شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2009-08-17
 

اللقاء المؤجل بين عون وجنبلاط هل يعقد في كنيسة وسط العاصمة؟

كلير شكر-السفير

لم يتردد رئيس «تكتل الإصلاح والتغيير» العماد ميشال عون في ردّ التحية على رسائل الود التي وجهها «قائد التمرد» في قوى الرابع عشر من آذار النائب وليد جنبلاط، بعد انقلابه على «تحالف الضرورة». كما لم يبد أي ممانعة في قلب الصفحات السود في تاريخ الفريقين، ليتيح المجال لفتح صفحة جديدة، علّها تكتب بحبر الوئام لا برصاص الخصام. وبدا واضحاً من مواقف «الجنرال» الأخيرة المثنية على «التمايز الجنبلاطي» و«القناعات المستجدة» والمسقطة «للشروط المسبقة»، أنه مستعد لاحتضان هذه «الاندفاعة بعكس التيار»، أسوة بغيره من الحلفاء، وفتح الأبواب أمامها، وإن كان الاستثمار السياسي لهذه الخطوة هو للمدى القريب، دون البعيد أو حتى المتوسط منه.

هي علاقة ملتبسة، لم تعرف الانسجام، وإن حصل أحياناً، فقد ظل على مستوى القواعد ولم يبلغ يوماً القيادات. ما يبعد بين «القائد العسكري» و«الزعيم التقليدي» الكثير من الاعتبارات والمصالح الفئوية، قد تفوق في حجمها تلك التي تقرّب بينهما، ورغم ذلك فقد التقت الأرضية في العديد من المحطات والفترات، وتمكنت من نسج علاقة مشتركة ولو بقيت ضمن إطار ضيّق.

تعود أولى الاتصالات بين الفريقين إلى زمن «النضال الطالبي» الذي شهد الكثير من اللقاءات المشتركة غير المنضبطة في برنامج منظم، أبطالها طلاب من الفريقين ومسؤوليهم، أبرزهم وائل أبو فاعور، زياد شيا، زياد عبس، انطوان نصر الله وغيرهم، وانتقلت فيما بعد إلى أيدي سامر بشعلاني، بشير حداد، ريان الأشقر وخضر غضبان. وقد حافظ هؤلاء على أفضل العلاقات الشخصية والاجتماعية بمعزل عن الظروف السياسية المحيطة بفريقيهما. ويوم انطلاقة «ثورة الأرز» شكل الطرفان «حلقة الوصل» بين مكونات «الثورة» لا سيما تلك «النازحة» من مواقع «متناقضة»، وقد اضطرا في بعض المرات إلى الوقوف على «خطوط الفصل» منعاً لاندلاع الاشتباكات بين الحلفاء المستجدين الوافدين من أقصى اليمين وأقصى اليسار.

حاول الفريقان الركون إلى ثمار هذه العلاقة لرفع شأنها التنسيقي إلى مستوى القيادة، فوضب جنبلاط حقيبته وحمّلها أفكاراً لمشروع تحالفي مع «الجنرال المنفي» الذي كان يشحذ سكينه الانتخابي ليثبت زعامته في الشارع المسيحي بعد مقاطعة لكل عهود «الطائف» وابتعاد عن دائرة السلطة. وفي السادس عشر من نيسان العام 2005، وعلى قرع طبول القرار 1559 كان جنبلاط في دارة العماد عون الباريسية، في لقاء يتيم هو الأول من نوعه منذ العام 1985، لم يدم أكثر من خمس عشرة دقيقة، كانت كفيلة لتقنع الرجلين بعدم وجود «كيمياء» بينهما، ما حال دون تطور العلاقة اليافعة، وتكفّل بوأدها في مهدها. كان من الصعوبة أن يقبل ابن المؤسسة العسكرية بسلطة «الزعيم»، كما كان من غير المستحب أن يشرّع «البيك» شراكة زعيم سياسي ذي امتداد حزبي في الجبل.

وفي السابع من أيار من العام نفسه، واثناء وجود العماد عون في الجو مستقلاً طائرة العودة إلى ربوع الوطن، على وقع هدير جمهور عريض كان بانتظاره، كان جنبلاط يطلق أولى صواريخ الأرض ـ جو، محذراً من «تسونامي» قادمة نحوه وتحركها العاصفة «العونية». بدا جلياً أن رئيس الحزب «التقدمي الاشتراكي» يطمح إلى موجودات صندوقة الأصوات «العونية» دون أن يتكبد عناء «ثمنها» بالسياسة، فيما عين الجنرال على كرسي الزعامة المسيحية على امتداد جغرافيتها. ولكن دائرة الالتقاء بدت ضيقة جداً، ومن يومها استحضر الفريقان ماضيهما الأليم، ليطغى على الحاضر ويطبع محطاته المتلاحقة العابقة أصلاً بالخلاف الاستراتيجي.

وعلى ضفاف الخلاف الاستراتيجي بينهما والذي كرسته وثيقة التفاهم التي صاغها «التيار الوطني الحر» مع «حزب الله»، كان التاريخ يقف شاهداً على أدائهما التباعدي: حروب الجبل التي ذكّر بها جنبلاط، خلال خطابه الانقلابي أمام الجمعية العمومية للحزب التقدمي الاشتراكي، لم تغادر قاموسيهما في التخاطب، فيما اللا انسجام الطاغي على شخصيتيهما في تركيبتهما، يقف على الضفة الأخرى، وحال اختلاف المصالح دون تواصل الفريقين. فكان الهجوم على الخطاب البرلماني الأول للجنرال العائد إلى التركيبة السلطوية من باب المجلس النيابي، من جانب أعضاء «اللقاء الديموقراطي» الذي ركب موجة «التحالف الرباعي» للحفاظ على حجمه النيابي. أما الرد من جهة الجنرال فكان حاضراً، حيث بادر للقول أن «جنبلاط ربح المعركة لكنه خسر بعده الاستراتيجي».

ورغم الخصومة التي استمرت لأكثر من أربع سنوات فقد ظل الجبل محمياً من أي اهتزازات على مستوى القواعد الشعبية بفعل اتفاق ضمني يقضي بتحييد المنطقة من أي اشتباكات قد تطال البقع الجغرافية الأخرى، وقد سرى مفعول هذا الاتفاق منذ اللقاء الذي قام به وفد «الحزب التقدمي» إلى الرابية في العام 2006، فيما ردّ وفد «التيار الوطني الحر» الزيارة إلى المختارة، في مسعى لإرساء الهدوء الأمني في مناطق التماس.

السير بعكس التيار الآذاري

استمر الوضع على ما هو عليه، إلى حين قرر جنبلاط السير بعكس التيار «الآذاري»، ما أتاح المجال أمام حصول اتصالات ولو خجولة بين شخصيات من المعسكرين، أو عبر أصدقاء مشتركين، ومنهم على سبيل المثال اللقاء الذي جمع الوزير وائل أبو فاعور بالنائب الان عون، أو الاتصالات التي قادها الدكتور نبيل الطويل، وقد أسفرت عن تهدئة الأجواء على الجبهة العونية ـ الجنبلاطية، وأفسحت المجال أمام تطرية المناخ المشترك.

وعلى هذا الأساس تكثفت الاتصالات على خط الرابية ـ المختارة عبر قنوات متعددة منها ما هو رسمي ومنها غير رسمي، وقد ساهمت في تكريس هدنة أولية على هذا المحور، تلاها تبادل للرسائل الإيجابية عبر الإعلام، تمهيداً لخطوات أكثر قرباً، والمقصود بها لقاء يجمع بين الزعيمين.

ويدرك الفريقان أن لقاء من هذ النوع يحتاج إلى ظروف مساعدة، تسمح بنقل الجمهور من اتجاه إلى آخر، وهذا ما قاله صراحة العماد عون بتأكيده أن «اللقاء مع جنبلاط يحتاج إلى مراحل كي ينضج»، لا سيما أنه جرى اسقاط فكرة صياغة ورقة تفاهم مشتركة بين الفريقين والتي كان يطالب بها «التيار الوطني الحر»، أولاً لرفض الطرف الثاني هذا الطرح، وثانياً لأدراك الطرف الأول أنه ما من ورقة تفاهم قادرة على محاصرة حركة جنبلاط المستقبلية. وهنا ينقل عن أحد المعنيين قوله ممازحاً في هذا السياق: «هل هو لقاء بين إمارة المختارة وإمارة الرابية؟ هو اجتماع يناقش التطورات والقضايا المشتركة، ثم لكل حادث حديث...».

ولهذا من الممكن أن يصار إلى استبدال هذه الصيغة ببدائل أخرى ذات دلالات سياسية، منها على سبيل المثال، عقد اللقاء الأول بين الرجلين في أحدى الكنائس، حيث يقترح البعض أن يصار إلى جمع عون وجنبلاط في احدى كنائس العاصمة، كموقع وسط بين الفريقين، على أن تكون الخطوة الثانية في الجبل.

ويبدو أيضاً أن الفريقين يبحثان عن «الصورة» التي تجمعهما، لأسباب مختلفة، أما الجوهر فمتروك لحينه. إذ أن جنبلاط يريد استبدال «شريكيه المسيحيين المفترضين» في الجبل، لينتقل بحيثيته إلى الموقع الوسطي، أقله في المدى القريب المنظور، ولا بدّ له من طرف مسيحي جديد، كي لا يُتهم بالتآمر على الشارع المسيحي، وهو الذي روّج أصلاً لطرح «اللقاء الإسلامي». أما العماد عون فيرفض أن يكون في دائرة منعزلة عما يحصل من حوله، ولا بدّ له من توسيع تلك البقعة دون أن يعني ذلك حتمية انضمام قوى جديدة إلى دائرة تحالفاته. غير أن اعتماد حلفائه سياسة الأبواب المفتوحة يحتم عليه الاقتداء بهذا النهج، وإلا ظلّ بعيداً عن هذا الحراك المستجد. ولما كان التمرد حاصلاً في صفوف الخصوم فلا مانع من «تشجيعه» طالما أنه لا يؤثر على متانة الأقلية النيابية، وإنما بالعكس فهو يثير الفتنة في صفوف الأكثرية النيابية.

التسلل «الجنبلاطي» في الميزان «العوني»

التسلل «الجنبلاطي» العلني إلى خطوط المعارضة يريح عون على المدى القريب لأنه يساهم في خلط أوراق الخصوم، ويضعف صفوفهم، لا سيما وأن هذا التسلل يحصل على حساب منافسيه المسيحيين. أما على المدى المتوسط، فإن جنبلاط يسعى إلى احتلال الموقع الوسطي أو «بيضة القبان»، الذي لطالما نادى به المسيحيون وطالبوا قياداتهم بالالتزام به، لأنه يدفع الآخرين لكي يعرفوا مكانتهم «فيتدللون». ولكن على المدى البعيد تثير حركة جنبلاط «نقزة» في ذهن العماد عون لا سيما إذا كان جدياً بالوقوف خلف الرئاسة الأولى وهو ما يعني عملياً السعي لتقويتها، بوجه «زعامة الرابية» وموقعها في الشارع المسيحي.

ورغم أن كل المؤشرات تدل على أن التواصل «العوني ـ الجنبلاطي» قطع شوطاً مهماً في مسار ترتيب بدايات هذه العلاقة، إلا أن الأجواء لا توحي أن اللقاء بين الرجلين بات قريباً، أقله قد لا يسبق خطوة تأليف الحكومة الجديدة، أو يفترض أن يحصل بعد التخفيف من الاندفاعة الجنبلاطية تجاه الخصوم، والتي أثارت اعتراض حلفائه ونقمتهم. كما أن «المواصفات» التي يبتغيها العماد عون للقاء من شأنها أن تطيل المهلة الزمنية التحضيرية لانعقاده.

ولأنه كان لا بدّ من بديل عن وثيقة التفاهم يبدو أن العماد عون سيطالب بالتعويض من خلال إعادة تحريك ملف المهجرين وتحديداً مسألة المصالحات غير المنجزة، والمقصود بها منطقة الشحار الغربي وبلدة بريح. وستتيح هذه الخطوة أمام رئيس الحزب «الديموقراطي اللبناني» طلال ارسلان لعب دور محوري في العلاقة العونية ـ الجنبلاطية نظراً لارتباطه بملف الشحار الغربي من خلال مناصرين له، على أن تشكل المصالحات في حال انجازها في المدى القريب «هدية» المصالحة الكبرى بين «التيار الوطني الحر» والحزب «التقدمي الاشتراكي»، وإن كان هناك من يعتقد أن الزعيم الدرزي لا يبدي حماسة لتسريع وتيرة هذا الملف أسوة بأدائه في ملف المصالحة بين المناطق الدرزية والشيعية، انطلاقاً من قناعته أن الناخب المسيحي يصوت بالسياسة بغض النظر عمن كان السبب وراء تهجيره.



 

جميع الحقوق محفوظة © 2026 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه