إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

الجرح المفتوح...

عبد بصل

نسخة للطباعة 2005-01-29

الارشيف

قلت، لن أعود إليكِ يا فلسطين..

ولن أعود إليكَ يا عراق.. وسأنسى كل آلامي التي نبتت.. من رحم الأوجاع العميقة، أوجاعكما.. التي ما تعبت.. وقد تعب الزمن.. وما برحت تنسّل من بين الضلوع، دبيباً تقشعرّ له الأبدان..

راودتني خاطرة، متخابثة.. ما لي وللعراق.. وفلسطين؟…

ما لي ولكل أوجاع الأمة.. مالي ولانسلاخ قبرص وكيليكيا واسكندرون والأهواز.. أما يكفينا أوجاع نعانيها؟‍‍! تنبت كالفطر بلا وازع، ونحن غافلون..

لماذا نسأل عمّا جرى؟!! وعمّا يجري؟!

لا، لن أسأل.. يكفي ما أعرفه، أو ما أعتقد أني أعرفه، هو الصمت العام، هو السيّد المطلق. حتى التأسّف صار يعتمد ذاكرة قوية لاستذكاره.. أمّا الاستنكار، فلا ذاكرة له … تخيّلوا.. "حتى الاستنكار؟!!!" ونحن أعلم الناس بشعابه.. أما وقد تخلينا عنه، فسيأتي يوم يستنكرنا "الاستنكار" فيه.

لذا، قلت لن أعود... لن أزرع البحر .. ولن أحصد الريح.

قلت، أريد أن أرجع، أسير مع الأيام في تتاليها الرتيبة.. استهلك ذاتي وأجترّها.. أسـابق الوقت في استنساخ لحظاته الرمادية الباهتة.. وأراقب الأشكال المتحركة من حولي، تدور في فراغ مليء.. في الطرقات والمقاهي وعلى شرفات المنازل.. في حالة ضوضاء يغلّفها السكون.. فأستذكر، ما قدرت عليه، "أفلام الكرتون"، ولكن الضحكة هذه المرّة.. استعصت.. وفاجأتني.. إذ لطالما ظننتها خيالية وحسب...

ولكن، لا أدري لماذا لم أبرع هذه المرّة بالحساب.. أو أني تأثرت بحسابات لم تكن بالحسبان.. ولماذا يبرع الآخرون في حسبانهم رغم جهلهم بالأرقام.. ربما هم يصدقون أنفسهم.. ولكنني أنا، لم استطع أن أصدّق نفسي... ولم تدركني قناعتي الآنيّة.. المستحدثة، وتنقذني من ترددي العنيد.. والمتهوّر.. أحاول الهروب، فتضيع كل الاتجاهات، أدور هائمـاً في حلقتي المفرغة.. أحاول أن أغفو من يقظة الوجدان الذي أورثني المتاعب.. ولكن هيهات.. ما زال يمعن في غيّه، ويؤرقني.. فأصحو، على واقع مغاير.. مكبلاً بأوجاعي.. المسكونة بالألم الهارب من جرحنا النازف.. لأرى من خلال الطفل الفلسطيني "محمد الدرة" وهو يقتل بوحشية في حضن أبيه … وأرى "علي" الطفل العراقي المقطوع اليدين، يكابد ألماً لا تقوى الجبال على حمله.. فأصرخ من عجزٍ، وتخذلني المكابرة.. رحماكما.. كيف لي أن أقوى على تحمّل هذا الوجع الكبير؟!.. أما تعبت أوجاعكما.. كل البريّة هدأت واستكانت واستسلمت.. أما آن لجرحكما.. إن يهدأ أو يستكين؟!.

وأسائل .. كيف السبيل ليقظة.. في عالم قد أضاع الاتجاه.. الكل سالِ، حتى يأتيه المصير.. نعجة بين النعاج.. ويعجزني الجواب.. فألجأ الى اللغة، استجدي مفرداتها، علّني أهتدي لمناص لا بدّ منه.. فأجدها، وقد استقالت من ألفاظها.. وابتدعت لنفسها لغة جديدة، لا يفقهها إلا أولئك الذين يقرأونها بإيمانهم ويكتبونها بدمائهم ويحركونها بآلامهم، ويحفظونها بصبرهم العظيم.. لغة، تحاكي الذين يطأون الأرض بأقدامهم الثابتة.. وهم "يعبرون الجسر في الصبح خفافاً".

وفجأة، أرجع من سفرة أوهامي وزيف أحلامي، لأجد نفسي، مواجهة أمام هذا الوجع النابض، والجرح "العراقسطيني" الذي لم يندمل بعد، في خضمّ المعمعة.. أخوض مع الخائضين.. وأتتبّع كل الخطوات السالكة على طريق البطولة. لأصحو مجدداً على وجع ظننت أني قد نسيته أو سلوته.. في غفلة التخيلات. ولكن، هيهات، أن ينسى موجوع أو يستريح مكلوم.. ألمٌ يسكن وجودنا وخياراتنا ووقفاتنا..

يقول البعض كفانا إخفاقات وهزائم وانسحاق … فقد تعلمنا أن الصمت أبلغ وأضمن… وحفظنا الدرس جيداً… فنحن لا حول ولا قوة لنا، وما علينا إلا أن ننسى ...

كيف ننسى؟! هل نستطيع أن نحبس الوقت في إطار؟.. وهل يستقيل الموت من أيامنا؟.. هل تستقيل الأوجاع من جراحاتنا؟.. هل يستقيل القهر الذي يستوطن نفوسنا؟..

هل ينسيا "دجلة والفرات"؟.. مجراهما؟!.. لا. لأن جدي كان يقول: "إن دجلة والفرات هما نهران من أنهار الجنة".. وأصدّق جدّي.

هل ينسى "حمورابي" شرائعه؟!.. هل تنسى بابل "برجها"؟!.. هل تنسى بغداد "أساطيرها"؟!.. وهل تنسى بيت لحم "سيّدها" ومخلصها؟!.. أم هل ينسى المعراج إسراء "نبيّه".. أم هل ينسى الأقصى؟!.. وهل تنسى أشجار الزيتون جذورها في فلسطين؟!.. وهل ينسى أبناء القهر فلسطينهم.. واغتصاب أرضهم وتشتيتهم ومعاناتهم و"أحجار أطفالهم" وانتفاضته شعبهم؟!…

أجيبوا ولو لمرة، بما بقي من مخزون "ضمير"، ورصيد "كرامة وعزة".





 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017