شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2006-11-13
 

امريكا : الحزبان الجمهوري والديمقراطي وجهان لعملة واحدة

عوني القلمجي

واضح ان بوش ، قد تعرض الى نكسة جراء فوز الحزب الديمقراطي في الانتخابات النصفية الامريكية ، والفضل في تحقيق هذا الفوز يعود قطعا الى المقاومة العراقية. فالسبب الرئيسي الذي دفع اكثرية الناخبين لمنح اصواتهم للمرشحين الديمقراطيين ، يعود الى استيائهم من بوش وحزبه كونه ورط الشعب الامريكي في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل. ولكن وعلى الرغم من هذه النكسة ورفض الشعب الامريكي لهذه الحرب ، ورغم تخليه عن استخدام لغة الغطرسة في تعامله مع الديمقراطيين بعد فوزهم وابداء استعداده لسماع مقترحاتهم بشان العراق ، الا انه لم يتخل عن سياسته في ادارة مشروع الاحتلال ، والاصرار على تحقيق ما يسميه بالنصر على الارهاب . حيث وضع شروطا تنطوي على تهديدات مبطنة ، مستفيدا من صلاحياته كقائد اعلى للقوات المسلحة ومسؤول أول عن الامن القومي الامريكي وبيده حق النقض او ما يسميه الغرب بالفيتو ، حين اكد بان اي فكرة او اقتراح ، يجب ان تساعده علي هزيمة" الارهابيين وضمان نجاح الحكومة الديمقراطية في العرا"ق وكذلك الاقرار بان "الولايات المتحدة مسؤولة عن تقديم الدعم للقوات في العراق". وفسر ذلك بقوله "ايا كان الحزب الذي تنتمي اليه كلنا علينا مسؤولية ضمان ان تتوفر لهذه القوات الموارد والدعم اللذين تحتاجهما لتحقيق النصر"


وفعلا حقق بوش ما اراد ، فأول ما صرحت به نانسي بيلوسي زعيمة الاغلبية الديمقراطية الجديدة بعد لقائها مع بوش ، "باني اعترف بأننا سنتنازع من أجل مصلحة البلاد". وفي حديثها لشبكة <سي ان ان> الإخبارية ، اكدت على ان "أن الغالبية الديموقراطية الجديدة ، لا تنوي وقف تمويل الحرب في العراق "لأن القوات الأميركية في مرمى الأذى هناك". كما أعربت عن نية حزبها "العمل مع بوش وحزبه للتوصل إلى أرضية مشتركة.. تؤمن الاستقرار للعراق وللأميركيين". ويبدو ان كل ما يمكن لها ولحزبها فعله ، لن يتعدى تشكيل لجان جديدة ، مهمتها الكشف عن إساءة استعمال المخصصات المالية في وزارة الدفاع، والتدقيق في سياساتها، وفي قضية سرقة مليارات من الدولارات المخصصة لإعادة إعمار العراق.


ان يتراجع الديمقراطيون عن انتقاداتهم لبوش بعد تحقيق فوزهم في الانتخابات ، ويدخلوا في اتفاق معه حول مشروعه الاحتلالي ، فهذا لا يدعونا الى الاستغراب. حيث لا يوجد في الاصل خلافات جوهرية بين الحزبين حول غزو العراق واحتلاله ، سوى فيما يتعلق باسلوب ادارة المشروع والطرق المؤدية الى نجاحه. فكلا الحزبين يتفقان حول ضرورة "استمرارية التواجد الأمريكي ومحاربة الإرهاب في العراق" . بل ان هلاري كلنتون ، المرشحة الاوفر حظا لدخول الانتخابات الرئاسية المقبلة عن الحزب الديمقراطي ، قد اكدت بان "سحبا فوريا للقوات الاميركية من العراق ، ليس واردا على الاطلاق ، بسبب احتمال خسارة اميركا دورها الاقليمي بالكامل في الشرق الاوسط". ويجب ان لا ننسى في هذا الخصوص ، بان قانون "تحرير العراق" الذي اقره الكونغرس عام 1998 ، صدر في عهد الرئيس الأمريكي السابق "الديموقراطي" بيل كلينتون. ناهيك عن ان أغلب الفائزين الديمقراطيين محسوبون على الجناح اليميني في الحزب الديمقراطي ، حيث ذكرت بعض المصادر المعنية ، بان هؤلاء قد تم اختيارهم بعناية ودقة ، من قبل القادة الجدد البارزين في الحزب الديمقراطي وعلى رأسهم راحم امانويل ، الذي كان مستشارا سياسيا للرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون ، وأحد المطالبين بتوسيع الحرب العالمية على الإرهاب ، كما كان والده عضواً أساسياً في منظمة “أراجون” الإرهابية ، وشارك راحم الاختيار ، تشارلز شومر المحسوب ايضا على اللوبي “الإسرائيلي ، وكلاهما أسهم بدور أساسي في اختيار المرشحين الديمقراطيين في هذه الانتخابات بذكاء منقطع النظير.


والاستطراد هنا له هدف محدد ، فبعد فوز الديمقراطيين في الانتخابات النصفية ، واحتمال فوزهم بالرئاسة المقبلة ، ازداد حجم التفاؤل لدى اوساط واسعة من العراقيين ، بقرب انتهاء الاحتلال على يد الديمقراطيين. ومن المؤسف حقا ، ان يساهم في ذلك بعض المؤيدين للمقاومة العراقية من الكتاب خاصة ، حين وصفوا هذا الفوز بانه يمثل المسمار الاخير في نعش مشروع الاحتلال ، وانه ليس امام بوش سوى الانسحاب باسرع وقت ممكن ، الامر الذي سيولد نوع من الاحباط لدى العراقيين عندما يكتشفوا ، بان ما قيل ليس له اساس من الصحة. بالمقابل فلقد ساعدت هذه الاراء على احياء الاشاعات والانباء ، التي تحدثت قبيل الانتخابات الامريكية عن اضطرار بوش ، اذا ما خسر حزبه في الانتخابات ، الاستجابة لمطالب غالبية الشعب الامريكي بالانسحاب من العراق ، كونها اصبحت حرب مكلفة ماديا وبشريا ، وان الامل في تحقيق انتصار فيها اصبح معدوما. وهذا ادى بدوره الى تضخيم الانباء التي تحدثت ، عن وجود مفاوضات بين اطراف من المقاومة والامريكيين حول انهاء الاحتلال ، وتحديد جدول زمني محدد لانسحاب القوات المحتلة ، يتم خلاله تسليم السلطة تدريجيا الى المقاومة العراقية. مقابل موافقة هذه الاطراف على الدخول في العملية السياسية ، والقبول باجراء مصالحة مع حكومة الاحتلال. وهذا من شانه ان يحدث شرخا ، في صفوف المقاومة العراقية من جهة ، ومن جهة اخرى يخلق ارباكا لدى انصار ومؤيدي المقاومة من عراقيين وعرب واجانب.


نعم لقد حققت المقاومة العراقية انتصارات رائعة شهد بها العدو قبل الصديق ، وان عملياتها المسلحة في تصاعد مستمر من حيث الكم والنوع ، وهناك ارادة لا تتزعزع على تحقيق النصر ، وان العدو او المحتل يتراجع نحو الهزيمة ، ناهيك عن قدرة الشعب العراقي على مواصلة دعمه للمقاومة حتى النهاية ، مهما كلف هذا الدعم من تضحيات جسام. لكن علينا الاقرار بالمقابل او على الاقل من باب الاحتياط والتحوط ، فامريكا بحزبيها العتدين لن يقبلا بالهزيمة بسهولة ، لاسباب لايجوز تردادها بعد ان اصبحت معروفة للقاصي والداني. وهذا يقودنا الى استنتاج ، مفاده ان الحزبين سيعيدا اللحمة بينهما ، بهدف ايجاد مخرج ينقذ مشروع الاحتلال وسمعة وهيبة امريكا من السقوط ، ومما يعزز هذا الراي هو اصرار الحزبين على اللقاء على وجه السرعة ، لمناقشة مقترحات لجنة بيكر – هاملتون ، والتي تشمل غير مشروع تقسيم العراق ، مقترحات اخرى مثل زيادة عدد القوات الامريكية ، او تدويل الاحتلال عبر عقد مؤتمر اقليمي تشترك فيه ايران وسوريا والجامعة العربية اضافة الى حلف الناتو. او عقد صفقة مع سوريا وايران ، لتقديم مزيد من الدعم لمشروع الاحتلال مقابل تقديم تنازلات مغرية لهذه الدول ، الامر الذي سيجعل ، في حال الفشل المتوقع لهذه المشاريع ، المعركة بين المقاومة والاحتلال ، تزداد ضراورة سياسيا وعسكريا. ناهيك عن قرار البنتاغون بزيادة ما يسمى بالجيش العراقي ، باعداد قدرت بحدها الادنى بـ مئة الف مسلح ، وكذلك زيادة مماثلة بالنسبة للشرطة والاجهزة الامنية . هذا غير الخطط العسكرية التي وضعت من اجل اعادة احتلال بغداد. اما على الجانب السياسي فلا زالت ضغوط دول الخليج والجامعة العربية تجري على قدم وساق ، من اجل انجاح مشروع المصالحة الوطنية واعادة الحياة للعملية السياسية التي <شبعت موت> . صحيح ان كل ما سيقوم به الاحتلال لن يجدي نفعا ، لكن احباط هذه الخطط يؤكد من جديد على حجم ونوع المعارك الضارية التي ستنشب بين المقاومة والاحتلال.


ان الصراع الذي يدور على ارض العراق بين المقاومة العراقية وقوات الاحتلال ، هو صراع دامي ومصيري ، واهم ما في هذا الصراع ، هو اصرار الطرفان المتحاربان على تحقيق النصر مهما كلف ذلك من تضحيات جسام. على الرغم من ان حرب المقاومة ، حرب مشروعة وحرب الامريكان غير مشروعة. بمعنى ادق انها حرب حياة او موت بالنسبة للطرفين. واذا كان ذلك صحيحا وهو صحيح قطعا ، فامام المقاومة العراقية اذن ، صفحات قتالية جديدة وقد تتحول الى حرب طويلة الامد. بالطبع لا يوجد عراقي وطني واحد لا يتمنى هزيمة المحتل اليوم وليس غدا ، لكن الابتعاد عن اسلوب المبالغات تحت ذريعة رفع المعنويات ، يلحق الضرر الكبير بعملية التحرير شئنا ام ابينا. وعلى العكس من ذلك فان مواجهة شعبنا المكافح بهذه الحقائق كما هي ، هو واجب كل الوطنيين المؤيدين للمقاومة. بل ان الواجب يتطلب ايضا وضع هذه الحقائق ، امام قادة المقاومة العراقية ، فليس هناك اي انسان ، مهما علا شانه ومكانته وموقعه في عملية التحرير ، منزه عن الاخطاء ، خاصة وان هناك تجربة مريرة ومؤلمة من جلدنا ولحمنا والمتمثلة بمراهنة منظمة التحرير ، على حزب العمل في تحقيق طموحات الشعب الفلسطيني حتى في حدودها الدنيا ، والتي جرتها الى اتفاقية اوسلوا التي ضاعت بين صفحاتها المقاومة الفلسطينية.


نحن على يقين بان المقاومة او الاطراف الفاعلة فيها غير مستعدة للمساومة على الشعار المركزي وهو تحرير العراق كاملا غير منقوصا بعد كل هذه التضحيات ، لكن واجبنا الوطني يحتم علينا ان نحذر من ارتكاب الخطا القاتل ، بالدخول في مساومات او مفاوضات قبل الاوان ، وتحقيق نصر مثلوم سرعان ما ينتهي الى هزيمة مؤلمة. وهذا يتطلب من المقاومة العراقية ، ان تزيد من استعداداتها لمواجهة المرحلة القادمة. وهي مرحلة من وجهة نظرنا تسير باتجاه التصعيد وليس باتجاه الحلول السيايسة ، وهذا لا يعني على الاطلاق عدم ايماننا بانه سياتي اليوم ، ونتمنى ان يكون قريبا ، الذي تجبر فيه قوات الاحتلال على الانسحاب دون قيد او شرط. ولكن ليس قبل ساعة وصول هذه القوات الى قناعة تامة ، بانها اصبحت غير قادرة على الصمود بوجه المقاومة العراقية ، وانه لم يعد هناك من معين يستطيع انقاذها من هذا المصير المحتوم. وعندها ليس هناك من اهمية من هو الذي يحكم البيت الابيض او الكونغرس ، الحزب الجمهوري ام الحزب الديمقراطي.


ان المقاومة التي هزمت المشروع الامريكي واصحابه ، بدءا بكولن باول وولفيتز وجورج تينت وارميتاج ومرورا بجاي غارنر وبول بريمر ونكروبنتي وانتهاءا برامسفيلد ، بامكانها هزيمة كل هذه المشاريع والحلول من خلال مواصلة ذات الطريق دون غيره . فتحرير العراق لن يتم بقبول الحلول الجزئية ، وانما يتم من خلال اجبار امريكا على الانسحاب الكامل وغير المشروط لقواتها المحتلة ، لان العراق احتل بالقوة ولا يتحرر الا بالمقاومة.





 

جميع الحقوق محفوظة © 2026 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه