مع احتلال االعراق في العام 2003 و الظن الاميركي بان المنطقة سقطت كلها للتحول مستعمرة صهيواميركية طرحت الولايات المتحدة على سوريا "نزع سلاح حزب الله " الذي دحر اسرائيل في العام 2000 ، لان البئية الاستراتيجية قد تغيرت و لا يقبل بسلاح يرفع بوجه اسرائيل بعد الان ، و لما رفضت القيادة السورية كانت منظومة القرارات و الاعمال السياسية و الاجرامية التي افضت الى خروج الجيش السوري من لبنان و تحويل البلد الى "محمية اميركية " تمارس فيها السفارة الاميركية الحكم المباشر للدولة. و مع التغيير هذا طرحت مطالب اميركية من نوعين:
- الاول باتجاه المقاومة و يتمثل بنزع سلاحها سلماً او حرباً، و كانت طاولة الحوار الوطني يومها مكاناً امل البعض فيه تحقيق ذلك و لما ، راى ان المنطق العسكري يعمل ضده عندما جوبه بالسؤال كيف نحمي لبنان و ما هي استراتيجية ذلك ،راهن على الحرب –العدوان الاسرائيلي على لبنان الذي قشل بدوره عن كسر المقاومة او نزع سلاحها .
و كان الثاني متمثلاً بتغيير عقيدة الجيش لنقله من وطني يواجه اسرائيل الى سلطوي يعمل في الداخل بوجه من يعارض في العمق السلطة الغربية في لبنان ، و جهدت راعية المشروع – اميركا – بالضغط و و تهيئة الظروف التي تتيح التغيير ، لكن الجيش بقيادته السابقة و الحاضرة صمد ثابتاً على عقيدته التي اعتمدها منذ ما بعد اتفاق الطائف و كان ارساها على ثوابت حددت فيها هويته بانه جيش للوطن و ليس لطائفة او فئة او حزب ، و حدد فيها وضوحاً العدو بانه اسرائيل ، و ان الصديق هو كل من يمد لبنان بسبب من اسباب الدعم و القوة ، و ترجمة لهذه العقيدة حددت مهمة الجيش الاساسية "بالدفاع عن الدولة ضد اسرائيل و حمايتها ارضاً و شعباً و نظاماً " اي (السلطة القائمة وفقاً للدستور ) ومهمة ثانوية تجسدت في مؤازرة قوى الامن الامن الداخلي في مهام حفظ الامن و دعمها حيث يجب . و ترجم الجيش ميدانياً عقيدته تلك بالتنسيق مع المقاومة التي تقاتل "اسرائيل" ليقينه ان قدراته لا تتيح له ان يعمل منفرداً لتحرير الارض المحتلة ، و كان قرار قائد الجيش يومها العماد اميل لحود و بكل واقعية مكرساً للثنائية العسكرية المنسقة: جيش يعمل حيث تمكنه قدراته من العمل ، و مقاومة شعبية مسلحة تعمل بوسائل غير تقليدية لازعاج المحتل و ارهاقه و حمله على الرحيل . وتعانقت مهمات الجيش و المقاومة لتتكاملا في استراتيجية عسكرية وطنية صنعت امناً داخلياً ينفرد الجيش حصراً بالمسؤولية عنه ، و عملاً ضد العدو الاسرائيلي يقوم كل من الطرفين بما يستطيع حياله. تكامل انتج بعد اعوام عشرة تحريرا للجنوب في معظم ارضه ، و امناً للوطن صنف لبنان من اوائل البلدان امنا في العالم . و خلال تلك الفترة امتنعت اميركا عن بيع لبنان شيئا من السلاح ، و سمحت ببيعه القديم من الياتها من الاحتياط "c" الموجود في المانيا الاليات التي اذا لم تبع تدمر في ارضها.
ان قيام الجيش الوطني على العقيدة المتقدمة الذكر ، مكن الجيش من تنفيذ المهام الوطنية الكبرى في حدود طاقاته وامكاناته ، فضلا عن مسألة بالغة الخطورة ، تتمثل في تمكين الجيش من المحافظة على وحدته في اخطر ظرف من الانقسام الداخلي . و الكل يذكر ان الجيش قبل هذه الهوية الوطنية و العقيدة الواضحة ، كان سريع العطب و الاهتزاز اذ انه انقسم على نفسه طائفيا و مناطقيا ثلاث مرات في اقل 12 سنة.
ان تغيير العقيدة الذي تريده اميركا اليوم ينصب على امرين : العدو و تبعاً له الحليف و الصديق ، و الثاني المهمة. فاميركا التي لا ترى في اسرائيل عدوا للبنان وتريد من الجيش ان يسقط هذا الامر من عقيدته في مرحلة اولاً ، ثم يطور العلاقة العسكرية مع اسرائيل الى تفاهم مرحلي يتبعه تنسيق و عمل مشترك ضد عدو مشترك تحدده اميركا . و عدو اميركا و اسرائيل اليوم هو الارهاب بمفهومهما ، و هو مصطلح غربي تخلط فيه اميركا بين المقاومة التي تتصدى للاحتلال الاميركي و الصهيوني للارض العربية و الاسلامية ، و بين عصابات الاجرام و القتل التي تعمل بمعظمها بتوجيه او تحفيز اميركي من اجل تشويه صورة المقاومة و تنفير الشعوب منها . و هنا توقف المتابعون مليا عند توصيف وزير الدفاع اللبناني لمهام الجيش اليوم بانها " مكافحة الارهاب " و "حفظ الامن " و البحث عن سلاح و و اعادة تنظيم للجيش بما يوافقهذه المهمة التي ضاعت عنها مهمة الدفاع ضد اسرائيل او تراجعت الى مرتبة متأخرة ، مواقف اعقبتها وشوشات حول وعود اطلقها بعض المسؤولين هنا و هناك باتجاه التغيير . مواقف اثارت السؤال هل ان الجيش اللبناني بدأ في تبديل العقيدة ؟انها هواجس تثار و نرى استحالة التغيير اليوم للاسباب التالية :
1) ان عقيدة االجيش هي ثمرة سياسة الدولة بكليتها ، و نتبيجة للقرار التوافقي الذي لا يمكن ان ينفرد به سياسي واحد مها كان شأنه و موقعه ، و الواقع السياسي اليوم يمنع ذلك .
2) لا يمكن لاي مسؤول ان يبرر للجيش تغيير عقيدته ، لان الخطر الاساس الذي يتهدد لبنان هو بالمنطق و بحكم الواقع و الحقيقة اسرائيل التي لا زالت تحتل الارض و تهدده صباح مساء ، و ان الجيش اللبناني بقدراته الحالية لا يستطيع منفردا ان ينجز تحرير ما تبقى و لا يدفع الخطر ان وقع ، و هو بحاجة الى المقاومة و لا يمكن ان يواجهها .
3) ان اي تحول جدي للجيش عن عقيدته حتى يكون كما تريد امريكا "اداة لمحاربة الارهاب بالمصطلح الاميركي" و ما يستتبع ذلك من مواجهة مع المقاومة التي تصنفها اميركا ارهاباً ، ان اي تحول سيعني بكل بساطة وضع الجيش في الاتجاه الخطأ و تعريضه للمصير المرفوض ، فاللبنانيون جميعاً حريصون على جيشهم و حريصون على وحدته و امن بلادهم و هذا الامن وهذه الوحدة لا استمرار لهما الا باستمرار العقيدة العسكرية اللبنانية الراهنة المؤكدة على العداوة لاسرائيل ، و المتناغمة مع الفريق الداخلي الذي يحارب اسرائيل و يرعبها – المقاومة – و التي تمد اليد لكل دولة تريد ان تساعد الجيش في مهامه ضد عدوه .
لهذا نرى ان الهواجس التي يثيرها تصريح او سلوك من سياسي او مسؤول و ان كانت جديرة بالاهتمام و الحذر ، فانها تبقى هواجس غير قابلة للصرف و التفعيل في ميدان التطبيق العملي ، فالجيش اللبناني الذي حفرت فيه السنوات الاربعون الماضية ابلغ الاثار ، و التي منها و من المنطق السليم والواقع اجترح عقيدته العسكرية فحدد عدوه بها و ضمن وحدته و حصنها لن يلبي طموحاً او رغبة لدى احد فيترك عقيدته و ينتحر ،و هنا ينوه بموقف رئيس الجمهورية الذي سارع الى قطع الطريق حول رغبات البعض او هواجسهم بالتغيير و قال برفض تغيير العقيدة العسكرية لا بل و استحالته ، كما نقدر لقائد الجيش موقفه الذي اكد فيه على جهوزية الجيش و تصاعد استعداده لدفع اي اعتداء اسرائيلي عن لبنان ، جهوز بوجه اسرائيل قبل اي شأن آخر و هذه هي المهمة الاساس وفقاً للعقيدة، قول يرفد كلام رئيس الجمهورية و يؤكده و يحسم او يجهض اي وعد او التزام يعاكسه.
اذن و بكل وضوح نقول ان عقيدة الجيش لن تتغير ، و نزع سلاح المقاومة مستحيل لان دواعي وجوده تتصاعد ، واما استعمال السلاح هذا فانه نسق منذ عقدين في استراتيجية عملية موضوعية اختبرت و نجحت و بعد ذلك قد يسأل ؟ لماذا لحوار الوطني اذن ؟ و هل انه لزوم ما لا يلزم ؟
جوابنا لا ... و اننا نريد الحوار بل يجب ان يتم الحوار و بقلب و عقل منفتحين على مصالح الوطن و من اجل القاء االحجة على من تحدثه نفسه بالعمل ضد المقاومة و لنصل في نهاية الامر الى الاقرار جميعاً باستراتيجية دفاعية قائمة على الثنائية العسكرية جيش و مقاومة و حاضنة عامة هي الشعب الذي ثنبثق منه سلطة تحفظ الجناحين خدمة للوطن وحده.هنا ينجح الحوار و بغيره نهدر الوقت و يبقى كل شيء مكانه .
|