إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

جنبلاط «الوسطي» يخشى «أيار جديداً» تنتجه المحكمة الدولية

عباس ناصر-السفير

نسخة للطباعة 2009-08-14

في «برزخ سياسي» يعيش وليد جنبلاط. هي من المرات القليلة التي يجد نفسه بحاجة لأن يستقر في محطة انتقالية الى أمدٍ غير واضح، أمدٍ قد يطول على الرحلة نفسها. اعتاد أن يكون في الطليعة، طليعة كل شيء، حتى وان قاده الأمر الى استدعاء الأمل، وأحيانا الوهم، في مقارباته السياسية. اعتاد أن يكون متطرفا في كل شيء، في حبه وبغضه، في هجومه ودفاعه، في سلمه وفي حربه. اعتاد أن يكسر الرتابة، ويتمرد على القوالب، ويخرج عن الأطر، لا يستثني من ذلك أطر الحلفاء وقوالبهم ورتابتهم، حتى فرض معادلة أقرتها ألسن الحلفاء، «انها طريقة جنبلاط».

كل ذلك وفي ذهنه هاجس يحكم كل انفعالاته المتعارضة تلك، الطائفة. الطائفة التي يقودها وتقوده، في جدلية محكمة، تجعل منه حارسا أمينا لمصالحها، ويجعل منها «متراسا» متينا لحركته. لذا هو حاجة أينما حل، ومكسب مهما غلا «مهره». هكذا يقر الحلفاء والخصوم. ولهذا يسترضيه من يحاول الانفكاك عنهم ومنهم، حتى وإن أحرجهم أمام أنفسهم وناسهم، ويستحثه من يتجه صوبهم، حتى وان قالوا فيه ذات يوم إنه مثال «للغدر».

بديهي اذاً أن الرجل يرصد باستمرار مصلحة طائفته، قد يخطئ، لكن مكانتها ورفعتها هما الهدف دوماً. هو ثابت بهذا المعنى، وإن كثرت تحولاته. لكن ما الذي يدفع رئيس التقدمي الى الوقوف في الوسط هذه المرة. وسطية لا يحبها عادة، ولا تفتقده. صار يمتدحها كما لو كان بينه وبينها مودة خاصة. ما الذي يدفعه لكسر الاصطفافات وهو عرابها في لحظة ما، بل للحظات ممتدة.

لا شك في أن «البيك» يخشى التطرف هذه المرة، يخافه، كما لو أنه مقبل على مرحلة سيزداد فيها التطرف، تطرفا. آخر مرة خَبر «أبو تيمور» فيها التطرف عن قرب، كانت في أيار عام 2008. يومها قال الرجل «على السياسي أن يعرف كيف يربح، وعليه أن يعرف كيف يخسر». ومن وقتها مارس الزعيم الدرزي باحتراف بالغ لعبة إدارة الخسارة. طبعا فقد بلغ القلق على الطائفة أوجه.

نجحت الطائفة وقتها في امتحان المنعة، فهي اصطفت في وجه المحنة، صفا واحدا. إذ ثبُت أن الجميع، حتى بعض من هم من مناصري «المير طلال» قاتلوا ضد حلفائهم في المعارضة. لكن الطائفة لم تنجح في امتحان القوة. كانت المعادلة مختلة الى أبعد حد. وبدا أن رئيس الاشتراكيين عليه أن يقاتل عن الحلفاء، الذين أثبتت الوقائع أنهم أضعف بكثير مما تخيل هو، وهم. حتى أساطيل الأولين والآخرين لم تسعفهم. صَدَم سلاح «حزب الله» كل الخصوم. وفهم جنبلاط عن كثب أن القوة الواقعية التي يمكن أن تستمد وقتها من الطائفة، والطوائف الحليفة، ومن الخارج بشقيه العربي والغربي، لا يمكن أن ترقى الى حد تغيير المعادلة المختلة.

أجرى كما العادة مراجعة شاملة. مراجعة سريعة، دقيقة، حاسمة، خلصت الى حيث يخلص غالبا في الآونة الأخيرة، «نحن أخطأنا». وتحول مذاك الى «حمامة سلام». لكنه بقي حيث هو، يرى في حزب الله ما يرى، ويكنّ لسعد الحريري وللسعودية عواطف سياسية مشحونة بمصالح كادت تصير بنيوية بين الدروز والسنة. الى هذا الحد يبقى جنبلاط، جنبلاط 14 آذار. اذ لا ضير بأن يهادن، فهو غالى حيث لم يُطلب منه، ومهادنته تأتي في سياق إقليمي أكبر من الجميع. لكن الرجل القادر دوماً على «التقاط الإشارات عن بعد»، يخشى اليوم «أيارَ جديدا». «أيار» قد يكون أسوأ من مثيله العام الماضي. فمعلومات تتداول على أرفع مستوى تقول إن المحكمة الدولية ستقول بلغتها، ما قالته مطبوعة «دير شبيغل» الألمانية. أي أنها ستقول بشكل أو بآخر إن «حزب الله» على علاقة باغتيال الحريري.

إنها الفتنة الكبرى إذاً. فتنة مقبلة على لبنان يرى زعيم الدروز. فتنة مصحوبة بفتن أخرى قد تطل من هنا وهناك. فالقاهرة تحضر لقول كبير في ما يخص «خلية حزب الله» في مصر. وإسرائيل تهدد وتتوعد بل تطلب استبعاد حزب الله عن الحكومة. كل ذلك في وقت بُرِّئت دمشق من دم الحريري، بل إن الأميركيين يفتحون لها أبواب النعيم السياسي، كذلك يفعل السعوديون. واقع متداخل لا يوحي إلا بأن الاستمرار في سلوك الماضي يعني حكماً استعداء «حزب الله»، وتأييد الفتنة.

يصعب على جنبلاط إذاً، أن يقبل بأن يشتبك الدروز مرة اخرى مع الشيعة. فالاشتباك المقبل إن حصل سيكون له طابع وجودي، إذ إن الشيعة لا يمكن أن ينظروا الى اتهامهم باغتيال الحريري إلا من ضمن أجندة خارجية تستهدف وجودهم، بعدما عجز المدفع الإسرائيلي عن ذلك.

لقد انحرفت المحكمة عما بدأت عليه مع قوى الرابع عشر من آذار (والحديث هنا سياسي بحت، يبحث في التداعيات السياسية للمحكمة، ولا علاقة له بتكذيب ما تقوله هذه المحكمة أو تصديقه)، اذ لطالما قيل إن قتلة الحريري خارجيون، وقد أخذ على المعارضة تحالفها مع أولئك القتلة المفترضين. والقتلة المفترضون كانوا السوريين. أما أن يُتهم لبنانيون بقتل الحريري، فذلك سيأخذ لبنان الى المجهول.

هكذا تقول عينا جنبلاط الجاحظتان. قد تأخذنا المحكمة الى حيث لا نحب ولا نرضى. هو صادق عندما يقول لم ولن أتخلى عن سعد الحريري، فمصلحته معه لم تنتف، والأرجح أنها لن تنتفي في المدى المنظور. لكنه لا يريد، ولا يستطيع أصلا، أن يقاتل عنه هذه المرة إن أنزلت الفتنة اللبنانيين مرة أخرى الى الشارع. لذا حيَّد نفسه ليسهل عليه أن يكون وسيطاً نزيهاً بين الطرفين. إنه صمام أمان بهذا المعنى، أو هكذا يحاول أن يكون، أن يوحي، أن يُقبل. أخذ على نفسه توحيد المسلمين كي يجنب الدروز شر «أيار» وشر أي شهر أو يوم لا يكون بحسب التوقيت المحلي. لذا دعا الى «لقاء عرمون جديد» يجمع المسلمين، الذين يقودون اللعبة كاملة.

هذا لا يلغي أن موقف جنبلاط السلبي من الانعزالية والانعزاليين، أصيل ودفين. فالأمور لا يحكمها سبب واحد لدى الزعيم القلق دوماً.

على أن «البيك» كما العادة يلعب الدور حتى حده الأقصى. ما دام المصالحة ضرورية، وما دام الانفتاح على دمشق أمراً صار واجباً حتى على سعد الحريري، فلا بأس أن ينفتح هو حتى الحد الأقصى.

لقد كان التطرف المُحقق الأول لمصالح جنبلاط، وصارت الوسطية. وفي الحالتين يستفيد من الموقع حتى النهاية، يستنفده، يستهلكه، حتى يكاد يصير بلا معنى من دون زعيم المختارة. هو اليوم متطرف في وسطيته. هو نفسه، وليد جنبلاط.



 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026