يلقي بعض المواطنين، ومعهم الكثير من الخبراء السياسيين أو العسكريين باللوم الشديد على القيادة السياسية والأمنية في البلاد، بسبب انسحابها من الجنوب اللبناني عام 2000، في عهد رئيس الوزراء الأسبق، إيهود باراك، ويتهمون هذه القيادة بالتهاون والاستعجال في ضرب حزب الله عام 2006، وعدم الاستعداد لهذه الضربة جيدا والتعامل معها بحزم، من أجل القضاء على حزب الله، الذي بات يمثل صداعا مزمنا لإسرائيل ولأمن مواطنيها.
والحاصل، فإن هذا اللوم بات يتصاعد وبشدة منذ المزاعم التي كشفت عنها مصادر أمنية عليا في البلاد، والتي أشارت إلى قيام سوريا بتهريب صواريخ سكود بعيدة المدى إلى حزب الله، والأخطر من هذا وجود مزاعم أمنية أكيدة تفيد صراحة بأن بعضا من هذه الصواريخ مزود برؤوس نووية، الأمر الذي يعني -وببساطة- إمكانية القضاء على العشرات من المواطنين الإسرائيليين الأبرياء، والأهم من كل هذا وذاك تكبيد الدولة خسائر فادحة لا حصر لها.
ومن هذا المنطلق، طرح الخبراء السياسيون عددا من الأسئلة المهمة حول ما أسموه: بجدوى الانسحاب من الجنوب اللبناني عام 2000، وهل كان يجب على إسرائيل القيام بهذا الانسحاب بهذا الوقت؟ والأهم من كل هذا هل حققت إسرائيل الأهداف المرجوة من العملية العسكرية التي قامت بها خلال حرب لبنان الثانية عام 2006؟
هذان السؤالان باتا -وخلال الفترة الأخيرة- من أكثر الأسئلة المطروحة على الساحة السياسية، خاصة إن وضعنا في الاعتبار أن هناك الكثير من الدلائل التي تشير صراحة إلى أن إسرائيل خسرت الكثير من وراء حرب لبنان عام 2006؛ حيث اعتمدت على ضرورة إنجاز الأهداف المحددة لها بأقل الخسائر البشرية الممكنة، واعتمدت على القيام بالهجمات الجوية المركزة، من أجل تحقيق الأهداف التي تم تحديدها للحرب، بحيث اضطرت القيادة العسكرية إلى تغييرها بعد حوالي سبعة أيام من الحرب، لتشمل أيضاً حملة برية واسعة.
والواقع، فإن خطة حرب لبنان الثانية وكيفية إدارتها كانتا موضع انتقادات شديدة من جانب الجمهور الإسرائيلي، ومن جانب الخبراء العسكريين الإسرائيليين، ومن أبرز المنتقدين لهذه الخطة الجنرال إسرائيل يتسحاقي، وهو أحد أبرز القادة العسكريين الميدانيين الذي رأى أن القيادة الإسرائيلية فشلت في تحقيق أهدافها خلال حرب لبنان الثانية، ولم تستطع أن تحسم الحرب جوا كما كانت تتصور، والأخطر من هذا أن الصواريخ التي كان يلقيها حزب الله على إسرائيل في ظل أوج الحرب كبدتنا الكثير من الخسائر الكبيرة، سواء من حيث الخسائر المادية أو البشرية؛ حيث أصيب الكثير من المواطنين من أبناء المناطق الشمالية بالذعر والخوف من جراء هذه الصواريخ، وما زال الكثير من هؤلاء المواطنين يعالجون نفسيا من هذا الخوف حتى الآن، رغم مرور ما يقرب من أربع سنوات على هذه الحرب.
ونتيجة للضغوط الكبيرة التي ألقيت على أولمرت بسبب هذه الحرب، والاتهامات التي وجهت إليه بأنه فشل في إدارتها سياسيا، واتهام وزير الدفاع آنذاك، عامير بيرتس، بالضعف السياسي وعدم القدرة على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب؛ فقد قررت الحكومة تشكيل لجنة فينوجراد للتحقيق في نتائج هذه الحرب، وهي التحقيقات التي انتقدت القيادة العسكرية العليا المتمثلة في هيئة الأركان التي خاضت هذه الحرب من دون وجود تخطيط شامل لتحقيق الأهداف العسكرية المرجوة من وراء هذه الحرب، والأهم من ذلك أن التقرير اعترف بأن إسرائيل أخطأت في رؤيتها وتصورها للأوضاع على ساحة المعركة.
الأهم من هذا، أن التقرير انتقد وبشدة أعضاء الحكومة الإسرائيلية، واتهمهم بالتقصير في استغلال أي إنجاز عسكري يتحقق وعدم استغلاله سياسيا، الأمر الذي انعكس في النهاية -وبصورة سلبية- على إسرائيل وصورتها بين دول العالم بأكمله؛ حيث ظهر حزب الله في صورة المدافع عن لبنان وشعبها من الاعتداءات الخارجية التي تقوم بها إسرائيل، وعرض الحزب وأجهزته الإعلامية الكثير من مشاهد القصف الجوي الإسرائيلي للمناطق المدنية، في الوقت الذي فشلت فيه إسرائيل -ورغم الإمكانات الإعلامية المتاحة لها- في مواجهة حزب الله بنفس السلاح، وعرض صور الخراب الكبير الذي لحق بالكثير من المدن الإسرائيلية بسبب صواريخ الحزب، واكتفت إسرائيل بالتأكيد على استهداف الحزب للمدنيين الإسرائيليين، وذلك عن طريق المتحدثين الرسميين، سواء في وزارة الخارجية أو في الجيش على حد سواء.
عموما ودون الخوض بصورة أعمق في هذه الحرب، فإن التجربة السياسية التي عشناها مع حزب الله بصورة خاصة أو العرب عموما تثبت أنهم لا ينسون الاعتداءات التي تعرضت لها دولتهم، سواء كان المعتدي إسرائيل أو أي طرف خارجي آخر، أو إن كان هذا الطرف هو طرف عربي، وأبرز دليل على ذلك وجود ما يشبه التوتر بين العراق والكويت، رغم مرور ما يقرب من العقدين على احتلال الأولى للثانية، والإطاحة بالرئيس العراقي المخطط الرئيس لهذه الحرب.
وتشير كافة الدلائل إلى أن حزب الله لن ينسى هذه الحرب، وسيرغب في الانتقام بصورة أو بأخرى من إسرائيل، خاصة أن العديد من الأحداث السياسية والتطورات التي تجري على الساحة اللبنانية تثبت صراحة أن حزب الله بات يفقد بريقه بسبب انعدام المقاومة، وعدم وجود عدو يحاربه، ويستمد من وراء هذه الحرب الشعبية التي يحتاجها، والأهم من هذا أن الحزب -وكما سبق أن ذكرنا- يقوم بتزويد نفسه بالسلاح والصواريخ، وهو شيء خطير للغاية، خاصة إن وضعنا في الاعتبار أن الكثير من القوى السياسية اللبنانية تتهم الحزب بأنه تسبب في الكثير من المشاكل الأمنية لإسرائيل، من وراء هذه الحرب التي هزم فيها، وتسبب في الكثير من الكوارث الأمنية للبنان بسببها، الأمر الذي يفرض عليه ضرورة الاعتراف بهزيمته في الحرب.
عموما، فإن هذه الأسئلة المطروحة بالتزامن مع ذكرى الانسحاب الإسرائيلي من لبنان عام 2000، واقتراب الذكرى الرابعة للحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2006 تثبت أن هناك الكثير من الحقائق التي يجب أن يتم حسمها قريبا في إسرائيل، وهي الحقائق التي لا يمكن وبأي حال من الأحوال تجاهلها خاصة في هذه الأيام، التي تتزايد فيها قوة حزب الله وبأسه بين الفصائل اللبنانية
|