إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

تلقينـا أوامـر.. نفذنـا الأوامـر

عوفر شيلح - جريدة السفير

نسخة للطباعة 2009-03-23

في الشهور التي مرت منذ انتهاء عملية «الرصاص المسكوب» بقيت تفاصيل أحداث العملية وتجاربها مستترة خلف ستار مطلق. وكانت لذلك أسباب عدة: الجيش اختار بعناية الناطقين الذين تحدثوا أمام وسائل الإعلام. وتعطر الجنود والمدنيون بما تراءى أنه صورة نجاح، فلم يطلب أحد فحص ما جرى. وفي الأساس وخلافاً لحرب لبنان الثانية، لم يحارب في «الرصاص المسكوب» سوى جنود الخدمة النظامية: فوحدات الاحتياط القليلة، التي دخلت للعمل في القسم الثاني من العملية البرية، تموضعت في الغالب خلف الوحدات النظامية وخبرت فقط القليل جداً من القتال، الذي كان أصلاً بالغ المحدودية، بالتأكيد مع الوصف المدوّي لكلمة «حرب». وانكشف جنود الخدمة النظامية لوسائل الإعلام بشكل مدروس، وبسبب أعمارهم، خبرتهم وتجربتهم الجماعية فإنهم أقل ميلاً إلى محاسبة النفس.

وكان هناك سبب آخر لضباب ما بعد المعركة: الاتهامات بالجملة لإسرائيل باقتراف جرائم حرب، وهو ما فسّر عندنا على أنه مظهر آخر من مظاهر اللاسامية ودفعت الجيش والمجتمع من حوله لحشد القوى في دائرة الدفاع في مواجهة الخارج. ورأت أغلبية ساحقة من الجمهور أن العملية مبررة، أما من شكك في إدارة المعركة فإنه اشتكى في الغالب من رقة مبالغ فيها ووقف للعملية قبل أوانها. أما شهادات الفلسطينيين التي وجدت طريقها إلى الصحافة الأجنبية، فقد اعتبرت عندنا نوعا من الافتراءات. وقصص العائلات التي ثكلت بالعشرات من أبنائها، وقصص إطلاق النار بدم بارد على أناس كان من الواضح تماما أنهم أبرياء، بل حتى صور التخريب المتعمد التي ظهرت في القنوات التلفزيونية الإسرائيلية، كلها أبعدت عن الذاكرة بوصفها مؤامرات لإعلام معاد. والتفسير بأنه «هكذا هي الحرب» والإنكار الشديد استقبلا برضى: ففي الوعي الإسرائيلي، لا نقاش في أن الجيش الإسرائيلي هو الجيش الأكثر أخلاقية في العالم، وأن الذنب في قتل الأبرياء، إذا حدث، يقع فقط على كاهل حماس، الذي اعتاد الاختباء بين المدنيين.

وقبل حوالى شهر اجتمع في إعدادية رابين العسكرية، الواقعة في كلية أورانيم، طلاب الإعدادية وعدد من الضيوف: وهم متخرجون من دورات سابقة، شاركوا كمحاربين وكضباط في «الرصاص المسكوب». وكان هناك ممثلون لجميع ألوية المشاة، طيار واحد، بل كان أيضاً أحد رجال مكتب الناطق بلسان الجيش. وإعدادية رابين العسكرية هذه موجودة منذ أحد عشر عاماً، وكانت بين أكبر وأبرز الإعداديات العسكرية العلمانية. ورئيس الإعدادية هو داني زامير، وهو نائب قائد كتيبة في الاحتياط. وبقرار مقصود يتجند قسم كبير من متخرجي هذه الإعدادية في لواء جفعاتي، ولكن كما سلف يتوزعون في كل وحدات الجيش، خصوصاً الوحــدات المقاتلة. وتقريباً فإن نصف المتخرجين حتى اليوم واصــلوا خدمتهم العسكرية وذهبوا لكليات الضباط أو اختاروا مسارات خدمـة نظامية أخرى.

