شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2009-10-14
 

المقاومة العراقية ومدى قدرتها على مواجهة التحديات المقبلة

عوني القلمجي

يشهد الصراع الدائر بين المقاومة العراقية وقوات الاحتلال تطورات هامة وخطيرة، منذ انسحاب القوات الامريكية المحتلة من المدن العراقية. كان اهمها توسيع دائرة الفعل السياسي على حساب الفعل العسكري لاغراض متعددة. وقد وصف باراك اوباما "بما يشبه النكتة السمجة" هذا الفعل بانه يرمي الى تأهيل العراقيين لاستلام ادارة شؤون بلادهم، بعد الانسحاب النهائي من العراق في غضون اقل من سنتين، او كما قال ساترك العراق لأهله، فليس لي اطماع، لا في العراق، ولا في ثرواته.!!!! وكأن العراق كان بيد الهنود واستعاده اوباما ليرد الامانة الى اهلها.

مهما دار اوباما وراوغ، ومهما غير وابتكر من وسائل واساليب الصراع ،، فانه لن يتمكن من تغطية الشمس بالغربال. فالبلاد كانت تحكم في الاصل من قبل اهلها، بصرف النظر اذا كان كبير القوم دكتاتورا ام ديمقراطيا. هذا شأن عراقي بحت لا دخل فيه، لا لاوباما ولا لغيره. في حين ان بقاء 50 الف جندي امريكي ، واضعاف هذا العدد للشركات الامنية واكثر من 45 قاعدة عسكرية، ، وفي ظل حكومة عميلة واتفاقيات امنية واقتصادية ونفطية ، وكلها طويلة الامد، ودستور دائم قسم البلاد والعباد، ليس سوى تكريسا للاحتلال البغيض ولعقود طويلة من الزمن. ثم ماذا بقى "للاهل" ليحكموا به بلادهم غير سخام الوجه؟.

عنوان هذا الفعل السياسي، مطلوب القاء القبض على المقاومة العراقية حية او ميتة، والجندرمة المكلفة بهذه المهمة، لا المارينز ولا شركة بلاك ووتر فحسب ، وانما العملية السياسية، بما تشتمل عليه من دستور وانتخابات، وحكومة ومؤسسات مختلفة، وكل عن المعنى الصحيح محرف، كما قال شاعرنا الكبير معروف الرصافي.هذه حقيقة لا ياتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، ولا يجوز للجهة المعنية، اي المقاومة العراقية، انكارها او الاستهانة بها، وانما ينبغي مواجهتها ورسم سياساتها والية عملها وتوفير المستلزمات الضرورية، لابطال مفعولها. فالفعل السياسي يكون ، احيانا، اشد وقعا من الطائرة والدبابة والمدفع.

حين نتحدث عن الفعل السياسي، انما نتحدث عن العملية السياسية بكافة اركانها ، باعتبارها مرتكزات هذا الفعل، واذا ركزنا الحديث على الانتخابات، فهذا لا يعني فصلها عن المرتكزات الاخرى.فكل منها مرتبط بالاخر ومتداخل معه في وحدة لا تنفصم عراها. بمعنى اكثر وضوحا، فان المعركة من اجل مقاطعة الانتخابات واسقاطها،وعلى الرغم من اهميتها، ينبغي فهمها على انها ليست المعركة النهائية ضد الفعل السياسي، وانما هي جزء منها. بل وسيفقد الانتصار، اذا حدث، معناه، اذا لم يترافق مع اسقاط العملية السياسية ذات التركيبة الطائفية والعنصرية والتي باعت العراق للمحتل وقتلت وشردت وهجرت ملايين من العراقيين، ومع اسقاط الدستور الذي شرعن الاحتلال وفكك العراق ومزق وحدته الوطنية ونزع عروبته وقسمه الى دويلات وطوائف.

هناك خلاف حاد بين العراقيين حول فرص نجاح الانتخابات من جهة، وحول قدرة المقاومة على اسقاطها، واسقاط الفعل السياسي برمته من جهة اخرى.وفي هذا الصدد ومن دون الدخول في

التفاصيل، فان هذا الفعل السياسي ، ليس وليد الصدفة، ولا هو ابتكارا جديدا او سلاح دخل الخدمة حديثا. فقد سبق ومارسه السلف الشرير بوش وحقق نجاحا مهما، لازالت المقاومة تعاني من شروره حتى يومنا الحاضر. فقبل اكثر من اربع سنوات، وعلى وجه التحديد في 15 اذار/ مارس عام 2005، قالت وزيرة خارجيته كوندليزا رايس في مؤتمر صحفي عقدته في بغداد وبالحرف الواحد " ان العمل العسكري ضد المقاومة لا يكفي وحده، وانما يجب العمل ايضا في اتجاه سياسي يقنع المسلحين والقوي المؤيدة لها بالتخلي عن السلاح والاشتراك بالعملية السياسية مقابل الحصول علي مناصب هامة في الحكومة". لتنتهي بعد عدة شهور بعقد مؤتمر الوفاق في 19 تشرين الثاني /نوفمبر من ذلك العام، حيث جمعت كوندي احزاب السلطة وبعض القوى الوطنية المناهضة للاحتلال، وقد لعب البيان الختامي دورا مهما في أنجاح الانتخابات ، التي جرت بعد اقل من شهر من تاريخ هذا البيان السيء للغاية.حيث نص البند الثامن منه على "احترام موقف جميع اطياف الشعب العراقي وعدم اعاقة العملية السياسية والمشاركة الواسعة في الانتخابات المقبلة والاحتكام الى صناديق الاقتراع واحترام راي الشعب العراقي في اختيار ممثليه""

ترى، هل هي مصادفة سيئة تلك الدعوة التي يتبناها اوباما لعقد "مصالحة وطنية"، شبيه بتلك، قبل الانتخابات المقبلة بعدة شهور ايضا ولذات السبب؟ ام ان التاريخ يعيد ا نفسه بصرف النظر عما اذا كان مأساة او ملهاة، حسب تعبير الفيلسوف الالماني هيغل؟.

لا خيار امامنا سوى ان نطرق على الحديد وهو حامي كما يقال، دون اية خشية من تطاير شرره على اية جهة او حتى على المقاومة العراقية ذاتها، وفي هذا الصدد وبدون اي مقدمات او انتقاء عبارات منمقة او تلاعب بالالفاظ او حديث يسمع الجارة، فاننا نعتقد بان المقاومة العراقية في وضعها الحالي، لم تتهيأ لمواجهة هذا التحدي، الامر الذي يتطلب الاسراع الى تغيير مسارها وتقويم نهجها واعتماد اساليب متطورة لادارة الصراع تنسجم وحجم تلك التحديات، والاهم من ذلك كله انجاز وحدة فصائلها التي تاخر انجازها طويلا. هذه حقيقة لا ينبغي الهروب، وانما مواجهتها، خصوصا وانها لا تعيب. فالخط البياني في حروب التحرير الشعبية الطويلة الامد، لا يسير باتجاه الصعود دائما، لكنه يصل في نهاية المطاف الى القمة، اي لجهة انتصار المقاومة مهما طال الزمن، في حين يكون نصيب المحتلين الهزيمة مهما بلغوا من قوة وجبروت.

اذا حدث ما نتمناه واصبح بامكان المقاومة دخول هذه المعركة المشرفة، دون تجزاة اهدافها، ترى ما هي الية ادارتها، وادواتها؟ وماهي علاقتها بالمعركة الجارية ضد قوات الاحتلال؟

عند هذه النقطة، فان الاجابة على هذه الاسئلة تدخل في باب السهل الممتنع، اي سهلة ومعقدة في ان واحد. سهلة، لان كل معركة كبيرة كانت ام صغيرة، مشروعة او غير مشروعة، تحتاج الى مقاتل وسلاح وقيادة حكيمة بالدرجة الاولى، وهذا بامكان المقاومة توفيره. اما كونها معقدة، فلأن الية المعركة تتطلب تغيير في اليات الصراع واساليبه، ينسجم مع هذه المرحلة من الصراع . فبعد ان كان تركيز المقاومة منصبا على جنود الاحتلال، وبالدرجة الثانية ضد عملائه واعوانه والمشتركين معه عراقيين كانوا ام عربا ام اجانب، فان غياب جنود الاحتلال في قواعدهم العسكرية هربا من ضربات المقاومة الموجعة، ودفع المحتل قوات الحكومة ومرتزقتها ومليشياتها المسلحة الى الميدان، يتطلب التركيز، على الحكومة ومؤسساتها واجهزتها القمعية، واعتبار كل مسؤول فيها ومتعاون مع الاحتلال ويعمل ضد المقاومة العراقية، هدفا مشروعا يستحق اشد العقاب ، دون التخلي ابدا عن مواصلة القتال دون هوادة ضد قوات الاحتلال، سواء في قواعدها او اينما وجدت وبكل الاسلحة المتاحة. وجراء تطور المعارك وفق هذه الالية ، ستصبح جبهات القتال جبهة واحدة، الامر الذي يصب في خدمة مشروع التحرير وليس ضده.

لنغير الاتجاه قليلا، فالبعض يقول، اذا اردت ان تطاع فاطلب المستطاع. ولكي نكون اكثر تحديدا فالذين يتذرعون بهذه المقولات، وللاسف الشديد، هم قوى وطنية مناهضة للاحتلال، يهمها دائما وضع العقبات امام اي توجه جهادي بشكل عام، وامام وحدة فصائل المقاومة بشكل خاص.، لان مثل هذه التوجهات تضيع عليهم او تفقدهم الامل في تحقيق مكاسبهم الذاتية والفئوية الضيقة والمشكلة هنا ان مثل هذه الذرائع والجج تنطوي على قدر كبير من المشروعية، اي كلمة حق يراد بها باطل، كما قال امامنا علي بن ابي طالب كرم الله وجهه للخوراج، حين طالبوه بالاحتكام الى القران لحل الخلاف بينهم وبين الامام عليه السلام.

نعم هناك ، على سبيل المثال، سوء حظ رافق مسيرة المقاومة جراء المتغيرات التي حدثت على المستويين العالمي والاقليمي، حرمتها من اي دعم واسناد سواء من حيث السلاح او المال او حتى دعم سياسي او معنوي، مثلما حظيت به مثيلاتها، مثل المقاومة الجزائرية او المقاومة الفلسطينية، وهناك تأمر من كل حدب وصوب، بما فيه من ابناء جلدتنا من دول عربية واسلامية، وهناك ايضا، قوة المحتل وقدراته الهائلة وما يمتلك من الة عسكرية لم يشهد لها التاريخ مثيلا.والقائمة بهذا الخصوص طويلة ومؤلمة.

لكن اذا نظرنا الى هذا الامر بدقة اكثر، وبناءا على مسيرة المقاومة خلال سنين الاحتلال، لوجدنا بان مثل هذه الظروف القاسية والصعبة كانت موجودة اصلا. ومع ذلك اثبتت المقاومة وجودها وفاعليتها، وحققت اعظم انتصاراتها، معركة الفلوجة الاولى نموذجا، بل واضافت تجربة جديدة لشعوب العالم، التي تسعى الى التحرر والانعتاق،حيث اكدت على ان ارادة القتال والاصرارعلى تحقيق الاهداف المشروعة للشعوب، تتغلب على كل الظروف والعقبات مهما كانت صعبة وقاسية. فالارادة في حروب من هذا القبيل تاتي قبل كل شيء. وقد اكد هذه الحقيقة الرئيس الامريكي الاسبق نيكسون، في تفسيره لهزيمة امريكا في فييتنام، بان الجيوش ، مهما امتلكت من مقومات القوة ،تخسر معاركها اذا فقدت ارادة القتال. هذا يعني بان العلة الرئيسية تكمن داخل المقاومة اكثر مما هي تكمن خارجها.

اما الذين يتحدثون عن اختلاف المرجعيات الحاد لفصائل المقاومة، بين ديني وعلماني، قومي واسلامي ، يساري ويميني، الخ، فهذا صحيح بكل تاكيد، لكن الصحيح ايضا، بان كل هذا الاختلاف وفي ظل بلد محتل وتسعى كل هذه المرجعيات المختلفة الى تحريره من رجس الاحتلال، لا يمنع من التعاون والتنسيق فيما بينها وصولا الى قيام جبهة موحدة. تضمن لكل طرف او جهة، حق الاستقلال السياسي والتنظيمي والايديولوجي. مثلما تضمن حقها في الدعوة الى برامجها السياسية والعقائدية على ان لا تتعاكس مع برنامج الجبهة الموحدة او ميثاقها.

على سبيل المثال لا الحصر، فلقد اتحد رجال الدين في العراق مع تجار المدن وشيوخ العشائر والفلاحين في ثورة العشرين المجيدة ضد الاحتلال البريطاني، وكان شعارها الذي برز من خلال المعارك، الطوب احسن لو مكواري، وهو شعار لا علاقة له باي جهة سياسية ولا بعشيرة ولا بالفلاحين. في الجزائر قاد المناضل الكبير احمد بن بلا جبهة التحرير الجزائرية وهو متهم باليسارية ، في حين ان جسم الجبهة ذا صبغة دينية، بينما لعب رجل الدين خيري الدين باشا دورا بارزا في تونس والشيخ عز الدين القسام في فلسطين وعمر المختار في ليبيا، وهم لا يمثلون الغالبية في جبهاتهم، ومثال اخر، قاد الحزب الشيوعي الجبهة الموحدة في الحرب الشعبية في فيتنام وكان من بين اعضائها حزب بوذي . كل ما تحتاجه المقاومة للوصول الى تحقيق وحدتها، العودة الى المنطق السياسي وتحكيم العقل والتخلي عن نزعة الانا واقصاء الاخر ونبذ التنافس بين الفصائل وجبهاتها على تمثيل المقاومة للاستئثار بالنصر الذي لم تشرق شمسه بعد.

املنا في ان المقاومة العراقية، التي تمكنت من الوقوف في وجه قوات الاحتلال، والحقت اكبر الخسائر البشرية والمادية بها، ومرغت هيبة وسمعة امريكا في الوحل، وعطلت مشروعها الكوني، لقادرة على انجاز هذه المهمات، وفي المقدمة منها وحدة فصائل المقاومة.

انها فرصة المقاومة الثمينة وعودتها الى عصرها الذهبي وتحرير عراقنا العظيم، لكي يسجلها التاريخ العالمي والانساني في صدارة التجارب الاخرى، او باحرف من نور كما يقال. الشعب العراقي الذي قدم للمقاومة، الطلقة والدرهم والخبزه والهلهولة، والاهم من ذلك، فلذات الاكباد، ولم يزل مستعدا لتقديم المزيد والمزيد، ينتظر منكم تحقيق هذا الامل.

افعلوها يباركم الله ورسله وعباده الصالحين.



 

جميع الحقوق محفوظة © 2026 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه