إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

الثقافة والوعي في زمن الإحتلال ..

د. وسام جواد

نسخة للطباعة 2008-09-07

الارشيف

تتأثر الثقافة بالأوضاع الإقتصادية والعلاقات الإجتماعية والدينية بين أفراد المجتمع, وتنعكس النتائج السلبية للأزمات الداخلية والخارجية كالحروب والإحتلال على الثقافة لفترات قد تتجاوز العقود أو أكثر. ولا تشكل الثقافة العربية إستثناءا. فبعد أن بلغت عاليات القمم, وسبقت بمعارفها باقي الأمم, تراجعت أمام زحف جحافل الجهل والتخلف .

لم تكن أجواء الحضارات في بلاد ما بين النهرين صافية دائما,وكثيرا ما تلبدت سماؤها بسحب مغولية وتترية وفارسية وعثمانية معتمة,دفعتها رياح الأقدار نحوعراقنا فأمطرته دَمَا, وجرفت سيول الهمجية ما بناه العقل الحضاري المبدع. واذا ما انقشعت سحب المغول والتتر منذ أمدٍ بعيد,فإن غيوم القيض الفارسية والتركية ظلت تعكرالأجواء السياسية والدينية والإجتماعية للمجتع العراقي بين حين وآخر..

ويختلف الكثيرون حول ما تسببه إيران وتركيا من قلق وازعاج دائم للعراق لِما لهما من تاريخ طويل, لم يتميز بعلاقات حسن الجوار والنوايا الطيبة في معظمه, فتعمقت فيه جذورالخلافات,دافعة بأطرافها الى إتهام إيران تارة وتركيا تارة أخرى. ولا تصبح الأحكام منصفة إذا ما تغلبت الإنتماءات الطائفية والعواطف على التجرد والنزاهة في تحديد ما اذا كانت أي من الجارتين تمثل حقا,عقبة أمام أمن واستقرار العراق .

إيران : لم تتوقف طموحات الإمبرطورية الفارسية في الماضي عند حدود العراق وتعدتها الى ما كانت تؤدي اليه الإتجاهات الأربعة, وخاضت فيها حروبا شرسة قبل وبعد الميلاد. وأصبح لتنامي قدرات الشعوب,التي حاربت جيوش الامبراطورية الإيرانية, وإعتناق الشعوب الإيرانية للإسلام دورا مهما في ترويض الجموح الفارسي .

بعد غروب شمس الإمبراطورية العثمانية وطلوع نهار الإستعمار الأوربي على دول الشرق وأفريقيا, عادت إيران الى لعب دور إقليمي من جديد في النصف الثاني من القرن العشرين . وكان لإثارة قضية الأحواز(عرب ستان) ومحاولات الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم اليائسة في الحصول على دعم عربي لرفض قرار ضمها الى إيران في 1925 من بين أسباب تأزم العلاقات. وقامت إيران بتحريك القضية الكردية في شمال العراق معتمدة على شهية المشايخ الإقطاعية المفتوحة على موائد المؤامرات,التي تستهدف وحدة العراق بمجرد مطالبة النظام السابق باستعادة منطقة الأحواز, فاضطرته الى التراجع و الإعتراف بـ "إيرانية الأحواز" في إتفاقية الجزائرعام 1975 مقابل وقف الدعم الإيراني للفصائل الكردية.

لم تخمد إتفاقية الجزائر نيران الأزمة الملتهبة على الجبهة السياسية سوى لفترة وجيزة, إذ نفخت بها رياح العنجهية والأحقاد في أيلول 1980 فاشعلتها على جبهات أطول حرب تقليدية عرفها القرن العشرين, بلغت حصيلتها أكثر من مليون قتيل ومئات الألوف من المصابين وقدرت خسائرها المالية بحوالي 1.20 تريليون دولار .

كان لابد من وضع حد للقوة العسكرية والعلمية والاقتصادية العراقية المتصاعدة, بعد أن تبين خطأ الحسابات في خروج الطرفين من الحرب مُحطمَين ومُنهَكين لفترة طويلة قادمة. فقد خرج العراق قويا,إن لم يكن أقوى من أي وقت مضى. ولم ترق هذه النتيجة للقوى الإمبريالية والصهيونية ولبعض الأنطمة العربية, فعمدت الى الإستفزاز من خلال حكومة اللقطاء الكويتية لإيجاد مبررات شن حرب عدوانية على العراق, وفرض حصار فاشي على شعبه, وتوجيه ضربة قاضية للنظام ومن ثم احتلاله في 2003 .

لا يشك أحد في أن سقوط النظام وإحتلال العراق قد أسعد وأثلج ما احتر من أفئدة الحقد الدفين في بعض الأنظمة العربية والإقليمية, وروت ما ارتكبه الغزاة من جرائم , ظمأ فاقدي البصيرة في قيادات الأحزاب والمنظمات السياسية والدينية,التي تعاونت بكل ما تحمله كلمة "القذارة" من معنى مع القوات الأمريكية النازية المحتلة. ولم تتعامل القيادات الإيرانية مع العراق بنفس الحنكة السياسية,التي أثبتتها في التعامل مع "الشيطان الأكبر" والأوروبيين بخصوص الملف النووي في وقت, تحتم عليها إتباع سياسة عقلانية تقوم على أساس حسن الجوار وبناء جسور الثقة والصداقة مع الشعب العراقي بكل مكوناته, بعيدا عن التفضيل الفئوي والطائفي .