وتحدّث المتحدثون بحرية. ومن تسجيل الوقائع كما نشر هذا الأسبوع في نشرة الإعدادية، يتبين أنه بالتدريج، وكلما تعاظم الذهول بل والغضب من حولهم، شرع قسم منهم في فهم ما يقومون بوصفه. واشتكى قسم منهم على ما رأى، لكن أغلبيتهم أحست بأن هذا ببساطة ما جرى: هذا ما نقلته لهم القيادة، هذا ما فعله الناس المحيطون، وكل من يتنكر لذلك هو ببساطة لا يعرف الحقيقة. وهذه هي الحقيقة كما تبدّت في الشهادات: الجيش الإسرائيلي استخدم في «الرصاص المسكوب» سياسة إطلاق نار مترفة، اعتبرت درساً مناسباً من «رخاوة» حرب لبنان الثانية. وفي إطارها، فإن كل من يتبقى على الأرض التي يدخلها جنود الجيش الإسرائيلي بعد النيران الأولية ومناشير التحذير، والأمر كما هو معلوم يتعلق بمناطق مدينية مكتظة، يتحمل مسؤولية نفسه. وبالفعل فإنه في العديد من الحالات الموصوفة أطلقت النار على نساء وأطفال، كان بالوسع تشخيصهم بوضوح أنهم لا يشكلون خطراً على القوات. والأدهى أن مطلقي النار وقادتهم لم يفكروا أن في هذا خروجاً عن القواعد، أو أنه يجب التفكير فيه أو يتطلب الإبلاغ.

وترافق التواجد في داخل البيوت الفلسطينية بأفعال تخريب متعمد، من كتابة الشعارات على الجدران وصولاً إلى تخريب الأثاث من دون مبرر. وفي أماكن كثيرة طبقت نظرية تقول بوجوب طرد العائلة المقيمة إلى الشارع، رغم أنه كان من الواضح أن مجرد وجودها في مكان مكشوف يعرضها لخطر الموت، وفقاً للسياسة نفسها. أما القادة الذين أمروا جنودهم بإعادة الأثاث إلى مكانه أو تنظيف ما وسخوه قبل أن يتركوا المكان، فنظر إليهم على أنهم مخبولون.

ولم يصطدم أحد منهم، بعد شهر من انتهاء القتال، بأي حالة وصلت إلى التدقيق أو التحقيق من جانب أجهزة القضاء العسكري. كما أن ردة فعل الجيش بعد أن عرض زامير الأمر على المستويات الأعلى في الجيش كانت مقلقة بالقدر نفسه. وها هي الأمور كما حدثت، مصحوبة بالحد الأدنى من التفسير المطلوب. الأسماء غير حقيقية، أما الروايات فهي حقيقية. حوار المقاتلين العام 2009، رواية «الرصاص المسكوب».

كل غزة مخربون

أفيف .. (لواء جفعاتي): «قبل نهاية العملية كان المخطط أن ندخل منطقة داخل غزة نفسها. وفي التوجيهات بدأوا في الحديث معنا حول تعليمات إطلاق النار داخل المدينة، لأنه كما تعلمون تم استخدام الكثير جداً من النيران وتم قتل الكثير جداً من الناس في الطريق من أجل أن لا نتضرر ومن أجل أن لا تطلق علينا النار. وفي البداية كان التوصيف هو الدخول إلى بيت، وكان يفترض بنا أن ندخل مع عربة مدرعة، بأن نقتحم البوابة السفلية، وأن نشرع بإطلاق النار داخل البيت، وبعدها ببساطة أن نصعد طابقاً وراء طابق و... أنا أسمي ذلك أن نقتل... تحديداً أن نصعد طابقاً وراء طابق وأن نطلق النار على كل شخص نلحظه.

«وقالت لنا جهات عليا إن هذا مسموح، لأن كل من بقي في القاطع وفي داخل مدينة غزة هو تحديداً مخرب، لأنهم لم يهربوا. وأنا فعلاً لم أفهم: إذ لم يكن لديهم مكان يهربون إليه من ناحية، ولكن من الناحية الأخرى يقولون لنا إنهم لم يهربوا، ولذلك فإن الذنب ذنبهم. وفي النهاية كان التوصيف هو دخول البيت، استخدام مكبرات للصوت، نقول لهم إن لديهم خمس دقائق للهرب، وكل من لا يخرج نقتله.

«جئت للجنود وقلت لهم، انصتوا، الأوامر تغيّرت. لديهم خمس دقائق للهرب، نفحص أن كل من يخرج لا يحمل سلاحاً، وبعدها نبدأ في دخول البيت طابقا بعد طابق وتطهيره، ونطلق النار في كل ما يتحرك، نلقي قنابل. وحينها جاءني جندي وقال لي: لماذا؟ سألته: ما الشيء غير الواضح؟ نحن لا نريد قتل مدنيين أبرياء. رد عليّ بأن كل من يتواجد هنا هو مخرب، وهذا معلوم. وانضم زملاؤه إليه قائلين: ينبغي لنا أن نقتل كل شخص يتواجد هناك».

«وأنا أحاول أن أشرح للشاب أنه ليس كل من يتواجد هناك مخرب. ثمانية مبانٍ مضروبة في خمس شقق في الطابق يعني أننا إذا قتلناهم جميعاً ينتج عن ذلك أنك تقتل 40ـ50 عائلة. ولكن الكلام غير مجد. وهنا كان الإحباط: أن تفهم أنه في داخل غزة مسموح لك أن تفعل ما تشاء...».

وقصة أفيف تصف، من الميدان إلى الأعلى، سياسة إطلاق النار الإسرائيلية في غزة. وأثناء «الرصاص المسكوب» زار أعضاء لجنة الخارجية والأمن مقر رئاسة الأركان في «هكرياه». وجرى شرح سياسة إطلاق النار لهم على النحو التالي: «بعد إطلاق نار ثقيلة نحو المنطقة التي ينوي الجيش الإسرائيلي دخولها وبعد أن توزع في المنطقة منشورات تحذيرية تدعو جميع السكان للهرب، فإن كل من يتبقى على الأرض يعتبر مقاتلاً من حماس أو «شخصاً يفهم جيداً الثمن». وحقيقة أنه لم يكن للكثيرين مكان يهربون إليه، وأن الخوف ألصقهم ببيوتهم، غابا تحت الرغبة المفهومة في حماية أرواح الجنود في منطقة مشبعة بالعبوات والأفخاخ. وعلى الأرض تمت ترجمة هذه الرؤية بجواز إطلاق النار بحرية، حتى في الحالات التي كان يمكن فيها بوضوح رؤية أن من تطلق النار نحوه لا يشكل خطراً على القوات.

نطلق النار

أفيف: «رأى أحد الضباط عندنا، وهو قائد سرية، إمرأة تمر في الطريق. كانت عجوزا، كبيرة في السن. وأنا لا أعلم إذا كانت مشبوهة أم لا، فأنا لا أعرف قصتها. ولكنه طلب من رجاله الصعود للسطح، وبالرصاص أسقطوها».

داني زامير: «لم أفهم. لماذا أطلق النار عليها؟».

أفيف: «لأن هذا هو الجميل، كما يبدو، في غزة. أنت ترى إنساناً يمر في الطريق. ليس بالضرورة أن يحمل سلاحاً، ولست مضطراً لتشخيصه مع جهة، ويمكنك ببساطة إطلاق النار عليه. عندنا كانت هذه إمرأة كبيرة في السن لم ألاحظ أنها تحمل سلاحاً. الأوامر كانت إسقاط ذلك الإنسان، تلك المرأة. وما أحسست به هو أن هذا كان ظمأ شديداً للدماء. لأننا لم نشتبك. وعلى الأقل في كتيبتنا كان عدد المرات التي اصطدمنا فيها بمخربين قليل جداً. لم نر مخرباً بأعيننا وأطلقنا النار عليه. كان هناك بحث شديد عن أي شخص يمكن أن يكون في الجوار، كي نقتله».

