يمثل موت تموز وقيامته أولى الملاحم السومرية والبابلية التي تظهر الصراع بين الحياة والموت.
إذا كانت قوى الشر وشياطينها قد استطاعت أن تنهي حياة إله الحب والخصب "دوموزي" أو تموز, فذلك ليس سوى لفترة محدودة، لأن القيامة ستأتي سريعاً لتعيد دورة الخصب والحياة, بواسطة ابن الحياة وهو معنى كلمة تموز في اللغة السومرية واللغة البابلية.
ملاحم الصراع بين قوى الحياة وقوى الموت تجسّدت في تاريخ الهلال السوري الخصيب, في الأساطير وفي المعتقدات الدينية وفي التاريخ الواقعي للنضال ضد الظلم والعدوان, قديماً وحديثاً. من ملحمة تموز وحبيبته إنانا إلى أدون (أدونيس) السيّد وحبيبته عشتروت. ومن عقيدة الفداء في المسيحية التي تستند إلى موت يسوع وقيامته, إلى عقيدة الجهاد والشهادة في الإسلام والسيرة الكربلائية في ملاقاة الموت دون خوف أو وجل لمواجهة الطغاة والظالمين.
يظهر تاريخنا القديم والحديث أن قيم الشهادة والتضحية هي جزء أساسي في بنيتنا النفسية وهي مغروسة في وجدان الغالبية الساحقة من شعبنا. ولكن كما في سائر الأمم ثمّة من يبيع نفسه لقوى الشر وشياطينها, فيرتهن للعدو خوفاً من جبروته, أو طمعا في إغراءات ومناصب, أو لقاء حفنة من مال.
"الحياة كلّها وقفة عزّ فقط ".
هكذا، ببلاغته المميّزة عرّف أنطون سعادة الحياة. الحياة كلّها, وليس جزءاً منها أو معظمها, هي كلّها وقفة عزّ فقط.
أي تراجع عن وقفة العزّ في مسيرة الحياة يعني القبول بالذلّ, والسقوط في فخ المساومة والهبوط إلى مهاوي العيش.
هذه هي الأبجدية الأولى في فهمنا للحياة وفي التزامنا نهج المقاومة قدراً لا محيد عنه.
في مقال لسعادة سنة 1925 أي قبل تأسيس الحزب بسبع سنوات, يقول فيه: "لا يخيف أصحاب الحركة الصهيونية التهويل من بعيد والجعجعة, بل الشيء الوحيد الذي يخيفهم هو الموت. ولو وجد في سورية رجل فدائي يضحي بنفسه في سبيل وطنه ويقتل بلفور, لكانت تغيّرت القضيّة السورية من الوجهة الصهيونية تغيّراً مدهشاً. فإن الصهيونيين عندما يرون أن واعدهم بفلسطين قد لقي حتفه يعلمون أنهم يواجهون ثورة حقيقية على أعمالهم غير المشروعة".
وفي هذه الأبجدية التي حفرها سعادة في عقولنا وقلوبنا ما يناقض منهج الاستعمار في نظرته إلينا وتعامله معنا.
الاستعمار قسّمنا إلى كيانات وأقام أشباه دول وفق إرادته وخدمة لمصالحه ومطامعه, ونظر إلينا ولا يزال أننا قبائل وطوائف ومذاهب وعشائر.
نحن في أبجدية سعادة, شعب واحد وأمة واحدة ومجتمع واحد لأننا نشترك في حياة واحدة, قضيتنا واحدة ومصيرنا واحد وعدوّنا واحد.
لا حياة لنا إن لم تكن إرادتنا هي الفاعلة في الحياة ولا حرية لنا إن لم نكن من أمّة حرّة.
في أبجدية الاستعمار وأتباعه نحن كيانات متباعدة وطوائف متناحرة وعشائر وإتنيات متصارعة. هذه هي الذهنية الطائفية التي يعمل على ترسيخها المستعمر الشيطان الأكبر, لكي يشلّ قدرات الأمّة ويقضي على فاعليتها, يساعده في ذلك الشياطين الصغار الذين رهنوا وجودهم السياسي ومستقبلهم بالتحالف بين العمالة وشحذ العصبيّات الطائفية والمذهبية.
الذهنية الطائفية تنتج عبودية وفساداً وموتاً ولا يمكن أن تنتج حرّية وصلاحاً وحياة حرّة وكريمة.
لذلك لم يكن مناص أمام أصحاب هذه الذهنية, أرباب النظام الطائفي العفن, إلاّ الاستماع إلى أسيادهم في الخارج, وتنفيذ قرار الاغتيال بحق أنطون سعادة في 8 تمّوز 1949.
لن يستطيع باتريك سيل أن يعفي يهوذا الاسخريوطي من فعل الخيانة, ولا أن يمنح شهادة في الوطنية والقومية لكل من ساهم في اغتيال باعث النهضة القومية.
سعادة حيّ في قلوب أتباعه ومحبّيه وفي قلوب كل الأحرار في الأمّة والعالم. وقد ترك كنزاً لا تحرقه النار, كنزاً لا يفنى: كتاباته, سيرته وشهادته, حزبه ومؤسّساته. أما الذين اغتالوه فلا يسمع بهم أحد ولن تنفع مليارات الدولارات لإحياء ذكرهم إلاّ للقابضين المرتشين, لحظات قبض المال.
ستبقى كلمات سعادة أبجدية الكلمات وستبقى دماؤه منارة المنارات.
وسنبقى على نهجه نردّد معه "الحياة كلها وقفة عزّ فقط ".
|