إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

حين تتغلب الخيانة على الأمانة ..

د. وسام جواد

نسخة للطباعة 2008-07-18

الارشيف

ينطبق المثل العراقي الشعبي: إلما يسوگه مَرضَعه ضَرب العصا ما ينفعه.. على الذين لا ينفع معهم التأديب ولا التحذير من عواقب إرتكاب أفعال مرفوضة سياسيا ودينيا وإجتماعيا. ولعل زيادة نسبة الإرتداد والإنحراف عن القيم والمبادئ,التي حددتها هذه النواحي الثلاث,هي من بين الأمور,التي تكشفت وتفشت بعد الإحتلال الغاشم للعراق بشكل يدعو الى الخوف والقلق لا على حاضرنا المؤلم, وإنما على مستقبل الأجيال القادمة.

العوامل السياسية :

فشلت الأحزاب السياسية في العراق فشلا ذريعا في توحيد قواها, لمحاربة العدوان الأمريكي وفي إعلان رفضها المشترك والصريح لمبررات بقاء قوات الإحتلال. وبقيت خافتة أصوات المطالبة بدفع التعويضات عن القتل والتدمير,الذي لحق بالعراق منذ وبعد الإحتلال. وعوضا عن التمركز في خنادق المعارك ضد الغزاة, تعاونت بعض القيادات السياسية مع قادة الاحتلال ووقفت الى جانب براربرة العصر, مبررة هذا الوقوف بما لا يقبله المنطق . ولم يكن سلوك الإنتهازيين غير متوقع, فقد تمكن الإحتلال ببارق الدولارات من شراء ذمم بعض القادة السياسيين, ومكنهم من فتح أكشاك الإرتزاق لبيع بضاعاتهم المستهلكة في سوق الدعارة السياسية .

واذا ما إسثنينا أحزاب المشايخ الإقطاعية في شمال العراق, المعروفة بمواقفها الإنتهازية والمتقلبة,فإن الساحة السياسية قد شهدت حضورا قويا للحزب الشيوعي العراقي لأكثر من أربعة عقود,إمتدت منذ أواسط العقد الرابع وحتى نهاية السبعينات من القرن الماضي ولحزب البعث,الذي سجل حضوره الفعلي لأكثر من أربعة عقود أيضا ( 1963- 2003 ) . وقد كان له نشاطا جماهيريا محدودا قبل ذلك,عرف عنه أثناء توجه القوى الوطنية نحو تشكيل الجبهة الوطنية عام 1957, وفي سنة 1959 أثناء محاولة إغتيال الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم, وفي مناصبتة العداء للشيوعيين .

لم تتمكن قيادات الحزبين على مدى نصف قرن من فهم قواعد اللعبة, التي وضعتها الدول الرأسمالية والصهيونية لإشغالها وإنهاكها في مباراة, ذاع فيها صيت العديد من لاعبيها, وعرف عن "شغفهم" في ساحات التنافس السياسي الضيق . وعلى الرغم من النداءات المخلصة للعديد من الشخصيات و الكوادر الوطنية لوقف المبارات, إلا أن هذه النداءات لم تجد آذانا صاغية, وظل المشاهد ( الرأسمالي- الصهيوني ) حريصا على استمرارها, معتمدا في ذلك,على استعداد المدفوعين, وحماس المندفعين, وعدم إدراك الكثيرين أن النتيجة النهائية لن تكون سوى صفر- صفر لكل من الفريقين ..

أراد حزب البعث التغلب على الحزب الشيوعي بالضربة القاضية في 8 شباط 1963 فلم يتكمن, ولكنه إستطاع النيل منه في نهاية السبعينات بالنقاط , حيث أعدمت السلطات عددا من الشيوعيين في 1978, وفتحت أبواب السفر, ليمر منها آلاف المعارضين الى الخارج . على أن فرحة البعث "المنتصر" لم تدم , فقد وجهت إليه ضربة قوية, من قبل الذين أيدوه علنا وسرا في صراعه المرير مع الحزب الشيوعي العراقي, لم يستطع بعدها النهوض , رغم أن العَد تجاوز الخمسة أعوام ..

العوامل الدينية :

لعب بعض رجال الدين دورا قذرا في التحريض على محاربة الشيوعية, بعد انقلاب 8 شباط 1963 تحت شعار"الشيوعية كفر والحاد", وفي محاربة حزب البعث بعد الإحتلال النازي"إجتثاث البعث". ولولا الأخطاء,التي أرتكبتها القيادات في الحزبين وفشلها في بذل المساعي الجدية في إعتماد علاقات سياسية حضارية, لوضع حد للتنافس الحزبي بينها, لما تمكنت حفنة من المتخلفين, في الفقه والدين, من دك الأسفين, ونصب الكمين , لقادة سياسيين, شيوعيين وبعثيين. ولما سالت بالدماء أبطحُ , ولاعلت في المقابر أضرحُ , ولما راح العدو يهلل ويفرحُ, لكراماتٍ تداس وتهان وتجرحُ, ولشعبٍ بخناجر الغدر يُذبحُ. ولما راحت كلاب العمالة للبساطيل تمسحُ, ومن فتات موائد أسيادها تلفحُ. ولما ظلت المرجعية في بحار الصمت تسبحُ, وعلى دنانيرالزكاة تمسي وتصبحُ, وجداول دم الشهداء تسيل وتسفحُ, ومستقبل الأجيال بات مهددا يترنحُ.. فهل للمرجعية أن تبين الأسباب وتشرحُ ؟ أهناك من عذر السكوت ما هو أقبحُ ؟ وهل ما هو أكبر من مصابنا وأفدحُ ؟ وعراقنا مذ خمس تحت إحتلال يرزحُ ..

ان ضعف الوعي الديني بين شرائح واسعة من مجتمعنا, وما يرافقه من إهمال وقسوة في التعامل معها من قبل أنظمة الحكم المتعاقبة, والإبقاء على عدم نشر الوعي الديني بين هذه الشرائح المغلوب على أمرها, يجعلها تتوه في طرقات, محتلفة الإتجاهات, وعرة الممرات, كثيرة المنزلقات.. فتدفعها الرغبات, للخروج من الظلمات, وإختصار المسافات, لبلوغ النهايات, لكنها,تُصدَم بعصابات, وأحزاب ومنظمات, لأصحاب العمامات, تفسر الآيات, وفقا لإجتهادات,معروفة الغايات, فلا يظل سوى كُرهِ ما فات, وخوف من خبايا القادمات ..

العوامل الإجتماعية :

لم تكن الناحية الإجتماعية أوفر حظا من الناحيتين السياسية والدينية في التدهورالحاصل . وقد نالت حصتها من التخريب, بعد محاولات عديدة, لهدم الأساس,الذي شيد عليه بناء العلاقات الإجتماعية, بمعاول الفكر الرجعي المتخلف. وقد ولد إنشغال الأحزاب بخلافاتها السياسية, وعجزها عن تحقيق ما وعدت به الجماهير إحباطا بين مختلف طبقات المجتمع, وتركت فراغا كبيرا, شغلته منظمات وأحزاب دينية تقودها زمر الرجعيين وذوي التأريخ الأسود في العمل الموجه ضد الأحزاب الوطنية. لذا, فقد تأثر الوضع الإجتماعي وتراجعت علاقات حضارية لتحل مكانها أخرى,لا تليق بالمجتمع العراقي .

إن قتل شابة في عمر الزهور لمجرد الشك في علاقة لم تكن موجودة أصلا, وقتل أمها لمحاولتها الهَرَب, إحتجاجا على قتل الأب للإبنة "غسلا للعار" لهوَ العار بحد ذاته. وليس أكثر تخلفا من عودة البدع الدخيلة على المجتمع المتحضر كالتطبير والضرب على الظهور بالزناجيل, وحين يصبح الحجاب فرضا وليس قناعة.

إنها لكارثة, حين يتحول الدين الى أداة للقمع والقتل والتفرقة والكراهية, وحين يُستغل لوقف عجلة التطور والتعايش السلمي في المجتمع . واذا ما عرفت المجتمعات الكثيرعن الثورات الإجتماعية, فإن مجتمعنا, بحاجة كبيرة الى ثورة, تخلصه من براثن مرتزقة ونصابين, لبسوا العمامة وتاجروا بالدين .

الخــلاصة ..

أحدث برابرة العصر بغزوهم واحتلالهم للعراق هزة عنيفة, نتج عنها أضرارا هائلة وتصدعات خطيرة في بنية المجتمع العراقي, لم يسلم منها إلا من تعاون مع الإحتلال بدوافع الحقد الأعمى والرغبة في تحقيق المصالح الذاتية على حساب الوطن والشعب. واذا ما حُمل النظام السابق القسط الأكبر من مسؤولية ما آلت اليه الأمور, فإن ذلك لا يعفي القوى السياسية والدينية من جريمة التعاون والتحالف مع القوات الغازية ( تعددت الأسباب والجرم واحد.. ) .

إستمرت حرب البسوس أربعين عاما, فهم الفرقاء أنها مرت جزافا, فأوقفها العقلاء بعد أن بدأها الأغبياء. وبقيت الأحزاب السياسية في تنافسها الدموي أكثر من خمسين عاما. فكم سنحتاج لوقف تقديم القرابين على مذبح الرأسمالية والصهيونية ؟ وكم سنحتاج للوصول الى درجة الوعي الضامن للوحدة الوطنية الحقيقة ؟ في زمن, بدت فيه الخيانة متغلبة على الأمانة..


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017