شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2006-12-10
 

الوجه الاخر لتوصيات بيكر هاملتون

عوني القلمجي

من شاهد المؤتمر الصحفي المهيب وحكماء لجنة بيكر - هاملتون في صدارته قبل البدء بتلاوة توصياتها ، التي انتظرها العالم طويلا ، ظنوا بان اللجنة التي وصفت بالحكيمة ، ستنصح بوش بالانسحاب وفق مبدأ نصف الخسارة ربح ويحفظ لامريكا سمعتها وهيبتها او يحفظ لها ماء الوجه ، وترحل معه الحكومة العراقية التي عينها ويهرب قبله عملائه واتباعه ويعود العراق محررا يحكمه ابنائه المقاومون وتنتهي معاناة شعبه التي فاقت الخيال. خاصة وان الاشاعات ملأت الدنيا وروج لها الجهلاء من ان بوش يبحث عن سبب يشجعه على القيام بانسحاب مشرف. واذا بحزمة التوصيات التي بلغت 79 توصية ، تشجع بوش على التورط اكثر في المستنقع العراقي . حيث صورت له عن حق بان الوضع في العراق خطير ومتدهور ، لتتجنب قول الحقيقة وهي ان وضع القوات الامريكية في العراق خطير ومتدهور.


ليس في ذلك ما يدعو للاستغراب ، فكلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري التي تشكلت اللجنة منهما يرفضان الهروب او الهزيمة ، وخلافهما ينحصر في ادارة مشروع الاحتلال وليس في مشروع الاحتلال نفسه. والا ما معنى ان تصف اللجنة توصياتها بانها الطريق الذي يؤدي الى النجاح بدل استخدام كلمة النصر الذي يحلو لبوش ترديدها دائما؟ وما معنى ان تطالب اللجنة بفتح حوار مع دول الجوار وعلى وجه الخصوص سوريا وايران لتقديم دعم اكبر لانجاح مشروع الاحتلال حتى اذا تطلب الامر تقديم تنازلات مؤلمة؟ ألا يعني ذلك ان اللجنة رفعت شعار غير مكتوب مفاده يا اعداء العراق في الداخل والخارج اتحدوا لمساعدة بوش على تحقيق الانتصار المطلوب حيث العمل فرادا غير مجدي؟


واضح جدا ان مهمة اللجنة العتيدة ، صممت اصلا لانقاذ امريكا من مازقها والتغلب عليه ، ولم تصمم من اجل البحث عن انسحاب سريع ومشرف كما اعتقد البعض. والا لما احتاجت اللجنة الى عدة شهور لاجراء مناقشات مع اعضاء الحكومة والبرلمان واكثر من مئة شخصية عراقية تابعة للاحتلال ، فالانسحاب سواء كان على دفعات او مرة واحدة لا يحتاج سوى قرار واحد ومن قبل شخص واحد هو بوش ، وفقا لصلاحيته كقائد اعلى للقوات المسلحة. كما فعل الرئيس الامريكي الاسبق نيكسون ، حين اعترف بهزيمته في فيتنام وسحب قواته في غضون شهرين لا اكثر. وهذا ما يفسر لماذا تجنبت اللجنة تحديد جدول زمني للانسحاب واكتفت بان يكون العام 2008 بداية له . كون هذا العام لا يضير بوش بشيء ، فهو سيكون عام الانشغال بالانتخابات الرئاسية القادمة التي لن يكون بوش طرفا فيها. ومن جهة اخرى فان هذه الفترة تمنح بوش الفرصة الاخيرة لتحقيق النصر الذي يحلم به ، خاصة وان مستشاره للامن القومي اكد على ان هناك استراتيجيته جديدة سيتم الاعلان عنها خلال اسابيع وليس اشهر.


لقد قدمت اللجنة خدمة جليلة لبوش ومن الخطا الاعتقاد بانها كانت وبالا عليه وانه لن ياخذ بتوصياتها ، على الرغم من وصفه بانها كانت قاسية ، لان بوش بحاجة لتوحيد موقف الحزبين بالنسبة لمشروع الاحتلال والذي من شانه ان يرفع من شعبيته التي تدنت الى اقصى حد لم يبلغها اي رئيس امريكي قبله. تم ان هذه التوصيات ليس فيها ما يدفع بوش الى رفضها ، فهي تتضمن جوانب ايجابية وهو في نفس الوقت غير ملزم بالتعامل معها كسلة واحدة كما قال جيمس بيكر. وها هو بوش قد باشر اجتماعاته قبل يومين مع زعماء الأغلبية الديمقراطية في مجلس النواب والكونغرس ، تمهيداً لإعلان استراتيجيته الجديدة في العراق ، خلال الخطاب الذي سوف يوجهه الي الامريكيين بمناسبة عيد الميلاد ورأس السنة الجديدة.


بصرف النظر عن هذه الاستراتيجية التي ستبطن اكثر مما تظهر ، فان جوهرها لن يخرج عن ذهينة القوة والنصر الذي يؤمن بها بوش والمحافظون الجدد ، وهذا يعني ان الجانب العسكري وتصعيد المعارك ضد المقاومة العراقية سيكون لها نصيب الاسد من هذه الاستراتيجية. فكل الدلائل تشير الى وجود خطط عسكرية بهذا الاتجاه وربما تكون بدايتها اعادة احتلال بغداد ، حيث بدات الاستعدادات لسحب 30 الف جندي من محافظة الانبار لهذا الغرض اضافة للقوات الموجودة فيها ،. ليجري تعويضها لا حقا بارسال عدد مماثل من الجنود الى العراق ، حيث يعتبر بوش وصقور الحرب بان ذلك من شانه ان يمكن الحكومة المنهارة ، من الخروج من اسرها في المنطقة الخضراء وفرض سيطرتها تدريجيا ليس على بغداد وحدها وانما على العراق كله. وهذا ينسجم مع توصيات اللجنة التي اشارت الى دعم الحكومة والقوات العراقية وتسليحها ونقل المسؤوليات اليها تدريجيا ، لتتمكن قوات الاحتلال من اعادة انتشارها خارج المدن في 14 قاعدة عسكرية عملاقة صممت لايواء 100 الف جندي، ورصد لها 4,5 مليار دولار ، تتوزع على مدن الموصل وكركوك وتكريت وبلد والفلوجة ونقرة السلمان والصقر واج ثري والناصرية والبصرة ، اما بغداد فسيكون نصيبها اربعة قواعد ، الامر الذي ازعج الطالباني والبرزاني لعدم اختيار اي من مدن الشمال مقرا لاحد القواعد.


اما الحديث عن الجانب السياسي في الاستراتيجية الامريكية ، فسيكون في اخر اولويات بوش ، فهو على ما يبدو قد نفض يده من القوى المناهضة للاحتلال من دخول العملية السياسية او مشاريع المصالحة الوطنية ، وسيكون اعتماده الاساسي على الشيعة والاكراد ، وهذا ما يفسر دعوة بوش لعبد العزيز الحكيم واللقاء به وتاجيل زيارة طارق الهاشمي ممثل السنة في رئاسة الجمهورية، ويفسر ايضا العرض الذي قدمه البرزاني للحكومة بارسال الالاف البشمركة الى بغداد لحماية الحكومة. وهذا لا يعني قطعا استبعاد اجراء حوار مع دول الجوار ومنها سوريا وايران ، لتقديم مساعدة اكبر لمشروع الاحتلال. فبوش رغم غبائه المعهود لن يرفض يدا تمتد لمساعدته.


لندع بوش واحلامه المريضة واسترتيجيته الجديدة وقواعده الدائمة التي ستكون اهداف سهلة للمقاومة ، وناخذ الوجه الاخر من توصيات اللجنة العتيدة. فهي رغم الاستياء العام من هذه التوصيات ، كونها سعت لاخراج امريكا من مازقها وتكريس الاحتلال وتجاهلت ما يعاني منه الشعب العراقي من دمار وخراب بسبب الاحتلال ، الا انها لاقت القبول والترحيب من الانظمة العربية التي تسعى الى كسب ود امريكا ، لتامين بقاءها ، حيث اصبحت التضحية بالعراق جسر العبور الى البيت الابيض بدل الكيان الصهيوني ، الذي لفظهم دون رجعة بعد نفاذ الصلاحية. فسوريا على سبيل المثال اعتبرت التوصيات ايجابية وعبروا عن فرحتها بالقول : "واخيرا ادركت امريكا بان لا حل في الشرق الاوسط وفي المقدمة منها العراق من دون سوريا". لكن النظام السوري لم يخبرنا عن اتجاه هذا الحل وفي اية خانة او مصلحة يصب. هل في صالح سوريا ام في صالح الامريكيين؟ والغريب ان سوريا وهي تعلن فرحتها بالانتصار العظيم ، تجاهلت الشروط العديدة التي وضعها بوش وادارته لكسب رضاها ، وهي بمجموعها تكسر الظهر دون مواربة. ومنها تامين الاطارا الجدي لاستعادة لبنان سيطرته السيادية علي كلّ أرضه.والإيقاف الفعلي للمساعدة السورية لـ حزب الله والإيقاف الفعلي لشحنات الأسلحة من سورية، أو عبر حدودها إلي حماس وسواها من المجموعات الفلسطينية الراديكالية.والتزام سوري بالمساعدة في الحصول من حماس علي اعتراف بحقّ إسرائيل في الوجود.


