شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2007-01-01
 

اعتلى موته ولم يترجل

حياة الحويك عطية

نصبوا رفاتك في الرمال لواء يستنهض الوادي صباح مساء


يا ويحهم نصبوا منارا من دم يوحي الى جيل الغد البغضاء


من رثاء عمر المختار


اعتلى موته ولم يترجل ، حتى وجسده يسقط في الحفرة الخشبية الموازية لنفوس الخونة والعملاء الذين جاؤوا يتفرجون على نهايته ، فاذا هم امام بداية جديدة لاقدرة لاية قوة على انهائها ، الا بقدر ما انهى الرومان زنوبيا وهنيبعل ، والفرنسيون يوسف العظمة وانطون سعادة ، والطليان عمر المختار . انهوا الجسد البشري لتبدا الاسطورة ، بكل قوتها البخارية على تحريك مقاومة الشعوب وشحن معنوياتها ، على تحجيم ودحر الامبراطوريات وانهاء عملائها .



اعتلى موته ، وعيناه محدقتان بصلابة رهيبة الى البعيد السحيق ، ذاك الممتد خلف الان وامامه الى ما لا نهاية ، الى التاريخ . التاريخ ! عاش لاجله وبحسه، وبنى عليه خياراته ، واستشهد لاجله وبحسه، وبنى عليه خياراته ، مدققا في كل لمحة وكل لفظ وكل نظرة ، على اساس ما ستتركه في ضمير التاريخ ، ما ستحفظه من ارث الماضي وما ستحركه من ردود الحاضر وما ستحفظه لاجيال المستقبل . اختار صفحته في ذاك السجل وكتبها بيده بعناية فائقة ووعي عجيب ، دون ان يترك لاي استفزاز صغير او أي وجل عادي ان يشوش شيئا من الق النص وهيبة اللحظة. فبعض السنين لا تساوي لحظة وبعض اللحظات تساوي عمر الشعوب .



ورث جلجامش فوصل الى سر الخلود الحقيقي ، ذاك الذي يجعل من فرد كيانا فوق ذاته ، فاذا هو جوهر شعبه في تعاقب اجياله وخط تاريخه . وورث مردوخ فاذا هو روح الاسطورة التي اختلف العلماء بين اعتبارها الضمير الجمعي للشعب ، او الحدث التاريخي المتفوق على الواقع .



لم يقبل أي عرض لمغادرة العراق منذ ما قبل الاحتلال او بعده ، ولا أي عرض لتقديم التماس عفو وعد بالحصول عليه ، لانه كان يعرف ان استشهاده هنا ونداءاته بحياة الامة وتكبيرات اللحظات الاخيرة ستجعل ذبذبات صوته ، حتى اخرها تمتزج بهواء العراق وتحوم فوق رؤوس المحتلين والمتعاونين معهم . كما ستجعل ذرات جسده تتحلل في تراب العراق فتزيده زلزالا تحت اقدامهم ... وتتوحد كلها مع ذرات كل الشهداء رصيدا لكل المقاومين ، مستعصيا على الاعتقال وعلى المحاكمات المهازل وعلى الاعدامات ايا كان نوعها .تاركا لسائر الزعماء العرب ان يتحسسوا اعناقهم ، ركبهم ، عامودهم الفقري ، ليروا عجزهم عن السير في موكب هيبته الى سدة شهادته ، فيصيبهم الخرس .



منذ بداية المحاكمة وحتى اخر لحظات الدفن كان صدام حسين دقيقا في جعل كل ثانية رسالة ، لشعبه اولا ، للعرب ثانيا ، وللعالم ثالثا . وكان يرغم العالم كله على نقل تلك الرسالة ، بل وعلى اقتصار الاطار عليه ، وبدا حاضرا عملاقا في حين غابت وجوه من جعلهم حقدهم او طمعهم ازلاما وعملاء للمحتل يتعلقون بذيله كي ينتقم لهم او يمن عليهم . حتى اذا نصب الواقع المعادلة لم يستطع الا وان يضع القائد التاريخي في معادلة الاميركينن والقوة المتعددة الجنسيات ، عاداهم وعادوه قاومهم وحاربوه تحداهم وقتلوه . لكنه ظل في كل الحالات خطا موازيا ، وبين الخطين تشويشات من التوابع والمتفرعات التي لا تستطيع ان ترقى يوما الى مستوى الموازي . ولذا فلن تستطيع يوما ان تحقق انتقامها من الرجل حتى ولو شنقته ، لان الانتقام يكمن في قدرتك على الارتفاع الى منزلة خصمك ، الى الانتصار عليه بيدك ، ولا قيمة ابدا لان تجعل من نفسك تابعا خادما لخصمه الاخر كي ينتقم لك ، لانك بذلك تؤكد على دونيتك ، ويبقى هو في تفوقه . وعندما تكون دونيتك هذه ملازمة لذل شعبك ، وفوقيته مرتبطة بحريتهم وكرامتهم ، فان رجحان الميزان يصبح عاموديا .




فلو كانت جماهير باريس الزاحفة الى الباستيل هي التي نصبت مقصلة لويس السادس عشر ، لقلنا انها ثورة الشعب وكررنا مع زعماء العالم المنافقين وبعض الزعماء العرب الواجفين ، انها ارادة الشعب العراقي ! وانحنينا ! لكنها جماهير فيشي المتعاونة مع هتلر ، وحركي الجزائر المتعاونين مع فرنسا . اما الارادة فهي ارادة الصهيونية العالمية اولا واميركا المتصهينة ثانيا، وهذا ما عبر عنه الشهيد متحديا في اخر نداءاته : تعيش الامة ! فلسطين عربية !

صراع تاريخي بين الجبابرة ، يضيع فيه الاقزام بين اقدام الخيول !



 

جميع الحقوق محفوظة © 2026 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه