لم تعد الزيارة الثانية لرئيس الحكومة سعد الحريري إلى دمشق، قائمة في الموعد الذي كان مقررا بدءًا من الثالث عشر من الشهر الجاري، وأرجئت مبدئيا حتى أيار المقبل، إلا إذا طرأ ما يستوجب التقريب أو التأجيل مجددا...
واذا كان تداخل المواعيد وتضاربها لبنانيا وسوريا، قد شكلا العنوان العريض الذي اندرج تحته تأجيل الزيارة، فإن هذا التأجيل يعطي من جهة فرصة إضافية لاستكمال الملفات التي سيحملها الحريري معه الى دمشق، ومن جهة ثانية، لاعادة تقييم المسار العام الذي تم سلوكه في فترة ما بعد الزيارة الاولى لرئيس الحكومة!
وبعدما دفن رئيس الحكومة الاصلاحات البلدية رسميا، أكملت اللجان النيابية المشتركة المهمة، وبات "على كل شاطر" في انتخابات "قانون الستين" البلدية "أن يفوز بشطارته" على حد تعبير نائب رئيس المجلس النيابي فريد مكاري، فيما بدا وزير الداخلية زياد بارود، محبطا مما آلت اليه الأمور ولو بتحقيق اليسير مما اقترحه في مشروع قانون الانتخابات البلدية وقد عبر عن ذلك بقوله لـ"السفير" "انا مستاء لا اكثر ولا اقل".
وفيما عكست مواقف الرئاسات الثلاث "الحرص" على اجراء الانتخابات في مواعيدها، بادر رئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط ، امس، الى التأكيد على الموقف نفسه. فيما كانت "ملهاة" اللجان النيابية المشتركة تتوج بقرار، بدا انه متفق عليه من قبل الكتل الكبرى، بالانتقال الى جلسة لاحقة للجان للشروع في دراسة مواد المشروع البلدي مادة مادة، ولكن من دون ان يحدد موعد الجلسة المقبلة، في ظل ترجيح ترحيلها الى ما بعد بدء الدورة الانتخابية الأولى في الثاني من ايار، وهو أمر همس به فريد مكاري لعدد من زملائه بقوله انه مسافر الى باريس ولن تكون هناك اجتماعات قريبة.
يعني ذلك عمليا، دخول القوى السياسية في المرحلة التحضيرية للانتخابات، حيث اكد الوزير بارود جهوزية قوى الامن الداخلي للقيام بدورها المطلوب منها في هذا الاستحقاق. الا ان اللافت للانتباه ما كشفته مصادر واسعة الاطلاع لـ"السفير"، من ان وزارة الدفاع وقيادة الجيش اللبناني وحتى الساعات القليلة الماضية، لم يتبلغا بوجوب الجهوزية لمواكبة الاستحقاق البلدي بما يتطلبه من اجراءات او استعدادات لوجستية او على مستوى العناصر التي يفترض ان تتوفر لتأمين سلامة العملية الانتخابية.
وفيما اكمل "حزب الله" وحركة "امل" جهوزيتهما لانتخابات بلدية تحالفية محسومة بينهما، ودخلا في مرحلة الاعداد النهائي للماكينات وكيفية تحركها في المدن والقرى المشتركة، قطع "التيار الوطني الحر" شوطا مهما في استعداداته، على ما قال النائب ابراهيم كنعان. وفي المقابل رفع تيار المستقبل جهوزيته على مستوى اماكن تواجده. فيما قال النائب جنبلاط لـ"السفير" انه لم يحرّك الماكينة الانتخابية الحزبية، وقد يترك الامر في مناطق الجبل وتحديدا في الشوف، الى تفاهم العائلات، "وسندعم أي تفاهم عائلي وسنسعى في الوقت ذاته الى تعزيز فرصة وصول النوعيات الجيّدة".
وتشكل المرحلة الاولى في جبل لبنان، محط الانظار، للحساسية السياسية التي تعتريها. فجنبلاط نأى بنفسه عن الدخول في معارك، تاركا باب التعاون مفتوحا مع "التيار الحر"، وفي الوقت نفسه مبديا توجسه من تفاقم الخطاب المذهبي في بعض مناطق الشوف.
وفي الوقت نفسه، ثمة حراك سياسي يحيط بالانتخابات المتنية، على قاعدة محاولة تقريب المسافات بين النائب ميشال عون ووزير الدفاع الياس المر. وتحدثت المصادر عن لقاءات قد تمت في فترة سابقة، ولقاءات اخرى يجري الاعداد لها في وقت قريب.
واذا كانت المرحلة الانتخابية البلدية الأولى في جبل لبنان ستكون "بيضة القبان"، نظرا لبعدها المسيحي، فان مواقف قوى أخرى وخاصة رئيس الحكومة سعد الحريري، ستضعها في لحظة اختبار بين الوقوف على الحياد او ان تكون طرفا فيها بدعم جهة مسيحية ضد جهة أخرى كما حصل في الانتخابات النيابية.
ويستعد تيار المستقبل، كما تقول اوساطه، لمعركة رابحة في صيدا لاسترجاع البلدية، حيث سجلت في الآونة الأخيرة حركة لقاءات ومشاورات مكثفة للنائب بهية الحريري التي اعلنت انه لن يكون مرشحون لا من آل الحريري ولا من تيار المستقبل وقالت: إذا كنا غير مرشحين فهذا لا يعني أننا لا نتحمل مسؤولياتنا، لكننا لا نريد أن نفرض على الناس شيئاً.
وفي المقابل، بدأ "اللقاء الوطني اليموقراطي" في صيدا الذي يتزعمه النائب السابق أسامة سعد سلسلة من النقاشات والاجتماعات تمحورت حول المجلس البلدي العتيد، خصوصاً بعدما أعلن سعد جهوزية كاملة لخوض هذه المعركة، فيما اكدت أوساط رئيس البلدية الحالي الدكتور عبد الرحمن البزري أنه غير مرشح.
وسجلت حركة ناشطة لماكينة تيار المستقبل في البقاع الغربي، واستعدادات ناشطة في الشمال. وعكست التحركات الجارية اتجاها الى توافق "متعدد الرؤوس" من ضمن البيت الواحد في مدينة طرابلس، بعدما قرر "تيار المستقبل" عدم التجديد لرئيس البلدية الحالي رشيد جمالي الذي نجح في صياغة موقف متوازن وفي تغليب البعد الانمائي على غيره من الأبعاد.
وترتدي بلدية العاصمة اهمية بالغة، وخصوصا ان المعركة فيها مسيحية بامتياز، الا ان الصوت السني هو المرجح فيها. على ان ذلك قد يضع الحريري امام مسؤولية حسمها إما في الاتجاه الصدامي بالتحالف مع مسيحيي "14 آذار" من دون الآخرين، وإما في اتجاه توافقي تتولد منه بلدية واسعة التمثيل الاسلامي والمسيحي، ومعنى ذلك التحالف مع "حزب الله" وحركة "امل" ومع فريق العماد عون وحزب الطاشناق. وهذا يعني عمليا التضحية بجزء كبير من حصة الحلفاء.
الا ان مصادر تيار المستقبل رفضت ان تؤكد امكان التحالف مع عون في بيروت. فيما قالت اوساط بارزة في التيار الوطني لـ"السفير" ان هذا الامر ليس مطروحا. وكشفت أن الموضوع البلدي، في بيروت ما يزال عنصرا خلافيا مع "المستقبل" بعدما اصر ميشال عون على تقسيمها الى ثلاث دوائر، وهو الامر الذي رفضه سعد الحريري.
وفي زحلة، قالت مصادر مطلعة في المدينة ان اتفاقا سيعلن في وقت قريب بين رئيس "الكتلة الشعبية" الياس سكاف والنائب نقولا فتوش اللذين سيخوضان معركة مشتركة في "مواجهة الزحف الحزبي الى زحلة".
من جهة ثانية، جدد النائب جنبلاط التأكيد على اهمية العلاقة مع سوريا. وقال ل "السفير" انه يتوقع ان تتطور علاقته مع الرئيس بشار الاسد "نحو مزيد من الدفء، وقد قررنا طي صفحة الماضي القريب والبعيد والتطلع الى المستقبل بروح إيجابية، وبالتالي فان العلاقة بيننا ستتعزز تدريجيا، خطوة بعد خطوة.. والمهم ان الطريق فُتحت".
وقال جنبلاط "لقد حددت ثوابتي المتعلقة بالمقاومة والعلاقة مع سوريا، وبالتالي فأنا اكون قريبا ممن يقترب منها، بمعزل عن التصنيفات القديمة.
واكد جنبلاط انه سيركز في المرحلة المقبلة على وجوب إخراج ملف سلاح المقاومة من النقاش وسحبه من التداول كليا، منتقدا تحويله الى مادة سجال واستثمار يومي، مشيرا الى انه لن يتردد في تظهير هذا الموقف على طاولة الحوار في الجلسة المقبلة في 15 نيسان.
وقال ان المطلوب حاليا تعزيز التنسيق بين الجيش والمقاومة، "وقبل البحث في اي أمر آخر ليبادروا أولا الى تقوية الدولة بحيث تصبح جاهزة لاي مواجهة مع العدو الاسرائيلي، وبعدها نتكلم في مسألة السلاح".
|