وهكذا الحال بالنسبة لحسني مبارك واللجنة الوزارية العربية التي اجتمعت في القاهرة حول موضوع العراق والجامعة العربية والسعودية ودول الخليج وحتى علي عبد الله صالح رئيس اليمن. فقد تسابقوا قبيل وبعد اعلان التوصيات ، عارضين خدماتهم على السيد الامريكي ، بدءا بالعمل على اجراء مصالحة وطنية بين الحكومة واعدائها ومرورا بوضع خطة تحرك للتواصل العربي تحت ذريعة مساعدة العراق للخروج من أزمته الحالية وعقد مؤتمر اقليمي طبقا لما ورد في توصيات اللجنة. وانتهاءا بارسال قوات عربية الى العراق.


بصرف النظر عن الحال الذي سينتهي اليه بوش ، ترى ما الذي يدفع هؤلاء العرب الى الركض وراء الامريكان ، ويضحوا ببلد عربي كالعراق ، لطالما ضحى هذا البلد من اجل العرب جميعا ؟ وما هي الفائدة التي سيجنوها من ذلك؟ هل هي تجنب العقاب الذي قد يصل الى حد الاطاحة بهم اذا ما اعادت امريكا تفكيك المنطقة ورسم خارطة جديدة لها وفق مشروع الشرق الاوسط الكبير؟ نظن ان العالم كله قد تاكد بان هذا المشروع فشل وانتهى امره. هل هو ثمن مادي كالذي تقاضته مصر في عدوان 1991 على العراق ، بمبلغ وقدره 7 مليار دولار؟ امريكا اليوم بحاجة للمال وغير مستعدة لان تكون كريمة مرة اخرى. ام هو ارض كما تريد سوريا ؟ فالجولان يا سيد بشار هي بيد اسرائيل وليست بيد بوش. وان بوش لا يمكن ان يضغط بهذا الاتجاه ويزعج الكيان الصهيوني. ام هو دفاعا عن الحدود والوجود من النفوذ الايراني.؟ فيا دول الخليج الذي يحميكم من هذا الخطر الفعلي هو العراق المحرر ، البوابة الشرقية الا تذكرون ؟ ، اما امريكا يا سادة فهي مستعدة على الدوام للتضحية ، بكم اذا تبين ان بامكان ايران انقاذها من يد المقاومة العراقية. الم تتعضوا من استعداد امريكا للتخلي بكل سهولة عن حلفائها اذا اصبحت عبئا عليها كما حدث مع شاه ايران ، التي رفضت منحه حق الاقامة وتكرم بها السادات المقبور؟ وحتى احزابهم العميلة ، الم ترو حزبي جلال ومسعود وقد تخلى عنهم الامريكان مرة في 1991 واخرى قبل ايام رغم خدماتهم الجليلة للاحتلال ، حين كذب عليهم بيكر وخلت توصيات اللجنة من منح اقليمهم المفتعل وضعا خاصا يكرس انفصالهم في المستقبل ، الامر الذي دعا مسعود البرزاني لمهاجمة بيكر ووصفه بالكذاب ليؤيده في ذلك جلال الطالباني. هل يفيدكم ارسال قوات عربية الى العراق لمشاركة القوات الامريكية في حربها ضد المقاومة العراقية كما فعلتم في حفر الباطن؟ واذا فعلتم ذلك فهل في قدرتكم محاربة المقاومة العراقية التي عجزت اكبر قوة عسكرية في العالم عن محاربتها؟ ثم ماذا ستقولون لشعوبكم اذا تورطتم وارسلتم جيوشكم الى العراق للقتال الى جانب القوات الامريكية ضد المقاومة العراقية؟ ام ان الاستخفاف بهذه الشعوب بلغ درجة اصبحتم فيها مطمئنين بانها لن تنفجر يوما وتكنس عروشكم؟


كأني أسمع المقاومة العراقية تقول لكم في سرها ، اذا تورطتم في العراق فستكونوا هدفا لنا ، مثلكم مثل جنود الاحتلال وحلفائه وعملائه ، فالصراع الدائر بيننا وبين قوات الاحتلال صراعا دمويا وقد بلغ اشده ، ولا مكان فيه للعواطف والمشاعر ولا يشفع لمن يتعامل مع الاحتلال ، قومية كانت او دين مشترك ، ولا اخوة او صداقة ، فنحن نخوض حربا مشروعة وسائرون في طريق تحرير العراق ويومها تبيض وجوه وتسود وجوه ووجوهكم هي السوداء دون ادنى شك.





 

جميع الحقوق محفوظة © 2026 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه