في المغرب العربي ، يستعملون لمتجر اللحوم اسم المجزرة بدلا من اسم الملحمة الذي نستعمله نحن المشرقيون . ولا ادري لماذا تخيلت هذه المفارقة وانا اصدم ، في الاسبوع الفائت ، باكثر من عبارة مكتوبة او مسموعة احسست فيها ان اللغة العربية تذبح كالخراف وتعلق اشلاؤها على اعواد الاماكن العامة.. ضلعا من هنا وعمودا فقريا مشطورا الى اثنين من هناك ، اما القلب والاحشاء فترمى في ارض واجهة المتجر لانها سقط المتاع. بدءا من احدى شاشات الفضائيات ، واهمها ، ومذيع يتحدث ببلاغة عن "علامات استفهامات" ، وانتقالا الى مطار عمان وعبارة مطبوعة بالبنط العريض الاسود:"مدخل المسافرون" ومن ثم الى كاتب (كما يسمي نفسه) يكتب: "يوما اسودا".
القصة لم تعد مجرد حرب على حركات النحو العربي كما تعودنا ، حيث يصر المتحثون على ان"يغيظوا" سيبويه ، وينظّموا كلامهم نكاية به ، بحيث يرفع المجرور ويجر المنصوب وينصب المرفوع ، لكأنما هي اعادة تشكيل المواقع الطبقية ، فلماذا يظل ذل الجر حكما مؤبدا على المضاف اليه ، ويظل ظلم ان تجر (في) الحقيرة ، ملك الملوك ، وجبل الشيخ؟ ولماذا تظل الرفعة حقا مقتصرا على من احتل موقع الفاعل والمبتدا والخبر واسم كان وخبر ان ؟ والنصب صفة شنيعة ملحقة بالمفعول به والحال وخبر كان واسم ان.
فلينبر الثوريون المتجرؤون على هذا التمييز الطبقي ، وليشقلبوا تراتبية المواقع ، ويعيدوا توزيعها عشوائيا طلبا للعدالة الاجتماعية . فمن قال ان لسيبويه الحق في التحكم برقاب تشكيل الكلمات وبملافظ الناس ومنطقهم؟ واما القول بان التشكيل لم يكن ابدا طارئا مجانيا على اللغة وانما هو الضمانة الكبرى لدقة المعنى ، فيرد بسؤال ومن قال ان هؤلاء لديهم وضوح في الفكرة وبالتالي في المعنى ؟ ومن قال انهم يريدون هذا الوضوح للمتلقي؟
ثم ، ما الخطا في ان نقول علامات استفهامات ؟ الم يكن يقولها الاتراك الذين استعمرونا مئات السنين ؟ وهل قلل ذلك من قيمة باشا او صدر اعظم ؟ وما الخطا في ان يكتب في المطار : مدخل المسافرون ، طالما ان الموظف البسيط على بوابة العبور الى الطائرة يسالني بلغة المستعمر الذي جاء بعد : "وان بيرسون ؟" طبعا مع لفظ البي على الطريقة العربية لا بالتشديد الانكليزي . ولا ادري ما الذي في شكلي مما يوحي له بان عبارة :"شخص واحد؟" لا تليق بي ؟ بل وربما لانني كنت - بالمصادفة احمل بطاقة درجة اولى - قد اوحيت له بانني من تلك الطبقة التي تتعالى على ان تعبر عن نفسها بالعربية ، هكذا ... ككل الناس ...،، (مع ملاحظة مهمة وهي ان اكثر الناس استعمالا لتعابير اجنبية ليسوا ابدا من المتقنين للغة الاجنبية المعنية).
فالمسألة مسألة محاولة بائسة للارتقاء الطبقي ، وادعاء تافه للرقي الثقافي ، واعتراف ضمني بتفوق الاخر الذي نقلنا من نير الانكليزية التقليدية الى نير الانكليزية المختصرة والمولعة بالادغام . واحد يشعر بانه اقل من اولئك الذين درسوا في المدارس الخاصة واتقنوا الاجنبية ، وواحد يشعر بانه اقل من اسياد تلك المدارس الخاصة ، الذين غرسوا فيه عقدة الضمور الحضاري ، والكل يتوق الى عدم الاهتمام بهذه اللغة العربية التي لا ترفعه الى مصاف اي من هؤلاء ، والى التعلق باذيال لغة الاخرين ممن نسميهم"العالم المتقدم"كم هو جميل ان يتقن المرء لغة جديدة او لغات جديدة لانه بكل واحدة ينفتح على عالم ثقافة جديدة ويتسع افقا وغنى (هذا اذا اتقن وتثقف).
ولكن كم هو قميء ان يدخل المرء عوالم الاخرين وقد اصيب بضمور روحه ، وفقدان جهاز المناعة في جسده ، وتشوه ملامحه بحيث لا يستطيع التعرف على نفسه في مراة نفسه ، فاللغة ليست الفاظا جامدة وقواعد قاسية وصياغات جاهزة ، اللغة جسد الفكرة والفكرة روح الانسان وبفكاك احداهما عن الاخرى يكون الموت . اللغة تعبير الامة عن ذاتها عبر العصور ، مخزون تلك الذات الواعي واللاواعي من كل تجليات وجودها ، وبتشوش هذا التعبير ، بتكسر وبلبلة هذا المخزون ، تكون بلبلة الذات القومية وتشوشها ، زلزال وجودها وعلامة من علامات انحطاطها،
|