لم يكن موضوع تشكيل الحكومة اللبنانية، لا قبل «التكليف الأول» ولا بعد «التكليف الثاني»، موضوعاً داخلياً لبنانياً، بدليل ما رافق «الأول» من اندفاعة سعودية تجاه دمشق، وما يرافق «الثاني» من مشاورات واتصالات سواء في نيويورك، على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، أم في جدة، على هامش افتتاح جامعة الملك عبدالله.
وبين هذا «الهامش» وذاك، شكّلت المشاورات التركية السورية الأخيرة، في أنقرة، مناسبة لطرح الموضوع اللبناني، وقال مراسل «السفير» في أنقرة نقلاً عن مصادر دبلوماسية عربية بارزة، إن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، طرح على الرئيس السوري بشار الأسد فكرة المشاركة في افتتاح جامعة الملك عبدالله، وأن يتخللها عقد قمة مصغرة سعودية ـ سورية ـ تركية ـ لبنانية، ينضمّ إليها آخرون، من ممثلي الدول أو الشخصيات، وأبرزهم رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري.
وأضافت المصادر أن الفكرة التركية لم تنجح لأسباب متعددة، أبرزها قناعة الجانب السوري بأن القيادة السورية لبّت أكثر من مرة الدعوات السعودية، وأنه كان ينتظر أن يقوم العاهل السعودي بزيارة دمشق، لكن هذه الزيارة ربطت بمسار تأليف الحكومة في لبنان، علماً أن الرياض والعديد من العواصم كانت تدرك أن دمشق لم تتدخل لا في مسار الانتخابات النيابية وعملية تأليف اللوائح ولا في مسار ولادة الحكومة اللبنانية، وكان موقفها في البداية واضحاً بأنها تضع كل إمكاناتها في سبيل تسريع عملية ولادة الحكومة.
وأشارت المصادر إلى أن الجانب السوري أبدى حرصه على عدم العودة إلى الوراء في مسار العلاقات السورية السعودية، وفي الوقت نفسه، أكد أن أبوابه مفتوحة أمام أية شخصية لبنانية تريد زيارة دمشق.
وفيما رفضت مصادر سورية أو لبنانية التعليق على «الأفكار» التركية، لوحظ أن بعض الأوساط القريبة جداً من الحريري، وعشية الاعتذار، كانت على ثقة عالية جداً، بأنه على هامش افتتاح جامعة الملك عبدالله في جدة، سيعقد اجتماع لبناني سعودي سوري، «يقدر له أن يعطي دينامية جديدة للعلاقات السعودية السورية، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على مسار تأليف الحكومة وتذليل العقد التي تعترض طريقها، خاصة من جهة فريق المعارضة».
كما أن رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان كان قد أعرب منذ عشرة أيام عن رغبته بالمشاركة في افتتاح جامعة الملك عبدالله، ثم عدّل موقفه في الأيام الأخيرة، وقرر التوجه من بيروت إلى نيويورك متجاوزاً محطة الرياض، التي كانت قبل فترة موضوعة في الحسبان.
في هذه الأثناء، لوحظ أن فريق المعارضة، خاصة العماد ميشال عون، قرر اعتماد استراتيجية جديدة، في مواجهة اعلان فريق الأكثرية المتكرر أنه سيخوض في موضوع التأليف الثاني وفق قواعد ومعايير جديدة.
وقال رئيس «تكتل التغيير والاصلاح» العماد ميشال عون لـ«السفير» إن مسؤولية الرئيس المكلف بالدرجة الاولى ان يعثر على مخرج من الازمة وان يقدم تصوراً لكيفية الخروج من النفق، «فهو الرئيس المكلف وليس أنا»، موضحا انه سينتظر الى حين الاطلاع على نمط مقاربته للامور في أعقاب التكليف الثاني، «وبعد ذلك سأُدلي بدلوي».
وأشار عون الى انه لا يستطيع أن يعرف ما هي النوايا الحقيقية للحريري وكيف سيتعامل مع ملف تشكيل الحكومة، لافتا الانتباه الى ان هناك آراء كثيرة نسمعها حول سقوط صيغة 15-10-5 والتخلي عن مبدأ حكومة الوحدة الوطنية وغيرها، بحيث بات كل واحد يغني على ليلاه، ولذلك المطلوب من صاحب العلاقة أي سعد الحريري ان يتكلم ويحدد كيف سيتصرف، لنحدد بدورنا كيف سنتعاطى معه.
وعما إذا كان يعتقد بان الظروف الإقليمية والدولية أصبحت مؤاتية لتأليف الحكومة، اعتبر عون ان كل المعطيات تشير الى تأزم إقليمي في اتجاهات متعددة، ما يضاعف
الحاجة الى تشكيل حكومة وحدة وطنية، تكون بمثابة صمام امان لتحصين الجبهة الداخلية.
ورأى عون أن حكومة التكنوقراط «لا تملك المقومات الكافية لمواجهة الاستحقاقات الداخلية والخارجية بالجهوزية والفعالية المطلوبتين، في حين ان حكومة الوحدة، الواسعة التمثيل، تؤمن تغطية أكبر للقضايا الوطنية وتتيح لأي قرار ان يتمتع بمزيد من الفعالية والقوة، حتى لو استغرق اتخاذه بعض الوقت».
وكشف عون ان رئيس الجمهورية ميشال سليمان هو الذي عرض عليه خلال لقاء بعبدا مع الرئيس المكلف سعد الحريري تأليف حكومة أقطاب، موضحاً أن موقفه من أي صيغة، سلباً أم إيجاباً، يرتبط بمعايير التأليف وقواعده، «والثابت لديّ أنني أدعم كل ما يوصل الى حل وليس إلى أزمة إضافية».
وبالتزامن مع استمرار إجازة الحريري في المملكة العربية السعودية، أعلن في بيروت، أمس، عن مواعيد الاستشارات النيابية التي سيُجريها الرئيس المكلف، من الغد وحتى الثلاثاء المقبل، ما عدا يوم الاحد، وهي أطول مهلة للاستشارات النيابية حتى الآن، وخصصت فيها ساعة لكل كتلة ونصف ساعة للنائب المنفرد.
وعشية هذه المشاورات، بدا أن رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس «اللقاء الديموقراطي» النائب وليد جنبلاط، يحاولان خلق مناخات ايجابية تسهيلا للتأليف الثاني، مع ادراكهما المسبق بوجود عوامل خارجية مؤثرة جداً في مسار ولادة الحكومة الجديدة.
وفي هذا الاطار، استقبل جنبلاط، في كليمنصو، أمس، وفداً من حركة «أمل» ترأسه المعاون السياسي للرئيس بري، النائب علي حسن خليل، وتخلله طرح بعض الأفكار، التي يمكن أن تؤدي الى كسر الحلقة المفرغة في الموضوع الحكومي.
وقال جنبلاط لـ«السفير» انه بعد انجاز الاستشارات المقبلة في مجلس النواب، «سأحاول مع الرئيس بري ومع آخرين اذا وجدوا، العثور على صيغة ما للخروج من المأزق الحالي»، مشدداً على أهمية تشكيل حكومة وحدة وطنية على اساس صيغة 15+10+5، وأوضح أن لديه بعض الأفكار ولكنه سيطرحها على الرئيس المكلف في الوقت المناسب وليس الآن.
وردا على سؤال قال جنبلاط لـ«السفير» ان الموضوع الحكومي لم يعد موضوعاً داخلياً ومن يعتقد ذلك يكون مخطئاً، لافتاً الانتباه، الى أن استخدام بعض الذرائع الداخلية لتبرير المطالبة ببعض المناصب ليس منطقياً.
واشار جنبلاط الى أن اجتماع أوباما ـ نتنياهو ـ أبو مازن، كان شكلياً وللصورة فقط، «ومن الواضح أن اسرائيل هي الأقوى وقد نجحت في منع تجميد وتوسيع الاستيطان، ما يعني أن المبادرة الأميركية قد وصلت الى أفق مسدود».
اضاف جنبلاط: «الخشية كل الخشية، وسط هذه المعطيات، هي من احتمال استخدام الساحة اللبنانية من قبل اسرائيل كعنصر توتير، ما يفسح في المجال مجدداً أمام احتمال شن اسرائيل حرباً عسكرية جديدة ضد لبنان، وفي هذه الحال وحده التسريع بولادة حكومة الوحدة الوطنية هو الكفيل بحماية البلد والمقاومة و«حزب الله».
بدوره، أكد النائب علي حسن خليل على أهمية العلاقة التاريخية بين «أمل» والحزب الاشتراكي، وشدّد على الابتعاد عن كل ما يوتر الأجواء، وقال «أكدنا لوليد بك أننا ندعم مهمة الرئيس المكلّف، وسوف نسهّل قدر الإمكان، ونحن منفتحون على حوار جدّي ونعرف المخاطر والوضع الاقتصادي والمعيشي».
وردًا على سؤال لـ«السفير»، قال خليل إنه تم خلال الاجتماع تشكيل لجنة برلمانية مشتركة من «كتلة التحرير والتنمية» و«اللقاء الديموقراطي» سوف تعمل على وضع ورقة عمل مشتركة في العناوين الاقتصادية والمالية والمعيشية والنقابية، وذلك في اتجاه تعزيز العلاقة الثنائية، «وصولاً إلى محاولة كسر الاصطفافات القائمة على اساس الانحياز لمصالح الناس».
|