الرفقاء)، فيغيّر المواطن مفهوم العمالة متى شاء أو أراد تماشياً مع مصالحه الشخصية. وقد تتضارب المصالح الشخصية مع مصلحة المجموعة والمصلحة الوطنية، فيسهل على الفرد إعادة صياغة مفهوم العمالة ليتفلت من واجباته الوطنية ويباشر بالتعامل مع العدو ليخدم مصلحته الشخصية. وقد يصل بنا المطاف حيث يبرر العميل أعماله بحب زائف لوطنه يحمله على العمالة. زد على ذلك أن قرار المحكمة أوهن فكرة العقاب للخائن أو حتى ملاحقته قضائياً وإنزال العقوبات به.

وأنا لا أدّعي اليوم أن شباب لبنان سيتحول وحداناً وزرافات إلى خونة في الغد القريب، لكني أحذر من أن الجيل الذي ينشأ على هذه المغالطات ستضعف فيه الروح الوطنية والقيم الوطنية والولاء للأرض والوطن، وهي كلها قيم منحوتة فينا، وكذلك فإن بناء الإنسان الجديد الذي هو من أول أهداف الحزب السوري القومي الاجتماعي يكمن في صميم هذه المفاهيم.

إن مفاهيم الخيانة محددة في الأوطان والأمم الراقية. وقد تنبه مؤسسو الولايات المتحدة الأميركية لهذا الأمر قبيل استقلال بلادهم وفي باكورة انطلاقتها فكرّسوا مفاهيم الولاء للوطن Country Loyalty وحب الوطن Patriotism  والخيانة العظمى Grand Treason  في كل قوانينهم وكل شعائرهم. ورُفعت هذه المصطلحات على كل مؤسساتهم من West Point حتى أصغر مكاتب البريد. وقاموا بمعاقبة أحد ألمع ضباط الجيش الأميركي إبان حرب الاستقلا ل مع بريطانيا “بينديكيت أرنولد”  Benedict Arnold الذي كان تحت أمرة جورج واشنطن مباشرة وأحد أذكى الجنرالات ومن أبطال الجيش الأميركي Continental Army. قضى أرنولد وحيداً مهملاً في لندن بعد تجريده من كل رتبه العسكرية، وأسقطت عنه كل الاعتبارات، وأزيل اسمه عن كل اللوحات التذكارية والنصب التقديرية بعد أن ثبت عليه تهمة التعامل مع البريطانيين. وقد اقترن اسمه بعبارات ومفاهيم الخيانة وأصبح أسم  Benedict  رديفاً للخيانة في محط كلا م الناس حتى يومنا هذا.

أما السوء الثاني الذي قد يلحق بنا من جراء هذا الحكم فهو أن المحاكم اللبنانية خلقت سابقة قانونية ضد ظاهرة الإنسان المقاوم في لبنان. والحكم، بالرغم من سذاجته، جعل من الشرتوني المقاوم بعد 35 عاماً مجرماً في نظر القضاء. فإذا تواجد الشرتوني على أرض لبنان سيعتقل ويودع السجن وقد تنفذ به عقوبة الإعدامإ

إن قرار المحكمة غير المدروس وغير المُناهَض فتح الباب لتجريم المقاومين للعدو الصهيوني. كما شرّع بطريقة غير مباشرة لملاحقتهم قانونياً. وقد يخال لبعض الصامتين اليوم أن تأثير هذا الحكم عليهم ضئيل جداً، لكن التداعيات القانونية التي قد تلحق بأي إنسان تسوّل له نفسه مقاومة العدو قد تكون وخيمة. فمن منا يستطيع الجزم بأن التفسيرات المستقبلية لهذا الحكم لن تجعل منه سيفاً مسلطاً على رقاب المقاومين الشرفاء وذويهم. وقد يستعمل في المستقبل البعيد لملاحقتهم وعائلاتهم، ولتجريدهم من حقهم المشروع في المقاومة. وقد تفتح المجال لملاحقة ذوي الشهداء بأعطال وأضرار مادية في المحاكم المدنية.

وقد نظن اليوم أن أحداً لا يستطيع المس بالمقاومة، لكن الأمور تتغير مع الزمن. فأمور السياسة دوماً على تقلب، وقد تتغير التحالفات الإقليمية والدولية مع الوقت، فنجد أنفسنا في محاكم غصت بالأبطال المقاومين لإسرائيل.

وإذا عدنا بالذاكرة إلى العقد الماضي على سبيل المثال، وراجعنا ما حل بجنرالات الصرب وقياداتهم في حرب البوسنه (Bosnia)، لوجدنا أن حكومتهم ألقت القبض عليهم وأودعتهم السجون من جراء قوانين أقرّت بفعل الضغط الأميركي للإيقاع بهم، فاعتبروا مجرمي حرب وأنزلت بهم أشد العقوبات في المحاكم الدولية المنحازة.

نعم، قد نجد أنفسنا بعد ثلاثين عاماً أخرى في محاكم الأبطال نخضع لرغبات أعدائنا في محاكم بلادنا وعلى أيادي مواطنينا… فنندم حيث لا ينفع الندم!


 

جميع الحقوق محفوظة © 2017 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه