شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2006-09-05
 

رجل الدولة ورجل الحكومة !

حياة الحويك عطية

لكأن المحورين الاساسيين للمؤتمر الصحافي الذي عقده رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة في بيروت تمثلا في موضوعين اثنين : الدفاع عن تقصير الحكومة في عملية الاغاثة واعادة الاعمار في رد على تحرك حزب الله الذي بادر الى التصرف فور وقف اطلاق النار . وتقديم كشف مدير شركة استثمار عن المشاريع والتلزيمات ، ومراحلها . واذا به بذلك يتحدث بعقلية المقاول والمدير المالي الذي رافق رفيق الحريري في رحلته الطويلة في الاستثمارات والمقاولات ، وبعقلية المحامي ، لا بعقلية رجل الدولة ، خاصة دولة تخرج من حرب مدمرة هائلة كما لبنان الان ، وتقف في مواجهة قرارات مصيرية تاريخية كما هو مطلوب منها الان .


ولعل الدلالة الكبيرة على هذا الخلط والقصور هو تشديد رئيس الوزراء على استعمال كلمة الدولة مكان كلمة الحكومة ، في خلط للمصطلحات ، يحمل اكثر من دلالة خطيرة . فحين يقول ان الدولة هي جزء من المواطنين وجزء من الناس ، وعلى الناس ان تتضامن من حول الدولة ، وانها مأكولة مذمومة ، وليس هناك غير الدولة تقف معنا . ففي ذلك كله وضوح ان الرجل الذي يراس السلطة التنفيذية انما يعتبر الحكومة باجهزتها هي الدولة ، وبقية المواطنين جمهور عليه ان يلتم حولها . في حين ان ابسط طالب في العلوم السياسية يعرف ان الدولة هي الهيكل السياسي للشعب بكل مواطنيه وبكل اجياله ، ومن هنا تكتسب ديمومتها وعظمتها وتماهيها مع الوطن ، في حين ان الحكومة هي جهاز منتخب ومعين متبدل يخضع للخلافيات بين مؤيد لسياسات تضعها وسلوكيات تسلكها وبين معارض . ولا يقتصر هذا الخلط على مجرد قضية علمية لفظية مصطلحية وانما هو يعكس عقلية محددة خطيرة من نظرة الحكومة الى نفسها والى شعبها ، ومن الحقوق التي تمنحها لنفسها والمطالب التي تفرضها على المواطنين ، ونظرتها الى الخدمات التي تقدمها لهم . فيما يشكل اساسا لحالة الفساد المستشرية في دولنا ، ولحالة الانفصام القائمة بين الحكم والشعب .اما القول بانها مأكولة مذمومة فلا شك انه سيثير ضحك جميع اللبنانيين الذين يعرفون من اكل الدولة ( والدولة بمعناها العلمي الحقيقي هذه المرة ) ويعرفون تماما تاريخ الاتهامات المالية التي اودت برئيس الحكومة يوما الى المحكمة ، علما بانهم يعرفون بانه لم يكن اكثر فسادا من أي مسؤول اخر ، كما سيثير ضحكهم وشتائمهم في وقت واحد ذكر وزارة المهجرين واللجان الخاصة التي تنظم الان للاعمار ، والتلزيمات التي حصلت بسرعة قادر . لانهم لم ينسوا بعد وزارة المهجرين التي رئسها وليد جنبلاط ايام الوجود السوري ورئاسة الحريري ، ومصير اموالها . كما لم ينسوا بعد تلزيمات اعادة الاعمار بعد الحرب الاهلية ، التي نقلت ديون البلاد من اربع مليارات الى اربعين مليار في حين نقلت ثروات المسؤولين بصواريخ ارض جو . كما لا يغيب عن بالهم السؤال الذي يسود الشارع اليوم : لماذا ضربت اسرائيل في كل مكان الا في فضاءات منشآت سولبدير؟


كما يسالون : منذ متى كان للحكومة هذا النشاط المبهج الذي تعجز عنه اكثر الدول في العالم تطورا بحيث استطاعت ان تقوم بتلزيم عشرات العقود وان تعد 176 مشروعا جاهزة للتلزيم . اما لمن وباية كوميسيونات ، وكم سيوضع من قيمة التلزيم في تنفيذ العمل فهذه كلها اسئلة يعرف اللبنانيون ان مجرد طرحها هو من باب تحصيل الحاصل .


لكن الاخطر هو ان رئيس الوزراء الذي تحدث بلغة وزير اشغال عامة او رئيس شركة مقاولات ، نسي تماما انه راس السلطة التنفيذية في الحكم وبالتالي انه مسؤول عن الجانب السياسي من الحرب وما بعد الحرب ، عن الاسرى اللبنانيين ، عن موضوع القوات الدولية ودورها ، عن اعلام السلام الدائم التي يلوح بها الجميع من هنا وهناك ، من مسؤولين عرب الى مسؤولين دوليين وعلى راسهم كوفي عنان ، الذي تفرج على جنوبي لبنان من الطائرة في حين كان اول نشاط قام به في اسرائيل هو الاجتماع باهل الجنديين الاسيرين ، وكان موتى لبنان واسراه مولود من رجل البطة كما يقول المثل الشعبي ولا ام ولا اب لهم . لكن لماذا نلوم كوفي عنان طالما ان الرجل يتصدر مسؤولية البلاد وقيادتها لا يذكر اسرى البلاد وشهداءها ، فكيف يصبح لانساننا قيمة عند الاخرين طالما ان لا قيمة له عندنا ؟


هذا اضافة ان الانتقال من الكلام عن تبادل الاسرى الى اولوية اطلاق سراح الاسرائيليين بدون شروط هي مسالة خطيرة تعيد الامور الى نقطة الصفر ، وتتناقض حتى مع مضمون القرار الدولي .


ولعل الدلالة المريرة هي ان محطة الجزيرة قطعت مؤتمر السنيورة لتبث مؤتمر كوفي عنان مع وزيرة الخارجية الاسرائيلية ، ومن ثم مع اولمرت . لم يتحدث الاثنان عن اعمار الشمال ولا التلزيمات ، بل تحدثا كما رجال الدولة عن القضايا السياسية الاساسية بالنسبة لهما : الاسيرين ، سلاح حزب الله ، والقوات الدولية ، والسلام الدائم . هذه الثيمات السياسية تناولها خطاب السنيورة في ستوكهولم ، على عكس بيروت ولكن ليعد بلبنان " الاعتدال " الذي لن تقبل فيه التصرفات المنفردة ( وفي ذلك نقد واضح لحزب الله )، كما ليعد بسلام دائم لاسرائيل مرة والى الابد دون ان يذكر كلمة عن اسرى لبنان او عن دور المقاومة الدفاعي . ( كل ذلك بثمن نصف مليار دولار )


فهل يعقل ان يحول انتصار عسكري بطولي اسطوري كالذي حققه حزب الله الى مناقصة استثمارية ، في حين تتحول هزيمة اسرائيلية منكرة وزعزعة داخلية رهيبة كالتي حصلت لاسرائيل الى هجوم معاكس لتحقيق مكاسب سياسية وديبلوماسية ؟ اكلما حققت القوى الشعبية مكاسب بثمن دمها التفت عليها القوى الحاكمة بثمن كراسيها وارصدتها المصرفية ؟



 

جميع الحقوق محفوظة © 2026 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه