![]() |
|
||||||||||||||
|
|||||||||||||||
![]() |
اخبار الحزب الحزب بالصور نشاطات إغترابية نتذكر باعتزاز |
|
|||||||||||||
في كل مكان.. قوميون اجتماعيون | |||
| |||
|
من الرفيق ربيع عبد الخالق، لوس انجلوس، هذا "الحلم الذي تحقق".
في الذكرى السنوية الاولى لحرب الإبادة الصهيونيّة ضد شعبنا في غزّة وجدت نفسي والقلم محاولاً استعادة زيارتي من لوس انجلوس الى تلك البقعة الجميلة من أرضنا في تمّوز الماضي وبرفقة أكثر من مئتيّ مواطنٍ أميركيّ. كُنّا قد جمّعنا تبرّعات لشراء أدوية لازمة ومعدّات طبّية بقيمة تعدّت المليون دولاراً لِتُقَدَّم الى مستشفيات غزّة والمنظّمات الانسانية الناشطة في غزّة. رحلتنا كانت ضمن فريق "نصرة فلسطين" (Viva Palestina) بقيادة النائب البريطاني جورج غالاواي وعضو الكونغرس الاميركيّ سينثيا ماكيني، وهي التي سجنتها سلطات الاحتلال الاسرائيليّ لأكثر من اسبوع حين حاولت الدخول الى غزّة بحراً وعبر قبرص مع بعض المساعدات. ولكنّ فور إخلاء سبيلها، عادت الى الولايات المتّحدة لتسافر مجدّداً الى مصر في اليوم التالي ومشاركتنا برحلة الإغاثة الى غزّة. بعد مفاوضات شاقّة مع النظام المصريّ، وبقائنا في الاراضي المصريّة لمدة 11 يوماً، تمّ في النهاية السماح لنا بالعبور الى غزّة ولكنّ لمدة 24 ساعة فقط، وذلك من الحادية عشرة مساء 15 تمّوز الى الحادية عشرة من مساء اليوم التالي.
كنت دوماً اتابع أخبار النائب غالاواي وأشاهده مراراً عبر الإنترنت مدافعاً بحزم وقناعة لا مثيل لهما، عن فلسطين وشعبها، كلّ فلسطين. عندما علمت أنّه قادم الى لوس انجلوس لالقاء سلسلة من المحاضرات الداعمة للقضية الفلسطينيّة وشرح الوضع العام المتردّي في الشرق الأوسط، لم أتورّع عن الحضور لا بل ذهبت والكثيرون من رفقائي القوميّين الاجتماعيّين لنسمع ما سيقوله. خلال محاضرته الطويلة والشيّقة آنذاك، كشف النائب غالاواي حقائق مؤلمة عن نتائج السياسات الاميركيّة والأوروبيّة وحتى العربيّة باتجاه القضيّة الفلسطينيّة. عَبَّرَ النائب غالاواي انه لا يجوز أنّ يُتْرَك أهل غزّة مُحاصَرون وهم بأمسِّ الحاجة الى المساعدات الطبّية والانسانيّة، وإنّه من واجبنا كجاليات عربيّة أنّ نعمل بجهد وثبات على كسر الحصار الصهيونيّ عن القطاع ودعم أهلها. عندئذٍ اقترحَ تشكيل بعثة انسانيّة لتتكوّن من مواطنين أميركيّين تحمل معها معدات طبّية وأدوية ضرورية، على أنّ تنطلق الحافلة في 4 تمّوز –يوم ذكرى استقلال الولايات المتّحدة– الى غزّة عبر مصر، ليعرف الكون بأنّ ليس كلّ الشعب الاميركيّ مؤيدٌ لسياسة بلاده الخارجيّة المنحازة لاسرائيل وعنصريّتها. قرّرتُ المشاركة بالبعثة برفقة ابنتَيَّ التوأم نيكول و كلووي وهما في ربيعهما السابع عشر، وانطلقنا فى الأوّل من تمّوز من لوس انجلوس الى نيويورك حيث تجمّع اعضاء البعثة لوضع اللمسات الاخيرة على الخطّة المتوخّاة وكيفية المكوث في العاصمة المصريّة والمدن الاخرى الواقعة على الطريق الى غزّة. غادرنا نيويورك في 4 تمّوز 2009 ووصلنا القاهرة في اليوم التالي. ومن الجدير بالذكر، إنّ بعثة "نصرة فلسطين" تعدّت المئتين مواطن أميركيّ من 27 ولاية أميركيّة وينتسبون الى أعراق مختلفة وأديان متعدّدة.
