إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

علم التاريخ وسلام العالم << درس ومذهب >>

أنطون سعادة

نسخة للطباعة 1931-05-30

الارشيف

عندما أفكر في الجهود العظيمة التي تبذل لتحقيق فكرة الطمأنينة والسلام العالميين ، والمساواة البشرية في الأغراض الانسانية السامية ، تخطر في بالي العقبة الكأداء التي تعترض هذا السبيل ، ألا وهي : التاريخ المملؤ بالنزعات القومية والعنصرية والاقليمية . وأعتقد أن شقة البعد بين الشرق والغرب قد وسعها كثيرا خلو الشرق من التواريخ المشبعة بالنزعات المشار اليها.


أريد بهذه المناسبة أن أذهب مذهبا جريئا قد يخفف عن الاقتصاديين بعض ما يعانون ولا يتفق بوجه من الوجوه مع حلول السياسيين المكتسبين ، وهو أن تجريد التاريخ من النزعات والفلسفات المملؤ بها يغني عن ألف ألف مؤتمر لتحديد السلاح وألف ألف معاهدة لمنع الحرب .


يحملني على الذهاب هذا المذهب استقصاءاتي العديدة ، وبحثي في أساليب اعداد التاريخ للمدارس ، وطرق تدريسه ، وفي التواريخ الموضوعة للرأي العام . فقد توصلت الى نتيجة مؤلمة لكل المتمثلين الانسانية السعيدة والمتفائلين بمستقبل سلام العالم ، جعلتني أعتقد أن نصف ويلات البشرية ، على الأقل، يعود الى سيطرة النزعات على التواريخ الموضوعة بين أيدي الناس ، وحشو هذه التواريخ بالفلسفات المتغرضة والشروح الموضوعة عمدا لمقاصد معينة.


من ذلك تأريخ كل صدام يحدث بين الغرب والشرق بأنه صدام بين المدنية والهمجية ، وتعريف الأمم الأسيوية بأنها منحطة متوحشة . ولم يقف الكثيرون من مؤرخي الغرب عند هذا الحد من تشويه الحقائق ، بل قاموا بتشويه الحقائق التي ليس لها علاقة بالشرق . فليس في استطاعتك، مثلا ، أن تثق بتاريخ وضعه مؤرخ فرنسي عن المانية ، أو بتاريخ وضعه الماني عن فرنسة ، بل ليس من الحكمة في شيء أن تثق بكل ما يقوله مؤرخ غربي حتى عن بلاده.


وقد استغربت جدا أن أجد نفس الروح المتغرضة في التواريخ الأوروبية قد هاجرت الى الأميركيتين في جملة ما انتقل اليهما ، وبدلا من أن أجد فيهما روحا منعتقة من عبودية الأغراض الضيقة النطاق ، مستعدة لأقرار الحقائق العلمية كما هي بدون تشويهها بفلسفة النزعات المتضاربة ، وجدت فيهما نفس الأسلوب الأوروبي العتيق الذي لا يصلح لاءعداد وسلام العالم ومستقبل سعادة البشرية . يظهر هذا الأسلوب فيهما ، أحيانا بصورة سمجة تفوق سماجة الصورة الأوروبية .


خذ مثلا البرازيل فهي بلاد أميركية جديدة لا تزال قوميتها في بدء نشوئها من المزيج الغريب المتولد من مهاجرة أقوام عديدة مختلفة التقاليد متباينة الأغراض ، أكثر الأحيان ، وفي جملة هذه الأقوام السوريون واللبنانيون والفلسطينيون الذين يؤلفون الآن حزبا قويا نشيطا من مجموع الشعب البرازيلي . كان من المنتظر أن بلادا هذه حال قوميتها تكون غير صالحة لنمو النزعات العنصرية التي لا طائل تحتها ولا فائدة منها ، خصوصا والبلاد غير محاطة بعناصر معادية تخشى شرها ، وشعبها مجموع عناصر عدة كما قدّمت ، وتكون في مقدمة البلدان التي تنزه علومها التاريخية عن الفلسفات المتغرضة . ولكن دهشتي كانت عظيمة جدا حين دعتني دائرة المعارف القومية البرازيلية وانتخبتني لعضوية بعض اللجان الاختصاصية الفاحصة ، لما وقفت عليه في عنايتي بالاطلاع على كتب التدريس التاريخية ، أثناء قيامي بالمهام التي انتدبت اليها . فان بعض هذه الكتب ، المعّول عليها في تعليم التاريخ العام ، تظهر في مجاراة الأسلوب العتيق الذي كان مشكورا حين كانت المثل العليا للأمم قصيرة المدى ، ضيقة النطاق ، أما أنا فأريد أن أطلق عليه اللقب الذي يستحقه في هذا العصر : الأسلوب المسمم العقول .


بين كتب التاريخ العام المدرسية ، في البرازيل ، كتاب نال واضعه شهرة واسعة في تلك البلاد المترامية الأطراف وحاز مكانة عالية بين كبار مؤرخي البرازيل وأدبائها ، والكتاب المذكور هو أحد الكتب المعّول عليها في التدريس . يرى الباحث في هذا الكتاب ، وفي أماكن معينة منه ، شروحا اضافية للحقائق التاريخية الواردة فيه لا أريد هنا أن أدخل في جدال طويل يتناول فسادها من الوجهتين الفلسفية والمنطقية ، أو صحتها ، ولكني أريد أن آتي على بعض مما له علاقة بنظرياتي المتقدمة في علم الاجتماع وتأثيره في تطور العالم الاجتماعي والعمراني.


في المقدمة الاء ضافية لحروب قرطجنة ورومة وظهور هنيبال وأسدروبال ، القائدين الحربيين الفينيقيين الخالدين ، تجد فقرة هذه ترجمتها الحرفية :


" حين أعلنت الحرب بين (قرطجنة ورومة ) كانت (قرطجنة) أكبر وأغنى من رومة في تماثيلها ومراكبها وكنوزها . بيد أن شعبها الذي هو عنصر أسيوي سامي ، كان أحط في التمدن من الرومانيين الذين تثقفوا في جوار اليونانيين وعرفوا فنونهم وثقافتهم ، محسّنين الفيلق الحربي بتقسيمه الى فيالق وشراذم ".


يجد الباحث في هذه الفقرة الصغيرة ، نوعا من أنواع الفلسفة المتغرضة تظهر فيه روح رديئة سيئة القصد فضلا عن أن الرأي الذي تضمنه لا علاقة له بالتاريخ من حيث هو علم . فالرأي ما كان قط علما . والمفهوم من كلام المؤرخ المتقدم أن القارة ( آسيا ) والعنصر ( السامي ) هما الفارق في الارتقاء المدني ، وأن كل شعب أسيوي سامي هو ، طبعا ، أحط من كل شعب آخر أوروبي هندي آري ، وأن تقسيم الفيلق الحربي البري هو مقياس الرقي الوحيد . ونحن اذا سلمنا جدلا بهذه النظرية فاننا لا بد نحار في تعليل كيف أن الرومانيين انكسروا شر كسرة في أرقى مظاهرهم المدنية في ( الجيش ) أمام قوات هنيبال . واذا كان السر في القارة والعنصر فلماذا كان النبوغ الفينيقي أعظم من كل نبوغ روماني في ذلك العهد ؟ ولماذا ينسى المؤرخ المشار اليه أن الخوف من النبوغ الفينيقي الأسيوي حمل الرومانيين على حرق قرطجنة بعد الخطب الرنانة التي كان كاتون يلقيها في مجلس شيوخ رومة .


قلت في ما تقدم اني لا أريد أن أدخل في جدال يتناول صحة آراء المؤرخ المشار اليه أو فسادها . وأنا ما قصدت من ايضاح بعض النقط الجدلية الا تأييد نظريتي في أن الفلسفة المتغرضة كانت ولا تزال آفة التاريخ والعقبة التي تعترض سبيل التفاهم البشري . ولا يجب أن يستنتج من كلامي المتقدم أني أحاول الانتصار للعنصر الذي أنا منه باظهار فساد نظرية المؤرخ المذكور ، فالحقيقة أني لم أحاول اظهار فساد النظرية المشار اليها قط ، ولكنني أردت تبيان الصيغة المشبعة بروح التغرض التي تظهر في الفقرة التي أتيت عليها . وفي الوقت نفسه أعلن أنه لا يجب أن يستفاد من مجمل كلامي أني ألقي على المؤرخ المذكور تهمة تعمد التغرض ، فهذه مسألة خارجة عن بحثي تماما .


ولما كنت أريد اثبات وجود التغرض والنزعات بصورة لا تقبل الدحض أراني مضطرا الى تعزيز استشهادي المتقدم باستشهاد آخر من نفس المؤلف. أتى المؤرخ على التحسينات التي أوجدها العرب في تطور المدنية ، واعترف بها ، ولكنه ما لبث أن ختم كلامه على الأتراك وسقوط القسطنطينية بالفقرة الآتية :


" من المحتمل أن عهدا جديدا يبتدىء ، حين تزول من أوروبا الأمبراطورية التركية التي هي الآن في حالة النزع ، (الكتاب مطبوع للمرة الخامسة سنة 1925) كما أن العهد العصري ابتدأ منذ طرد البقية العربية من اسبانيا ".


في الكتاب شواهد أخرى كثيرة أضرب عنها صفحا لعدم الحاجة اليها بعد ايراد شاهدين يعزز الواحد منها الآخر تعزيزا كبيرا . مما تقدم تظهر للمطالع بكل جلاء نتيجة وجود النزعات في التاريخ ، فالتلاميذ الذين يتعلمون التاريخ العام في المؤلف المذكور يخرجون الى الحياة العملية رجالا ونساء حاملين في قلوبهم الكره والاحتقار للشعوب الأسيوية اجمالا وللعنصر السامي والفينيقيين والعرب بوجه خاص . والغريب في الأمر أن التاريخ الذي استشهدت به وضع لشعب يترك السوريون به ذرية كبيرة قد أصبحت من صلبه ، والسوريون هم خلفاء الفينيقيين وشركاء العرب.


خلاصة واقتراح


قد يكون في استطاعتنا أن نتجاوز النظر في النتائج السيئة التي تؤدي اليها النظريات المحشو بها التاريخ ، من الوجهة العلمية دون أن نرتكب خطأ كبيرا فاضحا .


أجل ، لا يمكننا أن نمزج الفلسفة التاريخية بالتاريخ ، ونطلق على هذا لقب علم ثابت خالص دون أن نعرّض معارفنا للتشوش الذي يحول دون بلوغنا الفائدة التي نتوخاها .


يرى المطالع مما تقدم أننا تجاه قضية خطيرة تهدد كياننا العلمي بالفشل ، فضلا عن أنها تهدد كياننا الانساني بالبغض والنفور وايغار الصدور وسائر العوامل التي تحمل أخيرا على اثارة الحروب ، وصد المساعي والجهود التي يبذلها المفكرون الانسانيون في سبيل تحقيق السلام العام .


تجاه هذه الحقيقة الراهنة يخطر لي أن أقترح على المعاهد العلمية السورية أن تأخذ هذه النظرية بعين الاهتمام وتقرر في ما بينها ارساء نداء حار الى معاهد العلم في العالم كله تدعوها فيه الى عقد مؤتمر عام يقوم بمهمة التحقق في مؤلفات التاريخ المعّول عليها في التدريس عند جميع الأمم ، وتوحيد علم التاريخ العام ، ونشر المعلومات التي تبطل تأثير التواريخ الخارجة عن دائرة العلم .


أكرر في ختام هذه العجالة رأيي المتقدم في أن تجريد التاريخ من النزعات والنظريات الفلسفية يأتي بفائدة لا تأتي بها جميع المؤتمرات التي عقدت ، والتي ستعقد ، لتحديد السلاح ، ولا جميع المعاهدات التي تعلن ابطال الحرب . واني أعتقد يقينا أن سلام العالم يتوقف على تنزيه معارفنا في ما يتعلق بأنفسنا وجيراننا والبعيدين عنا أكثر كثيرا مما يتوقف على المؤتمرات والمعاهدات السياسية .



الأعمال الكاملة – الجزء الأول – صفحة 245.


المعرض – بيروت – العدد 32 – 30/5/1931


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017