كما لحظة الولادة ، خليط وجودي من الالم الفريد بالفرح الفريد ، نزف قان يتدفق ليغمر استمرارية الحياة في حين هو في مكان اخر مجرى لسيل الروح نحو الموت.. كما لحظة الولادة ، عذاب والم حتى الشهقة ، حتى الصرخة التي يعقبها بكاء ، ان هما الا البشرى التي تستمطر الزغاريد احتفاء بسلامة المولود. كذا كانت ساحة التروكاديرو في باريس ليلة امس ، وكذا هي شاشاتنا التي يسمرني قدري امامها طيلة هذه الاسابيع التي لم اشعر في حياتي يوما انني اتوق الى الحركة كما تمنيت فيها. طالما سعدت لانني اشبه وطني كما الاطفال الذين يولدون من حب امرأة استثنائي لزوجها ، لكنني اليوم لا اريد ان يتطاول هذا الشبه حتى اجدنا نقاوم في دات الوقت ، كل سرطانه ، رغم انني قد اجد في انتصاره تفاؤلا بانتصاري. كما اجد في آلام اهلي ما يخجلني اذ اذكر آلامي الشخصية ، وفي انتصارهم العظيم بثمنه المرير ما يجعل بؤرة تفكير كل منا تتجه الى السؤال: ماذا فعلت؟ وماذا يمكن ان افعل؟ وقد اجد عزاء في عبارة وردت في خطاب جورج قرم في احتفال الامس حول دور معركة الكلمة. هذه التي لم اتخلف عنها يوما حتى وانا في المستشفى.
يحضرني وجه صديقتي الحميمة ، الراحلة الباقية فدوى طوقان: هل احمي اهلي بالكلمة؟ تعيدني الى الشهيد الاول: في البدء كانت الكلمة، لكن الكلمة هيكل اجوف ان لم تمنحها الحياة سريان الفعل في شرايينها. وبالامس ، وخلال اسابيع كان للفعل هدير العاصي والليطاني في شرايين وطني.
اعادت الينا هذه الباقة من المناضلين هتاف الدماء في الشرايين ، ومرة اخرى مدت يدها الى اعناقنا رافعة رؤوسنا نحو الفوق ، كما رأيناها امس في التروكاديرو ، واذ اقول اعناقنا فان ضمير جمع المتكلم لا يعود لنا نحن اللبنانيين فحسب ، اذ كان اختلاط الاعلام اللبنانية بالسورية بالعراقية بالفلسطينية (طبعا بالاضافة لاعلام حزب الله) دلالة كبرى ، كما كان لحضور العلم الجزائري مرفقا بالفلسطيني واللبناني في يد سيدة من قدماء المناضلين ، دلالة عراقة واستمرارية اكبر من الذل.. دلالة تكثفت اذ نزل الشباب العرب بكلهم يدبكون على انغام نشيد وطني في ساحة عاصمة جورج بيكو.
مرة اخرى ، رفع مناضلونا رأسنا ، اذ منذ عملية الويمبي الاولى وحتى القافلة الاستشهادية من الشباب الباسمين الذين انزرعوا في الثمانينات في تربة هذا الجنوب فاورقوا وافاؤوا واثمروا وتدفق نسلهم في هده الثلاثين الاخيرة كما في في الالفين وواحد ، وهم يقفزون الى صدارة المشهد كلما وصل الايمان الى درك الاحباط واصبحت آلام العمود الفقري الذي يحمل العنق غير محتملة ، اصبحنا نحن اهل الكلمة نغالب الانفاس كي لا تسري بين حروفنا رائحة يأس هي تلك التي راهن عليها اعداؤنا منذ جابوتنسكي في جدار الفولاذ ، "سيظلون يقاتلوننا حتى نقتل آخر بارقة امل لديهم" خاصة واننا اذ نغرف من ايماننا الوطني والقومي ما يشحن نشاطنا وكلمتنا ، نرى امامنا أي جهد محموم للتيئيس يمارسه ابواق عملاء احفاد جابوتنسكي في كل ساحاتنا الاعلامية والسياسية.
اولئك الذين يقتلهم الامل ببقاء هدا الوطن ، شيئا اخر غير فاصل اعلامي تظهر فيه فتاة شبه عارية على بوابة المطار ، ويعدها دعوة للسياحة في لبنان ، وبقاء هذه الامة بلبنانها وبسواه ، شيئا اخر غير رخويات استهلاكية منزوعة الارادة والكرامة ، استراتيجيتها السياسية ان تتوسل اميركا (كما قال يوما احد وزراء الخارجية) ، ولم لا طالما ان التوسل قادر على ان يرفع الذين لا يرون وسيلة للارتقاء في السلم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ، الا العمالة والفساد والمتاجرة بدماء الاخرين او بارزاقهم ، الى جانب الذين اعتادوا ان يدعموا مواقعهم الاقطاعية بمضاعفة مداخيل الفساد التي تضاعف قطيع الازلام ، وشرط كل هؤلاء سيادة الجهل وانحسار الوعي وتراجع الكرامة الى مخلفات ماض عدو لوعد النهضة الذي يأمل به المحتفون. وفي مواجهة كل هذا يكون للانتصار اللبناني الاخير ، مضمون اخر من ضمن الابعاد الكثيرة لهذه المعركة ومنجز مناضليها. فلهم معركة الكلمة المكتوبة بالاحمر والمخبوءة في جوف ذرات التراب ، سنبلة اذا سقطت انفرطت وآتت ثمارا كثيرة،، ولنا معركة الكلمة المكتوبة بكل شيء ، بالفعل ، بالتاريخ ، بالحس ، بالرسالة. نحن الذين لا نبالغ قطعا اذا قلنا اننا اهل الرسالات ، ولا يهم ما اذا كانت سماوية ام لا. ومن هنا ، من بنوة هذا الحمل ومن ادراك عميق لتلك الابعاد ، كان جورج قرم كبيرا ، حقيقيا صادقا وهو يختم كلمته بتحديد رسالة لبنان في العالم بثلاث: الحداثة والجسر والنهضة. كنا الحداثة اذ بدأت في الجبل الصغير وفي الهضبة العاملية ارهاصات حركات التحرر التاريخية من الاستعمار العثماني ، ليقابل اليازجي والشدياق والبستاني الثلاثي العاملي ، ولتصافح زينب فواز مي زيادة ، وكنا كذلك لاننا كنا الجسر مند اول مركب فينيقي كنعاني تنزه على الشاطىء السوري وانطلق ربما من جبيل وربما من اوغاريت وربما من يافا حتى اميركا الجنوبية ، الى ذاك الذي مده فخرالدين من الشوف الى توسكانا ، وجانبولاد بين خانات حلب واول قنصلية للغرب في المشرق العربي ليجد في كل منها منطلقا لمرحلة جديدة من الدور السياسي والثقافي (دون ان نجهل ابدا العلاقات السياسية المعقدة المرتبطة بطبيعة التاريخ والجيوبوليتيك في تلك المرحلة والتي تناقش في جو مقال غير هذا).
واذا كان لبنان قد كان ما كان فلا لانه الرقعة الجارة للوطن الكبير او تلك الممزوقة منه ولا علاقة لها به الا علاقة الاستعلائية الجاهلة. كنا النهضة اجل، لا لاننا اتينا باول مطبعة فحسب ، ولا لاننا اول من انتبه الى ثوب لغتنا الرائعة لم يعد يستر عريها امام العصر ، وان خلاياها توقفت عن التوالد ، فيما يشكل اقرب طريق للموت ، فاعدنا احياءها من داخل قدرتها الداخلية والياتها الهائلة على التجدد ولا لاننا ركبنا مناطيد الطموح والجرأة ، اما باتجاه ساحات الحرية في ليل القمع العثماني ، ساحات جعلت من الهجرة الى مصر او الى الغرب محطات فضائية لعصر نهضة عربي ، وجعلت من ساحات صدر دمشق وبيروت مزرعة للدماء وفضاء كما للمشانق فلاناشيد الولاء الوطني والوحدة. ولا لاننا تحدينا تجويع سفربرلك بالبحث عن ثروات اكبر.
كنا كذلك اجل، ولكن الاهم اننا عرفنا كيف نقف عند الخطوط الحمراء للكرامة حتى ولو اتقنا المرونة وكيف نزاوج التجدر في الذات مع الانفتاح على الاخر ، ولاننا عرفنا ان نجعل من بيروت ، شيئا اكبر من مدينة المبدعين والاحرار اللبنانيين ، بل موئلا لكل احرار ومبدعي ومثقفي العالم العربي ، موئلا لا بمعنى المنفى والمخبأ الذي شرطه خرس الالسنة وشحوب الوجوه المحرومة من الشمس واغماضة العيون ، مقابل شيء واحد: اتقاء المقصلة وملء المعدة. بل موئلا ان هو الا الفضاء المفتوح لابداعات العرب ونشاطهم في كل المجالات ، من الشعر الى الكفاح المسلح ، حتى ولو ان الانعزاليين الاغبياء لا يحبون الاعتراف بذلك كثيرا ، ويصرون عل تمزيق هوية ادونيس وكمال خير بيك وسعدي يوسف وعبدالوهاب البياتي ، كما يصرّون على انكار دور المقاومة الفلسطينية في تثوير المقاومة في الجنوب المحتل. لم يكن لبنان الجسر والحداثة والنهضة ، الا يوم عرف ان يقول للغرب نعم ، اذا ما مد يده لتبادل وتفاعل حضاري ، وان يقول له لا اذا ما مد يده لتتطاول على السيادة والولاء الوطني والقومي: فلبنان جسر بين امته وهذا الغرب لا بكونه قطعة من القطعة الزرقاء من سايكس بيكو التي رسمها مشرط مجرمين منكبين على جثة خريطتنا القومية فوق طاولة المشرحة. هو الجسر لان الامم تختار السفراء ممن يتقنون لغة البلد المضيف ويعرفون ثقافته ، لكننا لسنا ابدا وسيطا كما تبجح يوما احد السياسيين اللبنانيين ، لان الوسيط شخص ثالث محايد.
وكما هو العرف الطبيعي فان المطلوب من السفراء ان يكونوا عمالا مهرة في بناء الجسور ، لا ليعبر عليها كل الاخرين ذهابا وايابا فيما يقبع اهلهم تحتها وانما بهدف ان تعبر عليها شعوبهم نحو تحقيق مصالحها وارساء كراماتها ، والا فانهم يسحبون ليعودوا الى اداء دور اخر ، والافادة من خبراتهم. والا فالى التقاعد. لكن لبنان السفير لن يتقاعد ، وسيبقى امينا على الجسر مصرا على الاستواء فوقه.. هذا ما قالته مقاومته في حربها الاخيرة ، وهذا ما قاله المحتفلون في التروكاديرو وعبرت عنه وعنهم كلمة جورج قرم البليغة.
|