تسفي.. (جفعاتي): «أحد الجنود في فصيلنا لاحظ مخرباً وفتح النار نحوه فردّ ذلك بنيران قليلة غير دقيقة، فقط أخرج يده وأطلق النار. لم نعرف، هل أطلقوا علينا النار؟ ألم يطلقوا علينا النار؟ حسناً، أطلقوا علينا النار، هيا بنا نرد على النار. تساءلنا إذا كان أحد من قواتنا هناك، وحينها أطلق أحد الجنود من حولي النار، وشرع الجميع بإطلاق النار، فعلوا بحماس وتلذذ.

هناك صاروخ جديد نسبياً يسمى متادور، وافق الرجال على استخدامه قبل الدخول. «يللا، يللا، متادور!»

«وقع أربعة من جنود الكتيبة جرحى، ثلاثة منهم في فصيلي، وليس بينهم واحد أصيب بنيران معادية. كان أحدهم خلف المتادور فأصيب من شظاياه، وأحدهم تعثر سلاحه، فحاول إصلاحه وأفلح وحينها حاول فحص أنه يعمل فأصاب ساقه، والثالث نزل عن الدرج فالتوت قدمه».

رام (جفعاتي): «بدا لي هجومنا وكأنه مناورة. ندخل، نطلق النار، نفرغ مخازن بندقيتنا من دون التفكير مرتين، ولا أحد يرد علينا بإطلاق النار. وإذا كان هناك مخربون، فإنهم على ما يبدو فروا، وما تبقى هناك كان السكان، الذين أستطيع وصف مشاعرهم. فمع كمية نيران كالتي أطلقت على بيوتهم، كانت العائلات في الداخل، وفجأة تطلق النار على النوافذ، على الأسطح، فيدخلون إلى غرفة ويكون كل شيء ببساطة مثقوباً».

جلعاد (جفعاتي): «قبل أن ندخل، قال لنا قائد الكتيبة إن درساً بالغ الأهمية من لبنان هو أن يدخل الجيش مع الكثير من النار، لحماية أرواح الجنود. والمفاجأة كانت شدة النيران. ليس التوقيت، ليس السبيل، ليس الموضع، فقط شدة النيران. والواقع أن خسائر الجيش الإسرائيلي كانت طفيفة، ولكن الثمن كان أرواح الكثير من المدنيين الفلسطينيين.

في البيت الأول الذي دخلناه كانت عائلة. فجأة اكتشف أحدهم رزمة من منشورات الجهاد الإسلامي، وصوراً لصواريخ قسام رسمها طفل. فجأة رأيت قائد فصيلي ينزل إلى البيت ويجلب معه العائلة. في البداية فهمت أنه بسبب ما عثرنا عليه قرر إبعادهم من المكان. لكن تبين بعد ذلك أن لديه قراراً من الكتيبة، وربما من قيادة الجيش، أنه في البيوت التي نتواجد فيها، لا نبقي أحداً».

سؤال من الحضور: إذن أين يذهبون؟

جلعاد: «بالإجمال كل ما كان لديهم هو التوجه شمالاً إلى داخل المدينة، ولكن كل من تحرك خارج البيت كان عرضة للخطر، لأن اليد كانت رخوة على الزناد».

رام: «بعد أن دخلنا البيوت الأولى، كان هناك بيت بقيت فيه عائلة. دخلت حظيرتي، البيت دخولاً هادئاً نسبياً، لم نفتح النار، وفقط صرخنا على من في البيت أن ينزلوا ووضعناهم جميعاً في غرفة واحدة. وبعد ذلك دخلت إلى البيت حظيرة أخرى. وتم نصب موقع رشاش فوق السطح».

«بعد بضعة أيام من دخولنا البيت صدرت الأوامر بتحرير العائلات. حرر قائد الفصيل العائلة وقال لهم بأن يخرجوا ويتجهوا يميناً. كانت امرأة وولداها ولم يفهما الأمر فاتجها شمالاً. وقد نسوا إخبار الجندي على الرشاش الثقيل أن العائلات ستخرج، وأن هذا صحيح، وأن الأمر على ما يرام وبالتالي أن لا يطلق النار. أما هو... يمكن القول إنه عمل وفق الأصول، وبحسب ما ابلغوه من تعليمات...».

داني زامير: «توقف. لم أفهم!».

رام: «جندي الرشاش رأى امرأة والأطفال يقتربون منه متخطين الخطوط التي قالوا له إنه لا ينبغي لأحد الاقتراب منها، فأطلق النار عليهم مباشرة. أنا لا أعرف إذا كان أطلق النار على الساقين أو شيء من هذا القبيل، ولكن في كل الأحوال ما جرى هو أنه في نهاية المطاف أرداهم قتلى».

سؤال من الحضور: «على أي مسافة حدث هذا؟».

رام: «ما بين مئة إلى مئتي متر. تقدموا قليلا وفجأة رآهم أناساً يتحركون في منطقة محظور عليهم التحرك فيها. وأنا لا أعتقد أنه أحس بأنه يرتكب خطأ. من ناحيته قام بعمله وفق الأوامر المعطاة له. الأجواء كانت أن أرواح الفلسطينيين أقل أهمية بكثير جداً من أرواح جنودنا. هكذا برروا العمل».

حرب دينية

وثمة عنصر بارز يصفه الجنود وهو تدخل الجهات الدينية، قسم منها من الحاخامية العسكرية وقسم آخر غير رسمي، كانت تتحرك بحرية بين الجنود وتنشغل ببث الحوافز. وحقيقة أن دور المتدينين وطلاب المدارس الدينية في الوحدات المقاتلة تزايد جوهرياً في السنوات الأخيرة جعلت من هذا التواجد أمراً طبيعياً، كما أن الحافزية التي انشغلوا بها تختلف جوهرياً عن حافزية الجيش الإسرائيلي الرسمية.

رام: «ما أتذكره، على وجه الخصوص في البداية، هو الإحساس بشبه الرسالية الدينية. فالرمز عندي كان «باينيش» (من المدرسة الدينية العسكرية) وهو جمع كل الحظيرة قبل أن ندخل إلى صلاة الخارجين للحرب. وكان هناك حاخام اللواء الذي دخل هو الآخر بعد ذلك إلى غزة وصلى مع الجنود. وعلى طول كل العملية أرسلوا إلينا كتيبات، طناً من كتب الصلوات، وأعتقد أنه كان بوسعنا أن نملأ في البيت الذي مكثنا فيه أسبوعاً غرفة من كتب الصلوات التي أرسلوها لنا.

«كانت هناك فجوة هائلة بين ما أصدره سلاح التعليم، وبين ما أصدرته الحاخامية العسكرية. فقد أصدر سلاح التعليم كتيباً للقائد، شيء ما عن تاريخ القتال الإسرائيلي في غزة منذ العام 1948 حتى اليوم. أما الحاخامية العسكرية فأدخلت الكثير جداً من الكتيبات والمقالات مع رسالة واضحة: نحن شعب إسرائيل، وصلنا بمعجزة للبلاد، فقد أعادنا الله إليها، واليوم علينا أن نصارع من أجل طرد الغرباء الذين يعرقلون مهمتنا في احتلال الأرض المقدسة. وكان شعور الكثير جداً من الجنود، على طول تلك الحرب، أن هذه حرب دينية. وكقائد، حاولت أن أوضح لهم أن هذه ليست حرباً من أجل الله وإنما من أجل وقف إطلاق صواريخ القسام.

