شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2009-06-23
 

ماذا تخفي المنافسة على تمثيل المقاومة العراقية

عوني القلمجي

كلنا سمعنا عن قصيدة نزار قباني ،اصبح عندي الان بندقية، كدلالة على اندلاع المقاومة المسلحة في فلسطين المحتلة. اليوم نسمع كلاما اخر على ذات الوزن،اصبح عندنا الان ممثل ، ونقصد هنا تخويل الشيخ حارث الضاري من قبل جبهة الجهاد والتغيير وعدد من فصائل المقاومة العراقية لـ ، "التحدث باسمها والتفاوض عنها في الامور السياسية ذات الصلة بها او ينوب عنها في المحافل...".لكن الشيخ الضاري الذي قبل التوكيل ،بعد دراسة وتمحيص، لم يخبرنا عن اي شيء سيتحدث فيه لدى هذه المحافل؟ ومن هي هذه المحافل المبجلة ؟ هل هي عربية ام دولية؟ هل هي الامم المتحدة مثلا ؟ ام المقصود بها المحتل ذاته؟ ثم ما هي الامور السياسية ذات الصلة بهذا الجمع؟

دون تردد فان الامر ليس له علاقة بانهاء الاحتلال وتحرير العراق كاملا غير منقوص، فليس هناك من عراقي لم يكتو بنيران هذه المحافل سواء كانت عربية او دولية، فهي من شارك في احتلال العراق وشرعنته وعملت على تكريسه وقدمت خدماتها لانهاء المقاومة والقضاء عليها.اما اذا كان المقصود دولة الاحتلال، فان رئيسها الجديد باراك اوباما لم يصرح او يلمح بانه يسعى للتفاهم مع المقاومة او من المحسوبين عليها او من يدور في فلكها ، اللهم الا اذا كانت مستعدة لالقاء السلاح والدخول في العملية السياسية حالها حال جماعة عدنان الدليمي او من على شاكلته.حتى يعفوعنها كونها في نظره كما في نظر سلفه بوش ليست سوى مجموعات ارهابية خارجة على القانون وتستحق العقاب.

ما حدث يحكي قصة معروفة جرت فصولها في اكثر من ساحة من ساحات المقاومة في مختلف ارجاء المعمورة، فحين يخفت بريق الفعل العسكري وينخفض سقف المراهنة على تحقيق الانتصار ضد قوات الاحتلال يرتفع منسوب المراهنة على المساومات وعقد الصفقات مع المحتل، وخصوصا لجهة القوى التي دخلت في خضم الصراع بدافع مصالحها الذاتية أو الفئوية الضيقة،حدث ذلك بالنسبة لحركة لمقاومة الفلسطينية.فحين مسها الضعف والوهن غلبت اطراف منها الفعل السياسي على الفعل العسكري لينتهي بها المطاف الى توقيع اتفاقية اوسلو المذلة وما ترتب عليها من نتائج ماساوية على الرغم من تمسك الاطراف الاخرى بالمقاومة المسلحة.

المصيبة هنا ان هذا التوجه الخطير لم يقتصر على الشيخ الضاري وجماعة التخويل فهم في كل الاحوال جزء صغير من المقاومة وليست المقاومة كلها،وانما اصبح هذا التوجه ظاهرة تكاد تكون عامة اتسمت بها فترة تراجع المقاومة العراقية وعلى وجه التحديد مع نهايات عام 2007. وابرز مثال على ذلك تسابق العديد من القوى من هذا الجنس لحضور عدد من المؤتمرات مع حكومة الاحتلال في اسطنبول والبحر الميت وبيروت، وبعد مجيء باراك اوباما كرئيس جديد للولايات المتحدة انتعشت هذه الظاهرة الخطيرة تحت ذريعة المقاومة السياسية لتشمل هذه المرة عدد من الفصائل المسلحة، تمثلت في دعوة اوباما الوفاء بعهوده.مقابل الحفاظ على مصالحه في المنطقة بما فيها مصالحه الاستراتيجية!!!!.في حين لم يكن لهذه الظاهرة من وجود خلال عصر المقاومة الذهبي.

لكن المصيبة الاكبر نجدها في اغلب الفصائل المسلحة الاخرى او المنضوية في جبهات او تجمعات،فبدلا من بذل الجهود لتطويق هذه الظاهرة كونها خروج على ثوابت المقاومة ومشروع التحرير، وتحدث شرخا في معسكرها وتكرس حالة الفرقة والتشرذم القائمة وقد تؤدي في المستقبل الى صراعات ربما تنتهي الى الاقتتال، راحت تغوص في هذا المستنقع،فهي لم تعترض على التخويل ولا على الضاري نفسه ضمن هذا الاطار او تجد حلا لها ،وانما تركزت اعتراضاتها على رفض ان يكون الضاري منافسا لها ويزاحمها على قيادة المقاومة العراقية ويحرمها من الاستئثار بالسلطة بعد تحرير العراق.فواحدة منها لجات الى ضم فصائل اخرى الى قائمتها وروجت لعلو مكانتها ومن انها الاقوى والاجدر بتمثيل المقاومة والشعب العراقي ودخلت في حساب النسب المئوية لتاكيد ذلك لتصل الى 90%، والاخرى اعتبرت الضاري غير صالح لان يكون قائدا لانه عنيد ويحمل الضغينة على الناس وثالثة اعتبرت الضاري متجاوزا عليها.والقائمة بهذا الخصوص طويلة ومؤلمة حقا.

ان وضعا مزريا كهذا ينذر بالخطر على المدى القريب ويحول المقاومة الى مجموعات مسلحة لا يخرج فعلها عن ازعاج قوات المحتل او ارهاقها او استنزافها سرعان ما تنكفا جراء اختلال موازين القوى العسكري والسياسي والاعلامي وغيرها لصالحه، فتغليب الفعل السياسي على الفعل المسلح وفي ظل تراجع المقاومة بصرف النظر عن النوايا، يعني اعتراف بالعجز عن انهاء الاحتلال بالقوة ويؤدي بالنتيجة الى الاعتراف به كامر واقع. لا نعني هنا رفض الفعل السياسي ولا رفض ان يكون للمقاومة هيئة ممثلة عنها وتتحدث باسمها مع المحافل او غيرها من دول العالم او الهيئات الدولية بهدف شرح مشروعية المقاومة وحقها في تحرير بلدها، ليس هذا فحسب وانما يحق للمقاومة ومن يمثلها التفاوض مع المحتل اذا طلب بنفسه ذلك جراء عدم قدرة قواته على انهاء المقاومة. اما من يدعي بان المقاومة قد حققت كل ذلك وانجزت مهمتها وما على المقاومة الا الجلوس مع المحتل لهذا الغرض فان ذلك يعد ضربا من الاوهام والخيال يراد منه تبرير التخلي عن السلاح والقبول بما يجود به المحتل من مكارم شحيحة تلبي مصالح فئوية ضيقة على حساب مصالح الوطن.

القائد العسكري الصيني سون تزو قال قبل اكثر من الفي عام في كتابه الاستراتيجية العسكرية والذي تاثر به نابليون بونابارت والقادة العسكريين الالمان واخيرا القادة العسكريين الامريكيين في غزوهم للعراق، ان من يفوز في المعركة هو الذي يعمل حسابات كثيرة والذي يخسر في المعركة هو الذي لا يعمل مثل هذه الحسابات وان الطرف الذي يخسر المعركة هو الذي يقع في خطا ويستفيد العدو منه. ترى هل هناك خطا اكبر من الخطا الذي ترتكبه المقاومة العراقية،اذا اصرت فصائلها على خوض معركة من هذا العيار كل على هواه ؟ لقد كان بامكان المقاومة ان تفوز في هذه المعركة لو قامت بحسابات كثيرة تفضي الى انجاز وحدتها وخصوصا بين عامي 2004 و2008 ففي حينها فقدت قوات الاحتلال توازنها وانهارت معنوياتها ووجدت صعوبة في الدفاع عن نفسها حتى داخل قواعدها العسكرية الحصينة، تدمير قاعدة الصقر العملاقة جنوب بغداد وقاعدة الطارمية الشديدة التحصين قرب معسكر التاجي وعين الاسد في مدينة البغدادي بمحافظة الانبار وقاعدة البكر الجوية وقاعدة الموصل نموذجا، لكن غياب ذلك أفسح المجال لقوات الاحتلال ان تستريح وتستعيد قوتها وتنتقل من الدفاع الى الهجوم وتفرض التراجع على المقاومة لحد يومنا الحاضر على الرغم من تصاعد عملياتها العسكرية في الشهور الماضية.

هذه حقيقة يجب الاعتراف بها من اجل تجاوزها، خصوصا وان تراجع المقاومة،ولاي سبب كان، لا يعيب،فالمقاومة ليست جيشا نظاميا ولا هي تقاتل على جبهات ثابتة ولا خلف مواقع حصينة فاذا ما تم خرقها حلت الهزيمة بها، بل على العكس من ذلك، فان التراجع في اسوء الاحوال يمنح قيادة المقاومة فرصة لاعادة ترتيب اوراقها واجراء مزيد من الحسابات والوقوف على مواطن ضعفها وتطهير صفوفها من الدخلاء وتوفير المستلزمات والامكانات لخوض معارك مستقبلية وقد تتخذ صفة المعارك ذات الطابع النوعي او الاستراتيجي.

الصورة ليست سوداوية الى هذا الحد على الرغم من كل ما حدث، فالفرصة لم تزل قائمة لاصلاح ما افسده الدهر وامكانية عودة المقاومة لعصرها الذهبي امكانية قابلة للتحقيق،فالضربة التي لا تقتل تقوي ،كما يقال ،والمقاومة لم تزل على قيد الحياة وفي عز شبابها وصبر العراقيين طويل على المحن والويلات، فهناك على ارض الصراع ينهض جيلا جديدا تعده المعارك وساحات الوغى وقد ان الاوان لان تشرع قيادات المقاومة بنبذ الخلافات فيما بينها والتنافس على توحيد الجهود بدل التنافس على تمثيل المقاومة والتمسك بالثوابت الوطنية ومشروع التحرير بدل الركض وراء اكاذيب اوباما وحلفائه من عرب امريكا وفي مقدمتها السعودية ومصر والجامعة العريية وليست الكويت وقطر وحدهما كما يروج البعض، وتحريم اي علاقة مع هؤلاء تحت اي ذريعة كانت قبل الاعتراف الصريح والواضح بان المقاومة العراقية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب العراقي وان لها الحق وكل الحق في تحرير بلدها وناسها فكل القوانين والشرائع السماوية والدولية اقرت هذا الحق دون لبس او ابهام.

لقد شكل الصراع الدموي الدائر بين المقاومة وقوات الاحتلال حقائق جديدة على ارض الواقع. فالحكومة العراقية العميلة قد خرجت من اسرها في المنطقة الخضراء واستلمت المواقع التي اخلتها قوات الاحتلال في المدن والبلدات العراقية وليس من الحكمة السياسية تجاهل هذه الحقيقة واي تاخير في تعزيز قوة المقاومة وتوحيد فصائلها ،سيفسح المجال لهذه الحكومة وبدعم من الاحتلال ومن والاه، سيمكن هذه الحكومة او التي تليها من تحويل دولة الاحتلال من دولة مفبركة الى دولة قادرة على حماية نفسها والحفاظ على مصالح الامريكيين الاستراتيجية في العراق والمنطقة على الرغم من طابعها الطائفي والعنصري.هنا لابد ان يكون هم المقاومة الاول والاكبر تخلى الجميع عن اجنداتهم الخاصة والارتقاء بمسؤلياتهم الوطنية وتقديم التنازلات المتبادلة والالتفاف حول القواسم المشتركة التي تؤدي الى تحقيق الانتصار، خصوصا وان هدف التحرير واقامة النظام الوطني الديمقراطي التعددي لا يتعاكس مع برامج كل القوى والاحزاب المناهضة للاحتلال العلمانية منها والدينية، فمن غير المعقول ان نهمل هذا الجانب في حين يوحد معسكر الاحتلال صفوفه ويستعد لانهاء المقاومة بكل ما اوتي من قوة.

نعم يمكن ان تقاتل فصائل المقاومة بضراوة في ظل الفرقة لكنها في النهاية لن تحقق النصر المنشود جراء تفوق المحتل وكثرة عدد قواته.ان الوحدة تؤسس لنصر اكيد والفرقة تعني الهزيمة لا محال.

اللهم هل بلغت فاشهد.



 

جميع الحقوق محفوظة © 2026 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه