إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

بعثيون وشيوعيون لا يَتعظون..

د. وسام جواد

نسخة للطباعة 2009-09-25

الارشيف

حين يُستعان بالعنف لحسم الخلافات الأسرية, فذلك لا يعني نجاح القوة في حسمها, بل الفشل في اقناع أقرب الناس لحل الخلافات بالحوار البناء . واذا لجأت الأحزاب السياسية بعد استلامها السلطة عن طريق الانقلابات أو الانتخابات الصورية, الى ممارسة العنف وسياسة الإلغاء مع معارضيها, فذلك مؤشر على أصابة قياداتها بأمراض نفسية مزمنة, تؤثر سلبا على قدراتها الذهنية, وتدفعها الى ارتكاب الأخطاء والحماقات والجرائم, وتتسبب في تدهور أحوال قواعدها الثقافية والسياسية الى حد يجعلها عرضة للإصابة بأمراض الجمود العقائدي, ونقص المناعة الفكرية, نتيجة إختراق فيروس الغباء السياسي لها .

معلوم ان للحزب الشيوعي العراقي صفحات مجيدة في النضال ضد الاستعمار البريطاني والحكومات العميلة, وأدوار مشرفة في الإعداد والمساهمة في ثورة 14 تموز المجيدة, لا ينكرها أو يقلل من شأنها المنصفون. وقد ظل الحزب الشيوعي محتفظا بموقعه كقوة مؤثرة في الساحة السياسية منذ تأسيسه في 31 آذار 1934 وحتى منتصف سبيعينات القرن الماضي,على الرغم من استهدافه من قبل أجهزة القمع البوليسية للنظام الملكي, وتلقيه الضربات القوية بعد انقلاب 8 شباط, وتعرضة للانشقاق الخطير في أيلول 1967 . وقد وفر انقلاب 17 تموز 1968 الظروف الملائمة لانتشارعدوى العداء للحزب الشيوعي العراقي عن طريق بعض المصابين بجرثومتها, وإن حالت أجواء اتفاقية 11 آذار, والتوقيع على ميثاق الجبهة الوطنية, دون تفشي هذه العدوى حتى عام 1978, حين أصدر النظام في ذلك العام, حكما بالإعدام, أيده صدام, ضد نخبة من الكوادر الشيوعية, توترت على إثره العلاقة بين حزب البعث والحزب الشيوعي, مما اضطر العديد من قادة وأعضاء وأصدقاء الحزب الشيوعي الى مغادرة العراق, صونا لكرامتهم وحفاظا على أرواحم .

لا أحد من عقلاء الدنيا سيجد سببا منطقيا واحدا, يبرر سياسة العنف,التي اتبعها حزب البعث مع القوى الوطنية بعد انقلاب 8 شباط 1963 و17 تموز 1968 وحتى سقوطه في 2003 عدا سبب بحث القوى الامبريالية-الصهيونية عن سبل تمرير مؤامرة تستهدف العراق وشعبه من خلال افتعال الفتن وتعميق الخلافات بين القوى الوطنية, والاستعانة بقوى داخلية, تسهل لها تحقيق أهدافها ( عن جهل أو دراية ). وقد كان حزب البعث من بين المرشحين لهذه المهمة,مع بعض العسكريين,الذين تعاونوا معه في انقلاب شباط 1963, بعد فشل مؤامرة الشواف في الموصل ومحاولة اغتيال الزعيم عبدالكريم قاسم في 1959 .

لم يجن النظام من ممارسة العنف وقسوة التعامل مع الأحزاب والشخصيات الوطنية السياسية والدينية المعروفة (بما فيها البعثية), وحروبه المدمرة في الخارج, سوى الكراهية والعداء, ورغبة التخلص منه. وكان من البديهي ان يتعاظم الغضب وتتحول الكراهية الى حقد في نفوس ذوي الضحايا الأبرياء, والمتضررين من ظلم وتعسف وهمجية اولئك الذين استهتروا بحياة الآلاف من أبناء الشعب العراقي . وقد أدت تصفيات العناصر البعثية المؤمنة بالوحدة الوطنية, والتنافس المصحوب بالعنف من قبل النظام مع القوى الوطنية الى ارتكاب أخطاء فادحة, لم يعلم النظام بأنها ستقوده لاحقا الى نهايه مأساوية, أعَدّت وخَططت لها الامبريالية والصهيونية العالمية لاضعاف العراق, وتوفير الأجواء لاختلاق مبررات شن العدوان عليه واحتلالة, بمعاونة خونة الوطن والشعب.

أخطاء بعث ما بعد الاحتلال

يبدو ان الكارثة,التي حلت بالعراق وحجم الخسائر البشرية والمادية, قبل وبعد الاحتلال لم تكن كافية لإقناع البعض بضرورة التوقف عن التعامل بفوقية وعنجهية,لا مع خصومهم السياسيين فقط, وإنما مع رفاقهم أيضا. ولا يقل الضرر,الذي يلحقه هؤلاء بحزب البعث عن ضررهم في تقطيع أوتاد خيمة الوحدة الوطنية بخناجر حقدهم السياسي ونفسهم الطائفي,الذي تكشف عنه كتاباتهم الهزيلة وافكارهم العليلة .

قلة الأدب في أدب المخاطبة :

" أساليب الرعاع وأبناء الشوارع ", " صبي يركض بالشوارع ومخاطه يتدلى من أنفه ", " هذا الكلب راح أعرف كيف اقطع لسانه وأأدبه..."

لم تُسمع هذه العبارات أثناء مشادة كلامية بين شلايتية زقاق أو زعران حي شعبي , بل وردت في ندوة لإحدى القنوات الفضائية على لسان سفير ورئيس تحرير صحيفة حكومية بعثية سابقا, و"قائد" فصيل مقاوم للأحتلال الأمريكي من اليمن حاليا, وصفه الطرف الآخر في الندوة بـ المهتلف والنكرة وحثالة حزب البعث..!

واذا افترضنا ان السفير, ورئيس التحرير, والمقاوم القدير, قد انضم الى حزب البعث منذ منتصف القرن الماضي وفقا لما قاله, وأن عمره كان آنذاك 18, فهذا يعني انه شارف على نهاية العقد الثامن . ولو فسر كلامه بأنه "زلة لسان", فلا الدبلوماسية, ولا رئاسة التحرير ولا ما بلغه من عتي العمر ستغفر له ذلك. وإن اعتُبر الخروج عن أدب المخاطبة أمرا عاديا في لغة التخاطب بين الرفاق, فالعزاء والرثاء لحِزبٍ , كوادره بهذا المستوى من الأدب والثقافة.

على ان ما يطلقه هذا "المقاوم", لا من الجبهة وخنادقها, ولعلعة رصاص بنادقها, بل من اليمن وفنادقها, من فارغ الشعارات, وما يكتبه من مقالات, ويدونه من ملاحظات, عن المقاومة والثورات, تثبت جهله بالنظريات, وهزيمته في التطبيقات, وذلك لعدة اعتبارات, تؤكدها حقائق دامغات, بأن زمن العنتريات, واطلاق التهديدات,على كل الجبهات, وفي كل الاتجاهات, قد مر وفات, وما فات قد مات. لذا,عليه مراجعة الحسابات, وتجنب الانفعالات, وتجاوز الخلافات, لتحشيد الطاقات,في محاربة قوات,وحفنة عصابات, تسترت بالعمامات, وبعضها بالشروالات, تعاونت مع حاخامات, في حبك المؤامرات,على بلد الحضارات .

المبالغة المقيتة في تعظيم الفرد :

كتب د.أحمد الأسدي في مقال "البعث السلطوي والاشكالية الالغائية" :

" أما كان الاجدر بهم, بدلا من التشبث بصنمية ابو الهول وعقلية ابو لهب واللات والعزى, ان يعيدوا تقييم انفسهم ,وفق ما تمليه مصلحة الوطن, ان كانوا فعلا يحملون ذره واحده, من معايير الوطنيه كما يدعون, وبصورة طوعيه, حتى يثبتوا على الاقل, انهم مُخيريين غير مُسيريين ,ويتخلوا عن طرهات شيخ المجاهدين وامير المؤمنين, والمتوكل والمنتصر بالله, وحفظه الله ورعاه, وظل الله على الارض, والمجاهد المؤمن والقائد الاعلى لجبهات التحرير, والامين والمأمون, والمهيب الركن وفارس جيوش المسلمين, وسيد الغر الميامين والمظفر الصنديد, وما اليه من الخزعبلات والطرهات الفارغه".

يعجب المرء من قدرة التملق والنفاق الرخيص, حين تعطى مثل هذه الألقاب الرفيعة, لا للخليفة ابو بكر الصديق لانتصاراته في حروب الردة, ولا لعمر ابن الخطاب لدوره في الفتوحات الخالدة, ولا لعثمان ابنعفان لتدوين أيات القرأن الكريم, ولا لعلي ابن ابي طالب, لحروبه المشهودة في نشر الدعوة وضد الفتن, وإنما لمن سلم القاطع الشمالي أثناء العدوان الآثم على العراق دون اطلاق رصاصة واحدة . فأين العقلاء من هؤلاء الجهلة, وأين المبصرون من هؤلاء العميان, وأين التقدميون من هؤلاء الرجعيين..؟. لا شماتة بحزب البعث, وانما دعوة ملحة, تمليها المرحلة للتواضع ووضع حد لمثل هذه المبالغات المقيتة في تعظيم من لا يستحق .

الإصرار على الخطأ :

اذا كان الاعتراف بالخطأ فضيلة, فإن أكثر ما يحتاج اليه البعث في هذا الظرف العصيب هو فضيلة الاعتراف والاعتذار عن أخطاء الماضي, بعد أكثر من أربعة عقود من صراعه العقيم مع القوى الوطنية, ولن يصب ذلك في صالحه فقط, وإنما سيساعد على بناء جسور الثقة والعلاقات الطبيعية بين القوى الوطنية, بعد أن حصدت مناجل الموت خيرة أبناء الشعب العراقي في حقول الخلافات السياسية .

أخطاء قيادة الحزب الشيوعي العراقي بعد الاحتلال

عُرف عن الأحزاب الشيوعية نضالها البطولي ضد قوات الاحتلال الألماني النازي والايطالي الفاشي في أوروبا, وأدوارها المميزة في العديد من حركات التحرر في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا. أما في العراق, فقد خلد التاريخ ما قاله سكرتير الحزب الشيوعي يوسف سلمان فهد لحظة إعدامة "الشيوعية أقوى من الموت وأعلى من أعواد المشانق, وأثبت استشهاد سكرتير الحزب سلام عادل ورفاقه بعد انقلاب 8 شباط 1963 بأن الشيوعية أقوى من أساليب التعذيب الفاشية أيضا.

شتان بين القيادات السابقة للحزب الشيوعي والقيادة الحالية, حيث الفرق سيظل كبعد الثرى عن الثريا. فبقدر ما ناضل الشيوعيون العراقيون ضد الاستعمار وعملائه, وخلدوا صفحات مجيدة, سجلت سطورها دماء الشهداء, الذين ضحوا من أجل حرية الوطن وسعادة الشعب, نجد ان القيادة الحالية قد تحالفت مع الاحتلال الأمريكي وأعوانه, مبررة هذا التحالف بعدم إمكانية التخلص من النظام الدكتاتوري دون مساعدة قوى العدوان الامبريالية والرجعية.

ان أقبح وأفدح خطأ ارتكب في تاريخ الأحزاب الشيوعية العالمية هو ما اقدمت عليه قيادة كرباتشوف للحزب الشيوعي السوفييتي وقيادة حميد مجيد للحزب الشيوعي العراقي . فقد حقق الأول وخلفه المعتوه يلتسن أحلام الامبريالية والصهيونية بتدميرالاتحاد السوفييتي, بينما تعاون الثاني بطريقة ميكافيلية مع الاحتلال وأعوانه لنيل مكاسب, ستكشف الأيام لمن لم يتعظ بعد, فداحة خطأ السعي لتحقيقها .

الخلاصــــة :

لم يذق الشعب العراقي طعم العيش بسلام منذ عقود, بسبب الخلافات والصراعات الداخلية, التي حرضت عليها, وحرصت على إدامتها قوى خارجية . وها هي سَبعٌ توهمها العراقيون سبعين من القتل والدمار والتشريد دون ان تستوعب بعض العقول الدينية المتخلفة, والبعثية المتعجرفة, والشيوعية المتفلسفة, والكردية المتزلفة, واجبها الوطني في تجاوز خلافاتها للتخلص من الاحتلال ومرتزقته وأعوانه.

قال غاندي: إن أصلب عود يجب أن يذوب في نار المحبة, واذا لم يذب, فذلك لأن النار غير كافية القوة . فهل ستذوب خلافاتكم وأحقادكم في نار محبة العراق وشعبه أيها السياسيون..؟

هل أنتم مستعدون؟ أم أنكم لا تتعظون, وفي مارافون العداء باقون..؟

عسى الا يظل شعبنا يشكو الى الله عجره وبجره الى يوم يبعثون.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017