«لقد أخرجونا ليومين من أجل الانتعاش في بئر السبع. وقد أذهلني الفــارق بين مشاعر الجنود في غزة ومشاعر السكان في الخــارج. الناس كانت تأتي وتعانقنا وتقول: أنتم أبــطال، تواجهون بشجاعة. ما الذي فعلته؟ كنت أنام وأحرس ولم أر شيئاً وانتظرت حدوث أمر ما. وقد حدث لكتيبتنا اشتباك، جدي، لكنه ليس اشتباكاً خارج المألوف. وبعد ذلك عندما خرجنا من الحرب قرأت مقالة في مجلة «بمحانيه» العسكرية، بدت وكأنها قصص عن وحدة تسبيكا في حرب يوم الغفران: «فقائد السرية قال، من يرغب في الموت فليأت معي!».

بنيامين: «كل من جلس في غرفة القيادة الميدانية رأى بالضبط ما وصفه داني زامير بـ«تغيير تعريفات طهارة السلاح». ففي كل القواعد في غلاف غزة ثمة عتاد يميز بين نيراننا ونيرانهم. أنت ترى خروج المقذوف، وخلال نصف دقيقة ترى ثمانية خطوط خضراء، هي من عندنا، تضرب تلك النقطة. وببساطة فإن كل نقطة كانت تطلق منها علينا قذائف كانت ترصد في تلك الثانية وتقصف.

«مع انتهاء المعارك كان هناك تحديد لـ300 متر خط أحمر عن الجدار الفاصل: كل من يقترب 300 متر ومتر من السياج تبدأ معه إجراءات اعتقال مشبوه، وهي إجراءات مترفة ـ طلقة واحدة في الهواء، طلقة ثانية نحو الساقين، والطلقة الثالثة نحو ما يسمى الهواء في الرئتين. ما العمل، فالسكان في هذه المنطقة مزارعون على وجه الخصوص، وكل ما تبقى لهم بعد العملية هو ما بقي مزروعاً. وهكذا ترى أناسا في الستين أو السبعين من أعمارهم يحملون سلالاً من أجل جمع الخضار. يقولون لك على جهاز الاتصال: أنا ألاحظ على مسافة 250 متراً من السياج اثنين يسيران على اثنتين، يضعان شيئا، يرفعان شيئا ويضعانه. ومن يفكر للحظة يفهم أن هذا سل يوضع على الأرض، وتوضع به حبات بندورة، ويحمل السل ثانية، ولكنك ملزم بالقفز إلى المنطقة.

«في إحدى تلك المرات كنت أنا من قفز إلى المنطقة، سوية مع دوريتي والرشاش الثقيل. ولاحظنا أن هذا مزارع مسن في السبعين من عمره. رفع جندي الرشاش الفوهة، نظر وقال: أعلم أن هذا مزارع. قلت له هذا رائع. تبدأ إجراءات اعتقال مشبوه وفق التعليمات فتطلق طلقة في الهواء. ولكن العجوز يعيش في غزة منذ سبعين عاماً، وهو يعرف أن الطلقات تطلق عشرات المرات في اليوم، ولذلك فإن الأمر لا يؤثر فيه. لكنه يقف على مسافة 250 متراً من السياج. نظرنا أنا وجندي الرشاش أحدنا إلى الآخر، وببساطة فهمنا أن أياً منا لا يريد مواصلة العمل الآن. لا أحد منا يريد أن يحمل ضميره مقتل مزارع. ببساطة أبقيناه هناك، وكل من يظن أننا ألحقنا الضرر بأمن إسرائيل عليه أن يتحدث معي لاحقاً».

المهم أن يصيب

من الشهادات يتبين أنه رغم أن سياسة إطلاق النار تحدد من أعلى المستويات، إلا أن الفوارق كانت واضحة بين الوحدات. والأمر يستوي مع تقارير أخرى، بما في ذلك معطيات عن عدد الأسرى في القطاعات المختلفة: وعلى سبيل المثال فإنه في لواء المظليين بقيادة العميد هرتسي هليفي، كان الحرص أكبر على إطلاق النار بشكل انتقائي، ووفقا لذلك فإن عدد الأسرى الذين جمعهم اللواء كان أكبر تقريباً بعشرة أضعاف ممن تمّ أسرهم في قاطع لواء جولاني. كما أن التقيد بتعليمات الجيش بالمحافظة على أملاك الناس وعدم السماح بالتخريب المتعمد كان مختلفاً جداً بين الوحدات.

سؤال من الحضور: «كان الحديث كثيراً عن القنابل الفوسفورية، ما هو الصحيح؟

نداف (من مكتب الناطق بلسان الجيش): «كانت من المدفعية، وهذه القذائف تحديداً، وكما يبدو مسموحة».

سوسي (المظليين): «كان استخدام الفوسفور كبيراً. ولا أملك شخصياً قصة مع النار، ولكنها قصة مع الأخلاق. دخلت إلى بيت، ومعي كل الحظيرة، واكتشفنا أن هناك عائلة يفترض أن لا تكون هناك، فجمعنا أفراد العائلة داخل قبو، ووضعنا عليهم في كل وقت حارسين، وانتبها إلى أن لا تقوم العائلة بمشاكل. وبعد ذلك تبين أنهم نشطاء في حماس. في نهاية المطاف كان علينا إجبارهم على مغادرة البيت، ليس بسبب حوارات أو تعليمات، وإنما لأنه كان علينا أن نغادر البيت وكان يستحيل علينا إبقاء العائلة هناك.

«وبعد إخراج الرجال إلى المكان الذي أرسلوا إليه، بقي في البيت النساء والأطفال، أعطيناهم أعلاماً بيضاء وقلنا لهم أن يخرجوا باتجاه مدينة غزة. وعندما تقول لهم ذلك لا يمكنك الابتسام أو تقول لهم ذلك بجدية، فأنت تنظر إلى الأرض وتشعر فعلاً بالسوء مع نفسك، ولكنك تفهم أنه ليس ثمة خيار.

«وما أثار غضبي هو أننا في نهاية المطاف وبعد أن فهمنا أن هذه العائلة ليست بالضبط من أصدقائنا الطيبين، وأنهم يستحقون الطرد بالقوة، قال لي قائد الحظيرة إنه لحظة خروجنا من البيت علينا تنظيفه من الأوساخ، وأن نخرج كل قاذوراتنا ونجمعها في أكياس وأن نكنس الأرضية، نشطفها، ونطوي الأغطية التي استخدمناها، وأن نجمع الفرشات ونعيدها إلى الأسرة».

داني زامير: «ماذا يعني ذلك، أليست كل قوة إسرائيلية تترك بيتاً تفعل ذلك؟».

يوسي: «لا. فعلاً لا. في معظم البيوت تركت شعارات مكتوبة على الجدران وأشياء مشابهة. ولم يكن من واجبنا التركيز على طي الأغطية، فيما النار تطلق علينا».

حدث كل هذا الحوار قبل أكثر من شهر. داني زامير، المضطرب مما سمع، جمع الشهادات وتوجه لمكتب رئيس الأركان. وبعد مداولات تقرر جمعه مع قائد سلاح التعليم العميد إيلي شرايماستر. رد فعل المؤسسة العسكرية كان: «لا نعرف، لا نعترف، لم تطرح هذه الأمور في التحقيقات. وحقيقة أن حواراً واحداً، مع جمع عابر لأقوال مقاتلين قلائل نسبياً من وحدات مختلفة، أثار تجارب متشابهة جداً وإشكالية جداً، لم يغير من رد الفعل هذا.


معاريف 20ـ3ـ2009



 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026