أمضينا الثلاثة الايام الأولى في جمع الأدوية والمعدّات الطبّية وزيارة المستشفيات المصريّة التي كانت تعالج الجرحى الفلسطينيّين. ما لا أنساه اطلاقاً خلال احدى تلك الزيارات، وبالتحديد الى "مستشفى فلسطين" بالقاهرة، لقائي بجريح كان ينتمي لحرس الحدود الفلسطينيّ وهو يُعالج في المستشفى منذ اكثر من ستة اشهر بعد ان خضع لسبعة عمليّات جراحية. جلست الى جانبه أُحدّثه، فأخبرني كيف هاجم الجيش الصهيونيّ مركزهم من دون انذار بينما كان ورفاقه يتناولون الافطار، وذلك يوم السابع والعشرين من كانون الأوّل 2008، فقتلوا جميع افراد وحدته وتمنّى لو استشهد هو معهم أيضاً! قضيت أكثر من ساعة احادثه وانظر الى جراحه البالغة، الى يده ورجله المبتورتين، وهو يهدئ من هولي وروعتي الظاهرتين، الى أن حان موعد الفراق، فقال لي بصوت حازم ونبرة ملؤها الثقة بالنفس وحبّ الوطن، "إنّ النصر قادمٌ يا رفيقي."
وفي 9 تمّوز تركت وابنتَيَّ القاهرة برفقة خمسين فرداً من أعضاء البعثة باتجاه ميناء الاسكندرية حيث اشترينا 47 سيارة وباصات جديدة بقيمة 520 الف دولارا اميركيا دفعت نقداً لادخالها معنا الى غزّة وتقديمها الى المدارس والمستشفيات والمؤسّسات الاجتماعية والانسانيّة. أمضينا في الاسكندرية أربعة ايام، وبعد مفاوضات صعبة مع السلطات المصريّة انتهت برفضها تسليمنا السيارات الجديدة التي اشتريناها هناك، ابلغنا النائب غالاواي بضرورة عودتنا الى القاهرة في 13 تمّوز. غداة وصولنا للقاهرة، عُقِدَ اجتماع استثنائي ضمّ جميع أعضاء بعثتنا، ليعلمنا النائب غالاواي بان السلطات المصريّة رفضت تسليمنا السيارات نتيجة الضغوطات التي مورست عليها من قِبَل حكومة الاحتلال الاسرائيليّ. لقد أصرّ الصهاينة بأنّ يقود مصريّون السيارات الجديدة لتدخل غزّة من خلال معبرٍ اسرائيليٍّ حيث يتم تفتيشها من قِبَل عناصر جيشهم الغاصب، ومن بعدها يتمّ ارسالها الى غزّة. كان من الطبيعيّ جداً أنّ ترفض بعثتنا عرضاً مهيناً كهذا، فجميعنا كان يعلم تمام العلم بأنّ الاسرائيليّين لن يسلّمونا السيارات على الاطلاق. إضافةً الى ذلك، أفادنا النائب غالاواي بأنّه على جميع افراد البعثة الذهاب الى السفارة الأميركيّة في القاهرة في 14 تمّوز للتوقيع على تصاريح رسميّة تعفي الحكومة الأميركيّة من مسؤولية الحفاظ على سلامتنا الشخصيّة وأنّ السلطات المصريّة لن تسمح لنا بالعبور الى غزّة بدون تلك التصاريح. وأعلمَنا أيضاً النائب غالاواي بأنّ النظام المصريّ لن يسمح لنا بالبقاء في غزّة اكثر من 24 ساعة، مُخِلّةً بذلك بالاتفاقات الرسميّة التي عقدَها سابقاً مع سفيرَيْ مصر في كلّ من واشنطن ولندن والتي ستُخوِّل البعثة من دخول القطاع والمكوث فيها لمدة ثلاثة أيام متتالية. وفي صباح الخامس عشرة من تمّوز، قصدنا السفارة الأميركيّة وحصلنا على التصاريح التي فُرِضت على البعثة وبعدها سمح المصريّون لنا بالعبور الى غزّة في 16 تمّوز ولمدة 24 ساعة فقط. بدأنا بسرعة وبنشاط بالغ ترتيب المعدّات الطبّية والأدوية وتجهيز 11 شاحنة زُيِّنت بالأعلام الفسطينية والاميركية وشعارات "نصرة فلسطين" (Viva Palestina) بالاضافة الى أربعة سيارات اسعاف. المضحك المبكي هنا أنّ النظام المصريّ سمح لنا بادخال سيّارتَيّْ اسعاف فقط آنذاك ومن دون معرفة أسباب مَنْعِهم ليومنا هذا! غادرنا القاهرة صباح الخامس عشرة من تمّوز في حافلة مكوّنة من أربعة باصّات كبيرة وقطعنا "جسر مبارك" – وكان رجال المخابرات المصريّة يرافقون كلّ تحرّكاتنا – عابرين فوق قناة السويس باتجاه صحراء سيناء ومن بعدها الى منطقة العريش التي تبعد حوالي 40 كلم عن معبر رفح لننتظر وصول كامل أعضاء البعثة الآخرين. كانت أوامر المخابرات المصريّة صارمة بِمَنعِنا من ادخال أيّ طعامٍ او ألعابٍ لاهل غزّة. بالطبع، نجحنا باخفاء بعض الحلويات والالعاب والدفاتر والاقلام ومررناها الى اطفال غزّة! وصلنا الى معبر رفح في الساعة الخامسة مساءً وبعد تفتيش السيارات بدِقّة من قِبل شرطة الحدود المصريّة، دخلنا الى غزّة الجريحة في تمام الساعة الحادية عشرة مساءً ليستقبلنا حشد كبير من اهاليها ومسؤولي المنظمات الانسانيّة والاعلاميّة العاملة في القطاع، ومن ثمّ اتجهنا الى فندق الكومودور وهو الوحيد الشاغل هناك. وفي صباح اليوم التالي، قمنا بزيارة المستشفيات والمراكز الطبّية وقدّمنا لها الأدوية ومعدات الاشعة وسيارات الاسعاف. وزرنا أيضاً مدينة غزّة ومنطقة خان يونس وشاهدنا الاضرار الجسيمة والخراب المريع فيها، وذهبنا الى عدّة مخيّمات للنازحين (..في عقر ارضهم!..) وزرنا وزارة الاسرى والشهداء حيث استمعنا الى عوائل ابطالنا من امّهات وأطفال وعجّز الذين لمّ ولن ترعبهم اسرائيل أبداً ومهما أجحفت بحقّهم. لا يمكنني نسيان اللقاء المؤلم بالطفلة الصامدة زينب، زهرة العشرة أعوام وهي تخبرنا عن الطرق الهمجيّة التي مارسها جنود الاحتلال عندما جمعوا أهلها وأقاربها فى منزل واحد وقصفوه بالقنابل توّاً. استفاقت زينب من الغيبوبة لتجد نفسها بين أشلاء عائلتها البالغ عددهم 29 شهيداّ ....... فالصمت هنا أبلغ من خير كلام!
اسمع زينب تروي الفاجعة: http://www.youtube.com/watch?v=Sp_shMl8UXU
بعد ذلك، توجهت وابنتَيَّ الى أحد المطاعم في سوق غزّة لنلتقي برجال العزّ ونساء الكرامة من أهلنا هناك وهمّ يؤكدون لنا مرار وتكرارا بأنّ الشعب الفلسطينيّ لن يستسلم والمقاومة حتى النصر هو خيارهم الوحيد والمطلق، وما علينا كبعثة اغاثة آتية من الخارج سوى العمل الدؤوب على توعية العالم عن مدى الهمجيّة الصهيونيّة وعمق المأساة الفلسطينيّة.
بعد ذلك وكما كان مفروضاً علينا من السلطات المصريّة، تركنا غزّة عائدين الى مصر في مساء 16 تمّوز. بعد اخلائنا في منتصف الليل من قِبَل شرطة الحدود المصريّة في معبر رفح، ذهبنا مباشرة الى مطار القاهرة حيث عاد البعض منّا الى الولايات المتحدة الاميركية، والبعض الاخر قرر الرجوع توّاً الى معبر رفح ونصب خِيَم الاعتصام هناك حتى يتمّ فكّ الحصار اللاانسانيّ عن قطاع غزّة. اما أنا وكلووي ونيكول، فقد توجّهنا الى بيروت لزيارة والدتي والأقارب والوطن الحبيب.
عند وصولنا الى مطار بيروت، تذكّرت فجأة وبسبب الارهاق المضني في مصر، بأنّي وضعت إخراجات القيد اللبنانيّة في حقائب الامتعة ولم يكن بحوزتنا سوى جوازات السفر الأميركيّة. على إثر ذلك تمّ استدعائي من قِبَل عناصر الأمن العام اللبنانيّ للتدقيق في هويّتنا اللبنانيّة (لكي يتمّ لنا الدخول الى لبنان كمواطنين وليس عبر تأشيرات سفر للأجانب) فاخبرتهم بأنّ الاثبات موجود في الحقائب بالاضافة الى تحدّثي معه باللغة العربيّة وباللهجة اللبنانية تحديداً. لاحظ الشرطيّ اللبنانيّ أختام دخول/خروج من السلطات الفلسطينيّة في جوازاتنا الأميركيّة ممّا استدعى استغرابه سائلا إن كنّا قد زرنا دولة العدوّ الاسرائيليّ، فأجبته بالنفي وأخبرته باننا لم نشاهد جنديّاً اسرائيليّاً واحداً، وأنّ معبر رفح هو الوحيد المشترك بين فلسطين ومصر. شرحت له أيضاً بانّنا كنّا من أعضاء بعثة "نصرة فلسطين" الى غزّة، فأخذ الجوازات ودخل الى غرفة مرؤوسيه الذين طلبوا مقابلتي والاستفسار عن "رحلة الاغاثة" بقيادة النائب الانكليزي غالاواي. ذهبت ونيكول وكلووي الى مكتب الضباط اللبنانيّين وبعد حديث شيّق معهم قدّموا لنا التهنئة لمشاركتنا بالحملة من أجل مساعدة أهل غزّة، واعطوا الاوامر اللازمة لعناصر الجمرك اللبناني بتسهيل أمورنا وعدم تفتيش حقائبنا متمنّيين لنا قضاء أمتع الأوقات في ربوع الوطن. * خلال وجودنا بالقاهرة تمكّنت من التعرّف عن كثبٍ الى شخصيّة النائب غالاواي، ومرافقته الى المؤتمرات الصحفية التي عقدتها معه الوسائل الاعلاميّة المصريّة والعربيّة والأوروبيّة، وفي المساء كنت احادثه بكلّ ما له صلة بالقضيّة الفلسطينيّة واستفسر منه عن الدوافع وراء شغفه بالدفاع المستمرّ عن فلسطين وشعبها كما لم يجرؤ أيّ حاكمٍ عربيٍّ العمل بالمثل قولاً وفعلاً. أخبرني أنّه كان التقى في السبعينات من القرن الماضي ببعض الطلاب الفلسطينيّين في جامعات لندن الذين شرحوا له قضيتهم واحتلال الصهاينة لأرضهم، مما دفعه للتعمّق بتاريخ المنطقة ومتابعة أخبارها، ومراجعة وعد بلفور المشؤوم واتّفاقية سايكس-بيكو التي قسّمت "بلاد الشام والهلال الخصيب" إلى دويلات ضمن حدودٍ مُصْطَنَعَةٍ على حدّ قوله، وكيف أنّه يشعر دائماً بالذنب من جراء دعم الحكومة البريطانيّة المطلق لدولة الاحتلال وفي حروبها الاجرامية المتعاقبة لإبادة الشعب الفلسطينيّ واحتلال أراضيهم. ومن الغريب العجيب ما أعلمني ايّاه انه إبّان زيارته الى لبنان بُعَيْدَ العدوان الاسرائيليّ في تمّوز من العام 2006، التقى برئيس الحكومة اللبنانيّة آنذاك، فؤاد السنيورة، الذي بادره صارخاً في وجهه: "عليك التوقف عن القول والادعاء بانّ لبنان ربح الحرب على اسرائيل، فنَحنُ في الواقع خاسرون ومنهزمون." اضطرّ النائب غالاواي بالردّ على الرئيس السنيورة قائلاً: "يبدو وللأسف الشديد بأنّك أوّل حاكم عربيّ يدّعي الهزيمة بعد انتصارٍ مشهودٍ له وذلك عكس حكّام العالم العربيّ الذين من عادتهم الاسراع بالاعلان عن النصر على اسرائيل. إنّ المقاومة اللبنانية يا حضرة الرئيس قد ربحت الحرب وهزمت غطرسة الجيش الاسرائيليّ لأوّل مرّة في تاريخ الصراع مع هذا الكيان الغاصب وافشلت المؤامرة على بلدك لبنان وشعبه." حينئذٍ، ارتأى السنيورة تغيير مجرى الحديث! * الجدير ذكره حادثة وقعت عند عودتنا من الاسكندرية الى القاهرة وهي بالفعل تعبّرُ عن واقع وطبيعة النظام المصريّ. خلال اجتماع إداريٍّ عُقِدَ ليلاً لأعضاء البعثة، كان "مسؤولٌ" في جهاز المخابرات المصريّة حاضراً في القاعة يدوّن في محضر ملاحظاته، مما دعا النائب غالاواي أنّ يطلب منه مغادرة القاعة حالاً ولكنّ المسؤول الأمنيّ رفض الاستجابة للطلب. توجّهت اليه شخصياً متكلماً معه بالعربيّة وداعياً إياه باخلاء القاعة بناء على اتفاق كان قد أُبْرِمَ مع السفير المصريّ في واشنطن يلزم السلطات المصريّة عدم مضايقة افراد البعثة. ولكنّ بعد اصراره على المكوث في القاعة، انفعل بعض شبّان البعثة وصرخوا في وجهه، فاسرعت لأنتشل "المحضر" من بين يديه وقراءته بالعربيّة أولاً ومن ثم نقله للانكليزيّة. ادّعى العنصر الأمنيّ فيه أنّ الغاية من اجتماعاتنا هو التحريض على النظام والعصيان على الدولة وشتم الشعب والرئيس المصريّ، وطبعاً إنّ كلّ ما دوّنَه في المحضر كان كَذِباً وافتراءٌ. حقّاً، صدق القول الشائع: عَيْن الجبان لا تنام! أمّا الحادثة الأكثر إيلاماً، فقد حصلت لدى وصولنا الى معبر رفح من الجانب المصريّ اذ تجمهر هناك عشرات الفلسطينيّين من سكّان غزّة وبدأوا بالتوسّل إلينا بأنّ نصحبهم الى ديارهم بعد أنّ منعتهم مصر من العودة اليها من جراء حصارها المبرم. أذكر بألمٍ مأساة امرأة فلسطينيّة وطفلها الرضيع والبالغ 5 أشهر، وكانت قد قصدَت العريش وهي حاملٌ في شهرها الثامن لشراء اللوازم الحياتية لعائلتها في غزّة، ولكنّ لسوءِ الحظ وفي اليوم نفسه أقفَلَت السلطات المصريّة معبر رفح ولم تسمح لها بالعودة الى منزلها والالتحاق بعائلتها مثيل العشرات من أبناء شعبها. بعد شهر من وجودها القسريّ في العريش، رزقها الله مولوداً في أحد المنازل، بمساعدة الأهالي الكرام، وبقِيَت الأمّ هناك منذ ذلك الحين وحتى وجودنا في مصر محرومةً من العودة رغم توسّلها المتواصل مع أجهزة الامن المصريّة ولكنّ من دون أيّ فلاح. اثناء حديثها المؤثّر جدّاً معي، فوجئنا بعناصر من جهاز مكافحة الشغب المصريّ يركضون نحونا فرمَت السيّدة بطفلها بين يديّ راجيةً منّي بأنّ أُدخِله معي الى غزّة وأسلّمه لعائلتها. وصل اليها أحد أولئك العناصر شاتماً إيّاها وأنهال عليها ضرباً قاسياً فهوَتْ على الارض تصرخ من أعماقها ألماً وكان ذلك المنظر مُرْعِباً بِكُلّ ما في الكلمة من معنى. هرَعْتُ بطفلها الرضيع مسلّماً إياه الى ابنتَيَّ حفاظاً على سلامته، لأعود نحو عنصر الأمن أصرخ به "أين كرامتكم ؟" وألومَه وحكومته ورئيسه على تعجرفهم ولعدم رحمتهم وبإعتدائهم بالضرب على امرأة عربية مسكينة فتدخّل النائب غالاواي على الفور وأبعدَني عنهم للحفاظ على سلامتي. كانت الرحلة الى غزّة منهكة جداً والتجربة قاسيةً بالفعل انما بالنهاية تمكّنا من الدخول الى فلسطين الحبيبة وتقبيل أرضها الغالية ومشاركة شعبنا فيها مأساته ولو لأربعةٍ وعشرين ساعةٍ فقط. من لوس انجلوس إلى غزّة، رحلةٌ للعمر ولنّْ تُنسَى. حُلُمٌ صغيرٌ تحقَّقَ!
• ربيع عبد الخالق Kalek@att.net لوس انجلوس، في 10 كانون الثاني 2010.
|
|||
| جميع الحقوق محفوظة © 2010 |