شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 1938-03-01
 

خطاب أول آذار 1938 الجزء الرابع

أنطون سعادة

هذه البلبلة الفكرية الروحية التي نرى مظاهرها في "القضية العربية" وفي "القضية اللبنانية" ساعدت على تجزئة سورية وتفكيك وحدة حياتها ووحدة مصالحها وتوليد صعوبات جمة في سبيل نشوء قضيتها القومية التي جاء بها الحزب السوري القومي.

إن الذين تبلبلت أفكارهم وعقولهم يظنون أن قضية الأمة تحقق عن غير طريق الأمة فالذين يرون بلوغ الإرب في قضية إسلامية يخمنون أن ستر هذه القضية الدينية بستار من جامعة عربية يخفي دوافعها الباطنة عن المسيحيين في هذا الوطن ويقود الجميع في اتجاه واحد. فهم لا يفهمون نفسية الجماعة وطبيعة العوامل الاجتماعية ويجهلون كل الجهل أنه مهما تظاهر المسيحيون بأنهم مقتنعون بقضية "الجامعة العربية" فلن يألوا جهداً في الاعتصام بقضية تناقض هذه الجامعة الدينية والذين يرون الفلاح في قضية مسيحية يتوهمون أن ستر هذه القضية الدينية بستار من شكل أرض يسمونه "استقلال لبنان" يخفي عن المسلمين دوافع هذه القضية الباطنة فتجوز عليهم الحيلة وينضوون تحت لواء هذه القضية. وهم أيضاً لا يفهمون نفسية الجماعة وطبيعة العوامل الاجتماعية يجهلون كل الجهل أنه مهما تظاهر المسلمون بأنهم مقتنعون بقضية "استقلال لبنان" أو الانعزال في لبنان فلن يألوا جهداً في العمل لقضية تناقض هذا الاتجاه الديني. والغباوة من الجانبين ترى الفريقين أنه يمكن التعويض عن الحقائق الاجتماعية وحاجات الجماعة بشيء قليل أو كثير من المنطق الكلامي.

على أساس هذه الغباوة نشأت الشركات السياسية لاستثمار النزعات المختلفة باسم "الوطنية". وقد عملت هذه الشركات طويلاً لغايات مبهمة من الوطنية، بعيدة عن تنظيم الشعب وعقائده وعن إيجاد المؤسسات الصالحة للعمل القومي وعن وضع قواعد تربية اجتماعية سياسية جديرة بتوليد المعنويات القومية الكامنة في نفسية الأمة. فكان من وراء ذلك إقصاء الكفاءات السورية الجديدة، الآخذة في الظهور، عن الاشتراك في العمل المنظم يعطي النتائج المرغوبة واتجاه الشركات المؤلفة نحو الاحتكار.

هذه هي الحالة السياسية المشؤومة، التي كان علي أن أواجهها عند عودتي إلى الوطن. هذه هي الحالة السياسية التي أخذ الحزب السوري القومي يعالجها على ضوء مبادئه وأهدافه. هذه هي الحالة السياسية المشؤومة، التي نتج عنها الانحطاط المعنوي في النفسية السورية الظاهرة في أقوال كهذه: "نحن أمة ضعيفة لا قبل لنا بأمر كبير بالاستقلال. بلادنا كانت ممراً للفاتحين وهي الجسر بين الغرب والشرق وستظل كذلك. ماذا يستطيع أربعة ملايين سوري أن يفعلوا؟" الخ. ومن هذه الأقوال، التي كنا نسمعها ولا نسمع غيرها قبل نشوء الحزب السوري القومي، يظهر لكم جلياً مبلغ انحطاط المعنويات الذي بلغت إليه الأمة السورية على عهد الشركات السياسية. وهي هذه الأقوال، ما يتذرع به كلا الفريقين: القائل "بالقضية العربية" والقائل "بالقضية اللبنانية" أولئك يتذرعون به ليبرروا إنكارهم حق أمتهم بالحياة والعمل للجامعة الإسلامية – العربية، وهؤلاء يتذرعون به ليبرروا تمسكهم بانعزال لبنان ووضعه تحت حماية دولة أجنبية مسيحية. وكلا الفريقين في ضلال مبين.

هذه هي الظروف السياسية المتولدة من الحوادث التاريخية القاسية، التي مرت بأمتنا في عصورها المتأخرة وجاء الحزب السوري القومي ليبطل مفعولها ويزيل أثرها.

....

يتبع





 

جميع الحقوق محفوظة © 2017 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه