إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

بعـــل هـــدّاد

د. الرفيق حسني حداد

نسخة للطباعة 2010-01-21

كان الرفيق الدكتور حسني حداد قد اصدر والرفيق د. سليم مجاعص، تحت عنوان "بعل هدّاد" دراسة في التاريخ الديني السوري، والكتاب صدر عن "دار أمواج" في آذار 1993.

يقول المؤلفان في الاضاءة على الدراسة ما يلي:

في البحث الحالي سوف نضع نصب أعيننا تفاصيل عبادة البعل هدّاد من نواح ثلاث:

أولاً إنتشارها الجغرافي الواسع النطاق في الشرق الادنى القديم.

ثانياً خاصيتها الاساسية الثانتة رغم التنوع العبادي الشكلي.

وأخيراً ديمومتها التاريخية عبر أطوار دينية من عهد تعدد الآلهة إلى عهد الوحدانية الصارمة.

في الفصل الاول سوف نتتبع انتشار عبادة البعل هدّاد في إتساعها المكاني وننظر في آثار هذه العبادة في مختلف النواحي الجغرافية وعند مختلف الاقوام التاريخية مع مقابلة طقوس عبادة اله العاصفة السوري والاسماء والالقاب المختلفة التي تكنّى بها مع نظائرها في المناطق المجاورة خاصةً مصر والاناضول.

ويركز الفصل الثاني على استقصاء وعرض صفات القوة التي تتمثل في سيطرة بعل هدّاد على قوى الطبيعة العاتية والمدمرة احياناً والتي جعلت منه الهاً مرهباً يخاف ويسترضى. والاله القوي هو ايضاً الاله المحارب الذي يصارع دوماً ضد الفوضى والتخريب في البحر والبر ليحمي الشعب من اضرارها.

أما الفصل الثالث فيتناول القدرة الاخصابية للبعل بصفته الاله الذي يتحكم بالمطر والقوى المائية المُخصبة. وقد كانت هذه الصفة الاخصابية من اهم صفاته خاصة في الارياف.

والفصل الرابع يبحث في موت الاله وبعثه الذي كان يرمز في العصور القديمة لموت الطبيعة واحيائها دورياً. موضوع موت البعل تعني انسنة الاله وعلاقة الالوهة بالبشر وبمصادر حياتهم وخلاصهم. ومن هنا ندخل في موضوع ديمومة البعل ضمن النظام اللاهوتي المسيحي.

الفصل الخامس يبحث في اشكال واقانيم الاله السوري في العصر الهلنستي، وفي العبادات الاغريقية والرومانية التي اقتبست اكثرها من المشرق.

الفصل السادس يتطرق الى موضوع علاقة البعل بالمسيح، وتاثير الفكرة الاوغاريتية الاصلية عن الاله العالي الذي يموت ويبعث، على اللاهوت المسيحي. هذا الفصل هو المدخل إلى موضوع واسع يتطلب بحثاً اعمق واشمل.

في الفصل السابع ندخل في موضوع ديمومة عبادة البعل في الاديان الشعبية السورية، خاصة في مارجرجس، والخضر، ومار الياس، ونرى كيف ان عبادة البعل، اي عبادة الوهة تؤمن الخصب والخلاص من الفاقة، لا تزال قائمة تحت اسماء جديدة.

مقدمة الكتاب

اكتشاف مدينة اغاريت في راس شمرا على الساحل السوري، كان من اهم الاحداث الاركيولوجية في القرن العشرين. ان قراءة الوثائق الاوغاريتية القديمة التي تحتوي على مواد غزيرة عن العبادات والاساطير التي شاعت في سورية منذ أكثر من ثلاثة الاف وخمسمئة سنة قد فتحت اعين الباحثين في تاريخ الاديان على اهمية البعل السوري القديم. فلم يكن لدينا مراجع كثيرة عن هذا الاله وعن مجمع الالهة السوري، سوى القليل الغامض من المصادر الاغريقية، والتوراة العبرية التي تعمدت تشويه اسم البعل وتحريف كل ما يتعلق بالعبادات الكنعانية.

وعلى اساس الاعتماد على هذه المصادر، وحتى اكتشاف اوغاريت منذ أكثر من نصف قرن، كان التاريخ القديم للدين في سورية مشوهاً ناقصاً، وكتابات مشاهير المؤرخين الاوروبيين (رينان، بوديسان، ادورد ماير، وغيرهم) كانت تؤكد ان اديان سورية القديمة ما هي إلا خليط دون اي منهج من العبادات والالهة المحلية ذات طقوس تتصف بالحسية والشهوانية والتضحية البشرية للالهة.

ورغم ان الكتابات القديمة من بابل واشور اتت على ذكر الالهة القديمة وجاء فيها الكثير عن الاساطير والملاحم التي تكشف رموزها عن فكر ديني عال، الا أن ربط هذه المصادر مع التاريخ الديني على الساحل السوري لم يخطر في بال المؤرخين المسيحين الذين تمكنوا من الخروج من البوتقة التوراتية التي طبعت على تحقير الالهة السورية (الكنعانية) وعلى وصف طقوسها بالكفر والهرطقة. ولم يخرج المؤرخون المسلمون عن هذا الطوق، أو لم يعيروا هذا الموضوع شيئاً من الاهمية.

والكتابات اليونانية واللاتينية في هذا الموضوع، مع استقلالها عن التحيز التوراتي، إلا أنها لا تحتوي الكثير والمفيد عن هذا الموضوع. أما المواد المعزوة إلى المؤرخ الفينيقي سنكونياتن فلم تلاق مبدئياً إعتباراً كافياً من قبل المؤرخين الأوروبيين. أما بعد إكتشافات رأس شمرا فلم يعد بالامكان اهمالها. ولكن، مع ذلك، يبقى المصدر الاساسي لكتابات سنكونياتن مفقوداً، وليس لدينا سوى فقرات مبعثرة مترجمة مصبوغة بصبغة اغريقية يصعب على المؤرخ تقصي حقيقتها.

الاساطير الاوغاريتية فتحت اعيننا على حقيقة رائعة هي أن الدين السوري القديم لا يزال حياً، وان الكثير من الافكار والصور الدينية التي تجلت في هذه الوثائق كان لها اثر كبير على الفكر الديني الذي لا يزال مسيطراً على اللاهوت الحديث من جهة، وعلى الدين الشعبي العام من جهة اخرى، هذه الاساطير تنبهنا الى ان الالهة السورية القديمة لم تكن آلهة محلية فحسب، بل الهة كونية، وان البعل هدّاد، بطل هذه الاساطير، اله العاصفة والخصب، هو بالذات الاله الكوني المعروف في جميع انحاء الهلال الخصيب والحضارات المجاورة وإن عبادته قد دامت في العصور الاغريقية والرومانية، وانه بصفة الاله الذي يموت ويعود إلى الحياة قد ترك أثراً لا يمحى على المسيحية.

في رأي المؤلفين ان عودة البعل هدّاد إلى المعرفة التاريخية بعد اكتشافات راس شمرا، كان من أهم الاحداث الفكرية في هذا القرن. ولكننا نلاحظ، مع الاسف ان المؤرخين اجمالاً، بما فيهم من كتبوا اطروحات علمية عن اوغاريت واساطيرها، لم يلاحظوا هذا التواصل التاريخي بين البعل القديم واللاهوت الحديث، أو أنهم تعمدوا ألا يعالجوا هذا الموضوع الذي قد يدخلهم في مأزق حضاري وديني.

المحاولة الوحيدة، على ما نعلم، لربط عبادة البعل القديم مع الممارسات الدينية المعاصرة هي في خطاب القاه انطون سعاده في بلدة دير الغزال في البقاع يوم عيد مار جرجس في 23 نيسان 1948، يتناول فيه ذكرى القديس ليشير إلى رمز مارجرجس، أي رمز الشخصية المقدسة الفتية القوية التي تصرع التنين، رمز سوري قديم، قبل أن يدعى مار جرجس كان يدعى البعل في طوره الاول، وفي طوره الثاني دعي مارجرجس، وفي طوره الثالث مع الاسلام دعي الخضر، لكن انطون سعاده لم يتناول مسألة موت الاله وبعثه فتواصل هذه الناحية هو، كما سنرى لاحقاً في هذا الكتاب، مع المسيح اكثر مما هو مع مارجرجس.

إن تدبر اكتشافات رأس شمرا (اوغاريت) وربطها بالتراث الديني السوري في كافة مظاهره من كتابات وممارسات وطقوس وعادات وتقاليد ومراكز عبادة تثبت ان عبادة البعل هدّاد اكثر عبادات الشرق الادنى القديم انتشاراً واغناها تنوعاً وأهمها ديمومة. فقد قامت عبادة اله العاصفة والخصب من مصب دجلة والفرات إلى منابعها ومن منابع العاصي والليطاني الى مصبيهما ومن طرفي طوروس إلى مقلبي سيناء شاملة بذلك جميع الاقوام التاريخية التي سكنت الهلال الخصيب والاناضول ومصر. وكونت عبادة البعل هدّاد في اسمائه المتعددة جزءاً مميزاً من الشخصية العبادية الدينية للأقوام التاريخية في الشرق الادنى من مثل السومريين والاكاديين والاشوريين والبابليين والكنعانيين والحثيين والحوريين. وصاحب هذا الانتشار الجغرافي الواسع اكتساب العبادة نواح متعددة مثل تبدل أسم الاله فهو اشكور في سومر ومار جرجس في الحقبة المسيحية والخضر في العهد الاسلامي. وتغير كذلك موقعه في نظام الآلهة ومراتبها فهو دون آنو وإنليل في سومر ودون آشور في نينوى ودون مردوك في بابل لكنه يفوق جميع الآلهة في غربي سورية وشمالها.

وإختلفت بفعل الانتشار الجغرافي الواسع بعض الصور والشعائر والرموز المرتبطة بفعل العبادة من مثل مواقع هياكله، فهي غالباً على الارض المرتفعة والجبال في سورية الغربية الوسطى، وتصويره، فهو طوراً يمتشق رمزاً للبرق وطوراً على ظهر ثور وقليلاً يصاحبه أسد. لكن الصفات الاساسية الكبرى للاله أي ارتباط عبادته بالخصب والمظاهر العنيفة للمناح من مثل العاصفة والرعد والامطار أظهرت ثباتاً ملحوظاً رغم الانتشار الجغرافي الواسع وتنوع الاقوام التاريخية.

وتشترك آلهة كثيرة أخرى مع البعل هدّاد في ناحية الانتشار الجغرافي والتنوع في الشرق القديم فإننا نجد إنانا السومرية تستمر في عشتار الاكادية وهذه في عنات وعشيرة الكنعانيتين وأتارغاتس السلوقية الرومانية. لكن قليل من هذه الالهة من وازى البعل هدّاد في الديمومة التاريخية لعبادته التي تتمثل في الديانات الشعبية غير الخاضعة لسلطة النص والشكل الارثوذوكسي لأديان الكتاب. ويمكن القول أن الثابت العبادي الاكبر في الشرق الادنى قديمه وحديثه هو عبادة البعل هدّاد بصفة الاله الذي يموت ثم يبعث حياً.

ويأخذ هذا الاستمرار التاريخي للعبادة أشكالاً كثيرة تمليها ولا شك التغييرات الدينية العامة والمصاحبات العبادية التي تنتج عن التبدلات السياسية والاجتماعية الثقافية. فدخول الحضارة الهلينية مثلاً ادى الى تحوّل في اشكال العبادة في مدن سورية الغربية لكنه كان تبدلاً سطحياًً طفيفاً، إذ إستمرت عبادة الالهة نفسها تحت أسماء مرادفاتها الهلينية (ومن ثم الرومانية). لكن ما إنتهت الحقبة الرومانية حتى عادت أسماء المدن ومراكز العبادة إلى حالتها الاصلية. فها بعلبك يتغير أسمها إلى هليوبولس وتعود إلى بعلبك ومنبج تتحول إلى هيرابولس ولا تلبث أن تعود إلى أسمها الاصلي. وما يميّز هاتين المدينتين هو كونهما قبل أي شيء آخر مراكز رئيسية للعبادة. وإذا كان هذا حال المدن حيث يتواجد التأثير السياسي للدين الرسمي بكثافة، فكيف بالأحرى الريف والمناطق الجبلية.

وتأثيرات إنتشار المسيحية أولاً والاسلام ثانية كان من هذا القبيل، إلا أن الاديان الموحدة قد إتخذت موقفاً أكثر قمعاً من الهلينية تجاه العبادات السابقة مما استتبع تحولاً أكبر في الشكل العبادي الخارجي لبعل هدّاد مع إستمرار المضمون الأساسي حاضراً مرَّ القرون.

فهكذا في المسيحية الشعبية برز القديس جاورجيوس (مار جرجس) حاملاً الكثير من صفات البعل ما عدا صفة الاله الذي يموت ويبعث حياً التي انحصرت في المسيح. وفي الاسلام وجد الايمان الشعبي في الخضر الشخصية القرآنية المبهمة وعاءً لإستمرار العبادة دون رقابة الدين الرسمي



 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017