تركيا : خضع العراق للإحتلال العثماني قرابة أربعة قرون (1532– 1918) وسميت هذه الفترة بالمظلمة, نظرا لما أصاب العراق من تدني في أحوال الناس المعيشية وشلل في الحياة الثقافية العامة وموت سريري للإنجازات العلمية, التي طعنها خنجر الحكم العثماني الإقطاعي المتخلف في الصميم . وقد خاضت الإمبراطورية العثمانية حروبا عديدة, سعت من خلالها الى توسيع نفودها وبسط سيطرتها على مساحات شاسعة تحت راية الإسلام, لم تتوقف إلا بعد حروب الإمبراطوريات الدامية ( الفارسية-العثمانية, الروسية-العثمانية, الإيطالية-العثمانية, المجرية-العثمانية ),التي انتهت بسقوط الإمبراطورية العثمانية, وبدء مرحلة الإستعمارالأوربي .

لعب مصطفى كمال أتاتورك القائد العسكري المتأثر بالثقافة الأوربية, دورا مكملا في إحداث التغيرات التي فرضها واقع ما بعد سقوط الحكم العثماني واندلاع الحرب العالمية الاولى . واذا لمع نجمه كقائد عسكري محنك, فإن ذلك لن يغفر له ما قام به من أعمال, إستهدفت تدمير دورالعبادة الإسلامية وتحقيق حلم الحركة الصهيونية, الذي تحقق في الإتحاد السوفييتي بالغاء الحروف الأبجدية العربية واستعمال اللاتينية عوضا عنها, لقطع حبل التواصل التاريخي والثقافي والديني مع العالم العربي والإسلامي .

بقي الجيش التركي ماسكا بزمام السلطة بعد كمال أتاتورك, رغم بعض المظاهر الشكلية, التي توحي عكس ذلك. ولو راجعنا أحداث النصف الثاني من القرن المنصرم, لوجدنا الجيش والسلوك العسكري من يتحكم في السياسة التركية :

- عضوية تركيا في حلف مع الناتو.

- الإحتلال التركي للشطر الشمالي من قبرص والعلاقة المتوترة مع اليونان .

- السماح لقوات العدوان على العراق بشن ضربات الجوية ,إنطلاقا من قواعدها في تركيا.

- الدخول المتكرر للأراضي العراقية بحجة ملاحقة العصابات الكردية .

- التلويح بالتدخل العسكري في كركوك بحجة حماية التركمان .

- بناء السدود الضخمة بشكل أضر بحصة العراق من المياه, وتسبب في الجفاف وخفض نسبة المساحات الصالحة للزراعة.

لا تمحو الأيام, بل تذكر دائما بما تفعله الحروب ويخلفه الإحتلال. واذا خرج اليونانيون والعرب أو أخرجوا من البلاد,التي خضعت لسيطرتهم, فإن آثارهم العمرانية والثقافية في تلك البلاد,كانت ولا تزال شامخة, تتحدث عن عظمتها ورقيها شعوب العالم. أما حروب المغول والتتر, فإنها لا تذكر إلا بهمجية القتل والتدمير,التي مارستها الأقوام الغازية في الماضي, وتمارسها اليوم الولايات الصهيونية المتحدة ضد الشعوب.

قال الفيلسوف برنادشو ذات مرة "إن التفكير بالماضي يُنسي ملاذ الحاضر" ولا خلاف على ما قاله, لو أن بلاده حققت الرخاء والإزدهار بالإعتماد على قدراتها الذاتية,لا عن طريق إحتلال الدول وقمع حريات الشعوب ونهب الثروات. ويصبح نسيان الماضي, الذي أرادت الكنيسة أن يكون وقود آتونه ضحايا الحروب الصليبية ورجال العلم أمرا ضروريا للعقل المتحضر ولكن, ماذا عن حاضر لا ملاذ فيه ؟ واذا أسلمنا بأن الحاضر سيكون الماضي في المستقبل, فمن الضامن لعدم لعنة وكراهية الأجيال لنا,على ما سنتركه لها من أرث,ترفض قبوله حتى أكثرالمجتمعات تخلفا وبعدا عن الثقافة ؟

الخـلاصــة:

لا يمكن للسلوك الهمجي الفردي أو الجماعي كالإحتلال أن يتحول الى ظاهرة حضارية, مهما حاول أصحابه واجتهد أحبابه في تبريره. وتبين الوقائع التاريخية ( وما أكثرها..) إن من بين الضحايا غير البشرية للإحتلال هي الثقافة. ولطالما كانت الثقافة عنوانا للمجتمع الحضاري,فإنها مستهدفة حتما من قبل همج الإحتلال وهذا ماحصل في عراقنا, حيث أحرقت المكتبات, ونهبت نوادرالأرشيف, وسرقت الشواهد على حضارات ما بين النهرين من المتاحف.

إن الرهان الذي وضعة الإحتلال الأمريكي وأعوانه على فرس سباق الفتنة الطائفية والتفرقة العنصرية وشراء الذمم لا يزال منطلقا بقوة, وقد يقترب من خط النهاية, ما لم يُمسك بعنانه ووقفه قبل فوات. ولن يتحقق ذلك, ما لم تتحد القوى الوطنية المخلصة للعراق وشعبه, وتتظافر الجهود لنشر الوعي والثقافة الوطنية بين فئات المجتمع المعدمة,التي تستغلها العمائم الخبيثة, في الإبقاء على حالة التخلف الديني والإجتماعي لتمرير أهداف سياسية خبيثة يخطط لها أعداء العراق .



 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017