شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 1938-03-01
 

خطاب أول آذار 1938 الجزء الخامس

أنطون سعادة

أما الظروف الروحية النفسية المتولدة من هذه الحوادث ومن الظروف السياسية الاقتصادية المتأتية عنها فهي ظروف انحطاط في المناقب عز نظيره.

فإن فقد الثقة بالنفس وبقوى الأمة وإمكانياتها السياسية والاقتصادية والاستسلام للخنوع أنشأ طائفة من المأجورين للإرادات الأجنبية القريبة والبعيدة يغذون الأفكار بسموم فقدان الثقة بمستقبل الأمة والتسليم للأعمال الخارجية والحالة الراهنة.

فإذا النفسية العامة في الأمة نفسية خوف وجبن وتهيب وتهرب وترجرج في المناقب والأخلاق. ومن صفات هذه النفسية العامة الخداعة والكذب والرياء والهزؤ والسخرية والاحتيال والنميمة والخيانة وبلوغ الأغراض الأنانية ولو كان عن طريق الضرر بالقريب وعضو المجتمع.

هذه الحالة كانت أكبر نكبة أصيبت بها الأمة والتفاعل بينها وبين الحالة السياسية كان وخيم العواقب معدماً كل أمل بتوليد نهضة قومية صحيحة وكل أمل بتحقيق القضية القومية. فاليأس ساعد الفساد الأخلاقي مساعدة عظمى والفساد الأخلاقي قوى اليأس ووطد النفوس عليه.

هذه هي الظروف السياسية والروحية التي وجدتني محاطاً بها عندما قررت وجوب إنقاذ الأمة بإنشاء الحزب السوري القومي والسعي لاكتشاف العناصر السليمة الضالة في فوضى هذه الظروف وتنظيمها في الحزب.

من البديهي أن الحركة للتحرر من سيطرة تركية، التي عرفت فيما بعد "بالقضية العربية" لم تكن القضية القومية بل القضية السياسية الأولى الناشئة من الاختلاجات القومية الأولى. فالقضية القومية لا تنحصر في فكرة التحرر السياسي من ربقة دولة مسيطرة بل القضية القومية تكون في إدراك شخصية الأمة وحاجاتها وإيجاد المبادئ الموحدة صفوفها واتجاهها ووضع أسس كيانها الثابت المجهز بجهاز البقاء والتمييز بين حقوقها وحقوق الجماعات الأخرى. ولما كانت سورية مجتمعاً واحداً قائماً بذاته في القطر السوري تتفاعل ضمنه حياة اجتماعية اقتصادية واحدة كان همي الأول تعيين قضية هذا المجتمع الذي هو مجتمعي والقضاء على الاختلاطات السياسية الدينية التي بلبلت عقائده وأضاعت شخصيته مدة من الزمن وتأسيس قضيته القومية الجامعة مصالح السوريين جميعهم وحقوقهم المولدة إرادة الأمة السورية أن تدرك مصالحها وحقوقها وأن تنمي وتوسع هذه المصالح والحقوق. وقد تمكنت من تكوين قضية الأمة السورية تكويناً تاماً في المبادئ التي أعلنتها ودعوت الشعب إليها وتأسس عليها الحزب السوري القومي.

كان تأسيس الحزب السوري القومي ضربة قاضية على البلبلة الفكرية الروحية وبدء اتجاه الأمة نحو قضيتها التي هي قضية حياتها ومصيرها ومطالبها العليا. فالقضية السورية القومية وضعت حداً للفوضى السياسية والاجتماعية فلم تعد الحركة القومية مجرد انتفاض على الإرادات الأجنبية والسيطرة الأجنبية أو حركة جماعة مسيحية أو جماعة إسلامية بل حركة أمة أدركت وحدة مصالحها وحقيقة حياتها فأرادت هذه القضية وعملت لهذه الحقيقة. هذا هو عمل الحزب السوري القومي.

بهذه الحقيقة أردت معالجة الحالة الفكرية السياسية المضطربة الحائرة بين إبهام "القضية العربية" والاختلاطات المشتملة عليها وعماوة "القضية اللبنانية" والاشتراكات الداخلة فيها. وبهذه الحقيقة انتصرت على اليأس وظلمة الفكر وتشوش الشعور.

....

يتبع



 

جميع الحقوق محفوظة © 2017 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه