| شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2006-10-23 |
لجنة بيكر وقانون تشكيل الاقاليم وخيبة بوش |
|
" أعتقد وأظن أن من النزاهة أن نقول إن لجنتنا تعتقد أن هناك بدائل بين الخيارين المعلنين..الاستمرار على النهج أو الهرب ... وبدل ذلك قيام نظام فدرالي في العراق بعد تقسيمه بين مجموعاته الرئيسية الثلاث وأن الحكومة المركزية الضعيفة التي ستنشأ في بغداد سوف تكلف بمهمة توزيع عائدات النفط وحماية الحدود وملف العلاقات الخارجية". هذا ما "جادت" به علينا لجنة بيكر وزير الخارجية الامريكية الاسبق ، بعد دراسة ميدانية مكثفة للوضع في العراق ، والتي اعلن عنها يوم 8 من الشهر الحالي . فالامريكان لم يكتفوا بتدمير العراق وانما يريدون توزيعه بين زعماء المليشيات المسلحة ، ولاجله سارع هؤلاء ، عبر ما يسمى بالبرلمان ، ليقروا قانون تشكيل الاقاليم .بعد ثلاث ايام فقط على اعلان بيكر لتوصية لجنته الخائبة.
والجديد في هذا القانون ليس ما تضمنه من بنود ، فهو يبقى صورة طبق الاصل عن قانون ادارة الدولة ، في عهد بول بريمر ، وانما االجديد فيه ، ان الادارة الامريكية اعتبرته الحل ، لانقاذ مشروع الاحتلال من السقوط . كونه يعطي الضوء الاخضر لزعماء المليشيات ، للشروع بتمزيق العراق الى اكثر من ثلاث دول ، من خلال استغلال المادة 118 من "الدستور الدائم" ، والتي منحت الحق لكل محافظة او اكثر بتشكيل اقليم مستقل. ولكن ليس هذا هو القصد النهائي لادارة بوش ، فهي تراهن على نشوب صراعات مسلحة على النفوذ والسلطة والثروة لتنتهي الى حروب طائفية وعرقية ، كون هذه المحافظات ، متداخلة ومتزاوجة ومتمازجة على المستوى البشري. وللتنصل من هذه المسؤولية ، حرص بوش ، في تصريحاته ، اشد الحرص على التاكيد على وحدة العراق وعدم المساس بها !!!.
ترى هل سينجح بوش في مسعاه؟
البداية تؤشر الى ان هذا القانون ، سيواجه نفس المصير الذي آلت اليه المحاولات السابقة من فشل ذريع. فالعراقيون ازداد حقدهم على الاحتلال واعوانه ، لان القانون مس باقدس ثوابتهم الوطنية ، ونعني بذلك وحدة العراق ارض وشعب. واذا كان هناك بقايا من مخدعوين وياملوا خيرا من بوش ، فانهم سيطلقوه بالثلاثة ، فهم لن يتساهلوا في هذا الشأن لا مع المحتل ولا مع الانفصاليين ، والقوى التي وظفها الاحتلال لخدمة مشروعه والتي كان لها تاثير محدود في الشارع العراقي ، كونها اتخذت زوراصفة تمثيل السنة في العملية السياسية ، ونفخت في صورتها ، سقطت نهائيا جراء مساهمتها في تمرير مشروع التقسيم ، لهروبها عن حضور جلسة التصويت ضد القانون. وبذلك ستشكل عبئا على الاحتلال بعد ان كانت معينا له. ومحاولات كونديليزا رايس لاصلاح حال الحكومة ومعالجة خلافاتها ، لكي تكون مؤهلة لحماية مشروع الاحتلال ، حفر هذا القانون قبرها واهال التراب عليها. فهو لم يخلق فجوة بين الحكومة والقوى الوطنية خارج اطار العملية السياسية ، وانما خلق فجوة اخرى بين زعماء الطوائف والمليشيات داخل الحكومة نفسها . بحيث اصبحت بحاجة للمصالحة فيما بينها قبل ان تصالح خصومها.
فحزب الفضيلة مثلا طالب بمدينة البصرة اقليم مستقل ، والبعض من قادته جاهر بان تكون البصرة دولة مستقلة تنضم الى دول الخليج ، في حين اصر الحكيم على ان تكون البصرة جزء من دولته المنتظرة . وحزب تركماني طالب بالفدرالية لكركوك ، واكتفى الصدر بالمزاودات السياسية على الاحزاب الطائفية الاخرى ، اما جبهة اياد علاوي فقد انقسمت على نفسها بين مؤيد ومعارض. ومع كل ذلك ، فثمة كارثة اخرى وقعت على راس بوش جراء قانونه الاخرق هذا ، فالقوى الوطنية خارج اطار العملية السياسية ، والتي سعى بوش ، لاقناعها بمشروع المصالحة الوطنية ، قد حسمت امرها بالتخلي عن مثل هذه المشاريع ، وقد نجد نموذجا عنها في الرسالة التي قدمتها هيئة علماء المسلمين الى الحزب الاسلامي وجبهة التوافق ، والتي أدانت فيها أي مشاركة سياسية في ظل الاحتلال من الان فصاعدا ، بل واكدت الرسالة ، وهذا تطور مهم ، على أن لا طريق لتحرير العراق بغير المقاومة ، وان اي عمل سياسي يجب ان يكون في خدمتها. حيث جاء في الراسالة << ان شرع الاسلام الحنيف رسم لنا قانونا ان نحتكم اليه في حالة العراق الذي يخوض جهاد الدفع ضد الغزاة وواجب الوقت يقضي ان المقاومة لها الاولوية وما سواها يجب ان يسير لصالحها >> . اما الشخصيات الوطنية وبعض التجمعات التي قدمت خدمة للاحتلال ، بالتشويش على خط المقاومة ، ومحاولة احداث شرخ بين العمل السياسي والمسلح ، من خلال مبادرتها ، والترويج لها ، على انها طريق اخر لتحرير العراق ، عبر مطالبة المحتل بتحديد جدول زمني للانسحاب ، فقد اكرمتنا سكوتها جراء الاحباط الذي اصابها بسبب تاكيدات بوش المتكررة على ان ، "لا تفكير بالانسحاب على الاقل قبل عام 2010 .
دخول بوش في هذه المحاولة الفاشلة ، سينقل الصراع الى مرحلة متقدمة ، قد تبلغ فيها حدة المعارك أعلى درجاتها ، وقد تتخذ ابعاد خطيرة من حيث الخسائر وردود الافعال ، ناهيك عن المفاجئات التي قد تبرز سواء من حيث نوعية المعارك او الهجمات او نوع الاسلحة التي ستستخدم . لسبب بسيط هو ان امريكا ستسقط الخيار السياسي ، وتعتمد على الخيار العسكري فقط ، جراء فشل مشاريع المصالحة الوطنية ، والتعويل على جر القوى الوطنية العراقية للعملية السياسية ، وهذا يعني ان الادارة الامريكية ستزج بكل امكاناتها في المعركة التي من المحتمل ان تكون ساحتها الرئيسة بغداد. ومنها ارسال قوات اضافية للعراق ، قد تصل الى عشرات الالوف ، وربما تساوي القوات الموجودة حاليا. وقد تجبر حلفائها على ارسال قوات عربية واسلامية تقف الى جانب قوات الاحتلال. كما لا يستبعد ان تستخدم اسلحة دمار شامل محدودة . فامريكا ، وهذا يجب ان لا ننساه ، تعتبر معركتها على ارض العراق ، معركة مصيرية والهزيمة فيها هي هزيمة لمشروعها الامبراطوري الكوني.
ولكن هل يكفي اذا تصرفت امريكا تصرف الاسد الجريح ان تتجنب الهزيمة؟ وهل كل مشروع من هذا النوع يكون بالضرورة قابل للتحقيق ؟
لن ندخل في الحتمية التاريخية لانتصار الشعوب ، ونبتعد عن تدعيم هذه الحقيقة ، بتجارب تلك الشعوب التي تعرضت للاحتلال ، وانتصرت بالذات على امريكا ، الى ان نضرب مثلا في فيتنام او لبنان او الصومال . والاكثر من هذا لن نخوض في تفاصيل المازق الذي تتعرض له قوات الاحتلال ، الى درجة اصبحت عندها غير قادرة على حماية نفسها حتى داخل قواعدها العسكرية الاكثر امانا ، قاعدة الصقر نموذجا. ولكن سنشير الى مقدمات سقوط المشروع الامريكي ، وقوات الاحتلال لازالت على ارض العراق. فهو دليل على ان المشروع الامريكي برمته سينتهي الى الهزيمة. فالمشروع سقط لانه لم يحقق السيطرة على العراق بسبب عجز قوات الاحتلال على انهاء المقاومة والتاييد الكبير الذي تحظى به من قبل عموم الشعب العراقي. وسقط لانه لم يتمكن من جعل العراق ولاية امريكية وقاعدة عسكرية متقدمة . وسقط لان مشروع الشرق الاوسط تحول من كبير الى جديد الى دول الخليج + 2 ثم الى لا شيء . يضاف الى ذلك فان حامية المشروع ، امريكا ، فقدت مصداقيتها امام العالم ، وامام شعبها حين تبين ان العراق لا يملك اسلحة دمار شامل منذ 1991 ، وقتل مليوني عراقي تحت هذه الذريعة ، ولان الديمقراطية التي وعدت بها العراقيين قد حولت بلدهم الى دمار وخراب ، واخيرا وليس اخرا فقد اصبح بامكان اي دولة ان تتحدى امريكا بعد درس المقاومة العراقية ، كوريا الشمالية مثالا ، وهذا يعني ان مشروعها الامبراطوري اصبح حلما ، شبيه بحلم ابليس في دخول الجنة.
ان يكون كل ذلك كافيا لاصدار مثل هذه الاحكام المسبقة ، فهذا قد يدخلنا مع البعض من اتباع ومريدي امريكا والاحتلال ، في نقاشات لا طائل تحتها عن امكانات امريكا الخارقة وقدرتها على تجاوز العقبات والمحن. وحتى هزائمها في الماضي يمكن ايجاد تبرير لها. وكان يمكن لهذا النقاش ان يصب لصالح اصحابه ، لو ان المقاومة العراقية لم تحسب لهذا الظرف حسابه ، وتعد العدة لمواجهته. وكل الدلائل تشير الى تاكيد هذه الحقيقة. فالمقاومة لم تكن بعيدة عن حركة انتقال القوى من هذا المعسكر او ذاك ، والتي كان من ابرز نتائجها خلو ساحة المعركة من القوى المترددة والحائرة ليصبح الاستقطاب بين معسكرين لا ثالث لهما ، معسكر مقاوم ، ومعسكر الاحتلال. وعلى هذا الاساس فقد تحركت المقاومة باتجاه مواصلة الطريق بحماسة اكثر ، للتوصل الى توحيد فصائل المقاومة واقامة الجبهة الوطنية وفق برنامج سياسي وقيادة مشتركة. خاصة وان قاعدتها متواجدة فعلا على ارض المعركة ، وهي الجبهة الوطنية والقومية والاسلامية. الامر الذي سيؤدي حتما الى مضاعفة قوة المقاومة بمعدلات عالية تصل الى حد احداث تغير نوعي في ادائها سياسيا وعسكريا وجغرافيا. بما يعادل كل ما تقوم به امريكا من استعدادات للمعركة الفاصلة.
ووحدة فصائل المقاومة لا تحسب على انها مجرد اتفاق القوى المسلحة على تنسيق عملياتها العسكرية لتكون اكثر فاعلية ، فهذا انجاز مهم قطعا ، لكن وحدتها ستعزل نهائيا ما هو طارئ على جسم المقاومة المسلحة ، لقطع الطريق على وصفها بالارهاب ، في مقابل ايجاد صيغ تفاهمية مع المجموعات المسلحة الاخرى وهي قليلة العدد ، والتي لها اجندة خاصة لا ترتبط بقاسم مشترك مع مجموع القوى الوطنية وتريد فرض اجندتها على عراق المستقبل ، في ظل مجتمع متنوع وتعددي ، في حين ستنسق عملها مع القوى المسلحة الاخرى التي تعوزها الخبرة السياسية والفهم العميق لطبيعة الصراع واهدافه واليته والنتائج التي تترتب عليه ، و تجعل من عملياتها الاستشهادية المشرفة ، ان تساوي التضحية الكبيرة والعظيمة ،وليس الاكتفاء بطلب الشهادة ودخول الجنة على الرغم من عظمة هذه الامنية ، التي يسعى الى نيلها كل مقاتل في صفوف المقاومة. .يضاف الى ذلك ان توحيد فصائل المقاومة المسلحة يرسم آلية عملها الموحد في حال قتال المحتل او التفاوض معه وفق شروط المقاومة ، وعندها ستقبر كل اشاعة تربك المقاومة عن وجود فصائل تقاتل واخرى تفاوض. وعندها لن يخرج بين الحين والاخر على الفضائيات امثال الشمري او ملثم او غيره يتحدث باسم المقاومة.
اما قيام الجبهة الوطنية العريضة فانها لا تعني هذه المرة ، الاتفاق على قاسم مشترك يحقق لكل طرف حد معين من اهدافه ، وانما ستبنى على اساس اتفاق شامل يحقق اهدافها والتي هي اهداف الشعب العراقي ، كونها مرتكزة على تحرير العراق واقامة النظام الديمقراطي التعددي الذي يحقق لكل فئات الشعب وطبقاته وقومياته واديانه حقوقهم المشروعة كاملة غير منقوصة. وهذا سيزيد من حماس العراقيين لتاييد المقاومة ، وتعزز الصلة بينها وبين المواطن ، لتصل حد ان تكون مقرات الجبهة بمثابة سلطة وطنية تقدم كل الخدمات للناس وليس العمل السياسي وحده. وتشجع بالمقابل قوى حركة التحرر الوطني العربية والعالمية لان تقيم اوثق الصلات معها ، وان تصبح الجبهة المرجعية للتعامل مع المقاومة من قبل الاحزاب والدول. يضاف الى ذلك ان قيام الجبهة يفترض وجود قيادة مشتركة ستشرع بتطوير الفصائل المسلحة وصولا الى قيام جيش التحرير ، باعتباره احد الشروط اللازمة ، للانتقال الى حرب تحرير المدن واقامة السلطة الوطنية على كل مدينة تتحرر والدفاع عنها وكانها تدافع عن العراق كله. واذا انجزت المقاومة هذه المهمات على وجه السرعة وستنجزها حتما ، فيكون بوش قد قدم خدمة للمقاومة في تشجيع الانفصاليين والصفويين على اقرار قانون تشكيل الاقاليم.
افضل خيار لامريكا بين "الاستمرار على النهج أو الهرب" ، هو ليس خيار لجنة بيكر ، تقسيم العراق ، لان العراق غير قابل للقسمة ، وانما خيار الهزيمة في ليلة ظلماء.
|
|
جميع الحقوق محفوظة © 2026 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه |