إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

أقليات لا أقليات

أنطون سعادة

نسخة للطباعة 1939-03-18

الارشيف

...ولعل الحوادث التي وقعت في الجزيرة والمناطق الأخرى أثبتت وجود أقليات مختلفة تريد الحياة في ظل التفاهم والتقرّب والتعاون كي لا تكون غريبة مهملة. فواجب الحكومة إذاً أن تسعى إلى اجتذاب هؤلاء إلى الحظيرة الوطنية بالحلم والوداد والتسامح واللين والإخلاص والتعاون بتنظيم المواصلات معها ومدّها بالمشروعات والأعمال المفيدة وأخذها بعين الاعتبار والاهتمام لتحسّ أنها ليست غريبة عن سورية وأنها من لحمها ودمها.


لا مشاحة أن السياسيّ الفرنسي أراد في حديثه تأييد وجهة نظر دولته بمطالبها حماية ألأقليات التي سلمت بها حكومة الكتلة، كما سلمت بامتيازات النفط والامتيازات الحربية. ولكن مما لا ريب فيه هو الواقع أن في سورية عنصريات إتنية ودينية وتجاهل الواقع لا يزيل الحقيقة بل يؤدي إلى اختبارات مؤلمة كالاختبار الذي جرى للدكتور توفيق شيشكلي حين زار قضاء جرابلس في أوائل السنة الماضية واضطر لأن يقف ويقول: "الأكراد تاج رؤوسنا"!


والحقيقة التي اضطرّت النائب شيشكلي لهذا القول اضطرّت السيد جميل مردم وهو بعد رئيس الوزارة، إلى التكلم على الأكراد في حفلة سوق ساروجه في السادس من تموز الماضي منوّهاً: "بما امتاز به إخواننا الأكراد من المزايا العالية والأخلاق السامية والإيمان الوطني وما لهم من مواقف مشهورة في الجهاد فأظهروا من الشجاعة والأقدام وعلوّ النفس ما كان موقف الإعجاب والاحترام. وهذا ما دعا إلى تباهي سورية بوطنية الأكراد وحسن جهادهم وتمسّكهم بحقوق الوطن وعملهم في سبيل حريته واستقلاله الخ..". ولكن هذا القول وغيره لم يكن سوى تدجيل وتضليل لم تـُؤخذ به "الأقليات" لأن الحملة الكتليـّة "العروبية" على العناصر غير العربية "شذاذ الآفاق" كانتا كسيف مسلط فوق رقاب العناصر الإتنية والدينية القليلة نسبياً.


وكيف يُمكنُ هذه العناصر أن تُصدق مثل هذه الأقوال الخطابية العاطفية المختلفة عن الواقع في حين أن هنالك وقائع وأقوال تؤيّد الوقائع تدُل على العكس. فالأكراد والأرمن خبروا هذه الأقوال في الإسكندرونة حيث ضحّتهم السياسة الكتلية. فإن تنفير العناصر الكردية والأرمنية في ذلك اللواء، قبل حصول الاتفاق الأجنبي في صدد اللواء هو ما جعل الأكراد يعودون إلى الرّضى عن الأتراك الذين ثاروا عليهم عدّة ثورات وحاربوهم، كما تثبت ذلك أخبار انتخابات لواء الإسكندرون في ذلك العهدِ.


هذا هو الواقع المؤلم. ومن الأقوال التي يظهرُ لهذه الأقوام أنـّها تؤيّد الواقع ما ورد في رسالة الأمير شكيب أرسلان أرسلها مؤخراً إلى صاحب جريدة "الشباب" المصرية ونشرتها الجريدة المذكورة في عددها الصادر في الثامن من شباط الماضي. فالأمير شكيب لا يعتقد أن الأتراك سيثيرون مسألة الطّلب من فرنسة التخلي لهم عن الانتداب على حلب وملحقاتها "لما يعلمون عن عواقبها، فسنجق الإسكندرون فيه تسعون ألف تركي والعرب الذين يقابلونهم من أجناس مختلفة هم ضعفاء وعَمَلـَة في أراضي الأتراك، أما حلب فهي عربية ومِن أمّهات البلاد العربية وكذلك الجزيرة التي أربعة أخماس أهلها عرب لا يقدرِ أن يقاومَهم هناك شذاذ يحركهم الكاردينال فلان والمطران فلان".


هذه العبارة الخطيرة التي يقولها الأمير شكيب أرسلان في معرض الدّفاع عن الوحدة السورية الباقية من غير أن يقصد التـّعرض لمسألة الأقوام غير العربية هي قويّة جداً من وجهة النظر العروبية التي يعمل لها بكل لإخلاص الأمير شكيب. ولكنّ الأقوام الإتنية والدينية الأخرى ترى فيها الصراحة والجرأة اللتين هما من صفات الأمير بعكس الكلام الدبلماسي الذي يقوله السيد جميل مردم وشركاؤه.


إن مسألة العناصر السورية الإتنية والدينية هي من المسائل الرئيسية، التي اهتم بها الحزب السوريُّ القوميُّ الاجتماعيُّ بمعالجتها وأوجد لها الحل الوحيد الذي يُمكن أن تتولد منه الوحدة السورية القومية الصحيحة وهذا الحل هو في مبدإه الأساسي السادس القائل: "الأمة السورية هيئة اجتماعية واحدة" فهذا المبدأ يؤلف جُزءاً هاماً من الإيمان القومي يعمل بموجبه السوريون القوميون الاجتماعيون بصورة عامةٍ اكتسبت ثقة جميع العنصريات الإتنية والدينية سواءٌ أكانت أقلية أم أكثرية.


إن العقل السوري القومي الاجتماعي لا يحتاج إلى موظف فرنسي يهديه. وإذا كان الكنط أسطر روغ قد تكلم في هذه القضية بجلاء فهو كان أحد كبار الموظفين الفرنسيين الذين أوجبت عليهم وظائفهم درسَ تعاليم الحزب السوري القومي الاجتماعي ونظامه وأهدافه ليُعطوا آراءهم فيها. الكتلة الوطنية ظنـّت أنـّها تقدر أن تحلّ مسألة الأقليات بتجاهل وجودها فكانت النتيجة أن الفرنسيّين تمكّنوا من الاستفادة من هذه الفرصة وهذا العجز السياسي الباهر.


أمّا الحزب السوري القومي الاجتماعي فقد أزال قضية الأقليات بالفعل، لأنه أنشأ مجتمعاً جديداً ذا نفسية جديدة ومناقب سامية جديدة وفلسفة تشمل جميع مناحي الحياة القومية. وقد جرّبت السلطة أن تفسّخ الوَحدة السورية القومية باللعب على وتر العنصريّات وبالإغراءِ والوعودِ ولكنها مُنيت بالفشل التام الناجز.

من مقال عنوانه "أقليات – لا أقليات" نشرته سورية الجديدة في العدد الثاني الصادر في الثامن عشر من آذار 1939.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017