شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2008-01-25
 

جدار برلين وجدار رفح...رؤية عادلة

سري سمور

ما حدث لجدار رفح ذكرنا بجدار برلين الذي انهار في تشرين ثاني(نوفمبر)عام 1989م حيث التقى الألماني بابن وطنه ،مثلما التقى الفلسطيني بشقيقه المصري الذي يقاسمه الدين واللغة والمصير وتربطهما علاقات مصاهرة وشراكات اقتصادية يعيقها الاحتلال،مع فارق أن الفلسطيني لا يرد الفرار من وطنه بل يريد التواصل مع إخوته في الدين والعروبة والمصير.

آلاف قضوا برصاص أمن نظام ألمانيا الشرقية البائد وهم يحاولون الفرار من جحيم نظامهم المهيمن عليه من "الكي جي بي"،منذ مطلع ستينيات القرن الماضي حيث أصبحت الدولة الألمانية "ألمانيتين اثنتين" وفرقت القوى الكبرى ابن الوطن عن أخيه سنوات وسنوات،أما الغزيّ الأبي فلا يريد الفرار ولكنه سجن في القطاع وحوصر من المحتل ومنع من حقه في الحياة،عدا عن أنه مهجر أصلا من عسقلان والمجدل والرملة وغيرها،حيث أن 77% من سكان القطاع من اللاجئين.

لكن المقارنة ليست عادلة تماما؛فإذا كان "الكبار" تصارعوا فيما بينهم ،ورغبوا في عقاب الألمان على ما قام به زعيمهم،فقسموا دولة هتلر وأنهوا نظامه ودمروا أركان قوته المسلحة،فما ذنبنا نحن أبناء الشعب الفلسطيني لندفع أيضا تبعات الجرائم المنسوبة لهتلر؟

إذا كانوا يريدون –حسب زعمهم- التكفير عن جرائم هتلر التي بالمناسبة طالت جميع الأعراق والقوميات،فلماذا لم يقيموا دولة "لضحاياه" في جبال الألب أو بافاريا أو حتى في برلين نفسها؟!

لماذا كان على النقب والجليل ويافا وحيفا أن تعاقب على جريمة لم يرتكبها سكانها؟هؤلاء السكان من أبناء المدن أو القرى أو البدو كانوا راضين بمعيشتهم قانعين بما آتاهم الله ،ولم يفكروا في استعباد أحد أو إبادة أي شعب أو الاعتداء على أي دولة أخرى،فانتزعوا من أرضهم وشردوا ودفعوا ثمن جريمة لم يرتكبوها ،على اعتبار أنها ارتكبت أصلا!

أعلم أن الأمور ليست بهذا التسطيح ،وأن العالم تحكمه المصالح وان إقامة الكيان العبري في فلسطين يرتبط بمصالح رأسمالية كبرى وله علاقة بموقع فلسطين وقربها من منابع النفط وقناة السويس،والهوس الاستعماري باستعباد الشعوب العربية والإسلامية عبر استنزافها بزرع جسم غريب في جسدها الممزق،أعلم كل هذا ؛ولكن هذا هو أساس الصراع الذي يجب ألا يغيب عن الأذهان ولو لحظة واحدة،أن هناك أرضا كان أهلها يعيشون فوقها بالطريقة التي كتبها الله لهم فجاء شذاذ الآفاق وأخرجوهم منها بالقوة وغيروا اسمها من فلسطين إلى إسرائيل،هذا سبب كل المشاكل والتفاصيل منذ 60 سنة!

عبور الفلسطينيين الغزيين إلى الأراضي المصرية ليتزودوا بما يسد رمقهم من غذاء ودواء وحاجيات تلزم بيوتهم وأعمالهم ،يذكرنا بلب القضية وأساس الصراع،ويعبر بشكل صارخ على أن لقضيتنا بعدا عربيا وإسلاميا لا ينبغي أن يغيًّب أبدا من الآن وحتى تحرير الأرض الفلسطينية،مثلما جرى تغييبه في السنوات العجاف منذ انطلاق ما يسمى بعملية السلام،وأن على العرب على المستويين الرسمي والشعبي تقديم الحد الأدنى للشعب الفلسطيني،لأن صمود الشعب الفلسطيني دعم لهم،ومقاومته تسهم بل هي ركن أساسي في حمايتهم،وقبل كل ذلك هذا واجب ديني وأخلاقي وعروبي وإنساني.

المجازر الأخيرة واشتداد وطأة الحصار وعودة قوة الشعور بفلسطين ونكبتها التي تبلغ هذا العام ستين سنة،يجب ألا تكون سحابة صيف ،أو عواطف عابرة،بل يجب البناء عليها ومراكمتها؛فالفلسطينيون رأس الحربة في مواجهة المشروع الإمبريالي الذي لو نال تسليما من الشعب الفلسطيني لابتلع كل البلاد العربية وكثيرا من البلاد الإسلامية.

لا داعي لفتح الجروح والتذكير بأن جيوش العرب قبل ستين عاما -أو بعضا منها – جمعت السلاح من السكان الفلسطينيين،وبعضها طلب من سكان القرى والمدن النزوح لمناطق أخرى "لضرورات المعركة" ،ولا داعي لضرب الأمثلة عن التدخلات العربية في الشأن الداخلي الفلسطيني لدرجة انتاج مجموعات وتجنيد شخصيات لصالح هذا البلد العربي أو ذاك...لنقلب صفحة الماضي ولننظر إلى الأمام ولنوجه البوصلة نحو حرية الأرض الفلسطينية واستعادة الفلسطيني لكرامته التي انتهكها المحتل.

قد يستغرب البعض إذا قلت بأن ما يطلبه الشعب الفلسطيني عموما من العرب أقل بكثير،وهو "أكثر واقعية" مما تطلبه شعوب وجماهير العرب؛لا نريد أن تفتحوا الحدود وترسلوا الجيوش ولا حتى المتطوعين،فقد خبر الفلسطينيون طبيعة الظروف،ولكن هناك ضرورات أنظمة وخيارات شعوب وأمة،ويكفينا "الأدنى" من الحد الأدنى من المواقف.

من العيب أن تفتح البرازيل مطاراتها للاجئين الفلسطينيين الفارين من فرق الإجرام التابعة للاحتلال الأمريكي وتضيق بهم البلاد العربية،فالفلسطيني لم يترك "جهنمه" ليفر إلى "جنة" العرب اختيارا بل قسرا وإجبارا،وبإمكانكم الحصول على تعهدات وضمانات أن الفلسطيني

سيترك كل شيء ولا يريد أي شبر عندما يتحرر وطنه،ومن المعيب أن يعامل الفلسطيني في بعض النقاط الحدودية والمطارات والموانئ كمتهم عليه إثبات براءته،خاصة إذا كان له ماض في مقاومة الاحتلال بدعوى الحفاظ على الأمن...من حق الدول العربية الحرص على أمنها ولكن على ليس على قاعدة الاتهام المطلق وانتقاص الكرامة،خاصة أن هذا الفلسطيني نفسه يحصل على إقامة في أوروبا وأحيانا جنسية،ويعامل معاملة حسنة من أناس يخالفونه الدين واللغة والتاريخ والمصير...أوليس حريٌّ بأن يعامل معاملة مشابهة من أبناء وطنه الكبير؟!

ولبعض الكتاب ومن ينتسبون للفكر والثقافة في البلاد العربية مواقف لا تقل عارا وشنارا،فمن مكاتبهم المريحة والمكيفة ينبرون للمساواة بين الجلاد والضحية ويحملون المقاومة مسئولية ما يجري من عدوان،وينسون أو يتناسون أنه لولا الاحتلال لما كانت هناك مقاومة،أما ما يتفيهقون به من تنظيرات بأن المقاومة جرت الويلات،فأي ويل اكبر من أن يكون 6 مليون من أصل 10 مليون في مخيمات اللجوء أو المنافي القريبة والبعيدة عدا عمن يعيشون في مخيمات الضفة والقطاع؟ ويواصل هؤلاء سخريتهم وهجومهم بانتقاد صواريخ المقاومة من حيث أنها بدائية ودخانية وألعاب نارية؛وحيث أن الحديث عن هذه المسألة قد كثر،فنقول لهم:ليس ذنب الفلسطيني الذي يذبح ليلا ونهارا أن يحاول الدفاع عن نفسه بما تيسر ولو امتلكت المقاومة الفلسطينية السلاح الخفيف وجزءا من السلاح المتوسط مما بحوزة أفقر جيش عربي لغيرت مجرى الصراع برمته،والعدو نفسه يقر بهذه الحقيقة ورغم ذلك فإن هذه الصواريخ "العبثية" تهدد أسديروت بالتفكك،وأظنكم تعرفون أن عمير بيرتس وزير حربهم السابق يقيم في أسديروت،وعندما كان في منصبه سقط صاروخ في حديقة منزله،بين قوسين،لأن لا منازل له ولا لبني جلدته هنا فهم غزاة ولصوص،واللصوص في اسديروت مرعوبون من "ألعاب المقاومة النارية"،فقولوا خير أو اصمتوا خير لنا ولكم ولا تنسوا أن الله فضل مطلقي الصواريخ على غيرهم درجة!

ما يسمى بمناطق الجبهة أي المناطق الاستيطانية الحدودية التي تكون عادة عرضة لصواريخ المقاومة الفلسطينية أو اللبنانية يشتمون حكومتهم بأقذع الألفاظ ويتقاضون أموالا وفيرة ،والكثير منهم عند التوتر يلتزمون ملاجئ محصنة بها كل وسائل الراحة،وغيرهم يفرون لمناطق أكثر أمنا ،بل الآلاف يفرون لأوروبا وأمريكا بجوازات السفر التي يحملونها لتلك البلاد...وعليه ألا يحق للفلسطيني أن يبتاع عددا من أكياس الاسمنت يرمم بها بيته الذي قصف ويقصف وسيقصف؟ألا يحق أن يجد الفلسطيني في جيبه شيئا من المال يسد به حاجاته المتزايدة؟ألا يحق للفلسطيني كلمة تشجيع؟ما لكم كيف تحكمون؟

ورغم أن البعض قد انطبع في عقله وذهنه أن إسرائيل كيان لن يزال حتى أحفاد الأحفاد وأن علينا التعاطي مع هذا الوهم والخنوع،فإننا نؤكد أنه بعد حوالي خمسة عشر عاما سيكتب في صفحات تاريخ هذه الأرض الطاهرة أنه كان ثمة كيان غاصب قتل الناس وشردهم وانتهك حرمة المقدسات وتم استئصاله قبل أن يبلغ من العمر ثمانية عقود،ولعلمكم هذه ليست أوهام فاقرءوا ما يكتبه دهاقنة الساسة عندهم ،فإبراهام بورغ رئيس الكنيست السابق كتب قبل حوالي خمس سنوات أن"علينا بعد عشرين عاما البحث عن مكان جديد نقيم فيه...!" فليبق المتوهمون في وهمهم وضلالهم ما داموا يرفضون فتح عقولهم وعيونهم لأنهم أشربوا "الاستسلام" في قلوبهم!

ولأن من لا يشكر الناس لا يشكر الله ؛فكل الشكر للشعوب وللحكومات والنخب والفعاليات العربية والإسلامية والأوروبية والأمريكية التي وقفت وما زالت مع أهالي قطاع غزة المحاصرين،وشكر خاص لمصر حكومة وشعبا على الموقف الذي اتخذوه،وأملنا فيهم اكبر بالا يتجاوبوا مع الابتزازات والضغوط،وأن يواصلوا مساعيهم لإنهاء حالة الانقسام الفلسطينية،وأن يجدوا آلية عاجلة لضمان حرية الحركة المنظمة لفلسطينيي القطاع إلى ارض الكنانة،والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.



 

جميع الحقوق محفوظة © 2026 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه