شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2010-08-06
 

بيئة العمالة

يوسف كفروني - البناء

قبضت الأجهزة الأمنية على مئة عميل ونيّف من مختلف المناطق والطوائف والمذاهب في لبنان, ومن مختلف المستويات الاجتماعية, وذلك خلال فترة زمنية قصيرة.

مع احتساب العملاء الفارين, والنائمين وغير المكتشفين بعد, نتساءل ما هو الحجم الذي تبلغه الخيانة والعمالة في هذا البلد الصغير؟

تنتشر العمالة في كل بلدان العالم, ولكن بنسب ضئيلة ومحدودة جداً, أما في لبنان فقد فاقت كل تصوّر ولا مثيل لها في أي بلد آخر.

إنها ظاهرة بالغة الدلالة والخطورة وتستحق التوقف والتأمل والدرس.

تشير هذه الظاهرة إلى مسألتين خطيرتين:

أولاً - إلى حرب كبيرة مفتوحة ضدنا.

ثانياً – إلى بيئة خصبة مؤاتية وحاضنة للعمالة.

حرب الجاسوسية يقودها الموساد وتسانده منظومة الدول الغربية, وعلى رأسها أميركا, بأجهزة استخباراتها المنتشرة في العالم ومن خلال سفاراتها في لبنان المتمتعة بحرية الحركة واتساعها دون حدود وضوابط, والتي تشكل للموساد وعملائه مرتعاً خصباً.

وهي حرب حقيقية بكل معنى الكلمة وهي أخطر من الحرب العسكرية المباشرة. لذلك ينبغي تشكيل محكمة طوارئ خاصة بحالات الحرب لتحاكم علنياً وبصورة سريعة وحاسمة كل الخونة والعملاء.

إن انكشاف العملاء على الساحة اللبنانية بهذا العدد الكبير يؤشّر إلى بيئة حاضنة للعمالة.

وهذه البيئة لا تقتصر على طائفة دون أخرى ولا على منطقة دون سواها.

ثمة بعد فردي – نفسي في الدافع للعمالة.

وثمة بعد آخر اجتماعي, وهو الأخطر إذ يشكل البيئة الخصبة للعملاء.

على المستوى الفردي – النفسي, ومن الناحية السيكولوجية تراعي المخابرات نقاط الضعف في الشخص الذي يراد تجنيده، وتدرس جيداً السمات الشخصية والمزاجية له. وهناك ثلاثة أساليب رئيسة تستخدمها للتجنيد، وهي: الجنس والمال والعاطفة، (سواء أكانت الغضب والانتقام او الأيديولوجية). إن فكرة التجنيد لدى المخابرات تشبة دحرجة صخرة عن تلٍ عالٍ، يتم أخذ شخص وجعله تدريجياً يقوم بشيء مخالف للقانون او للأخلاق، ويتم دفعه منحدراً عن التل حيث يتهاوى مسرعاً في خطوات العمالة دون قدرة على التوقف.

من الناحية الاجتماعية ثمة ضعف كبير وغياب خطير للهويّة القومية والوطنية. والعصبيات الطائفية المتصادمة تتآكلها في الداخل أيضاً عصبيات عشائرية وعائلية. وعلى هذا الأساس تنشر المؤسسات الاجتماعية والتربوية والاقتصادية والمالية والثقافية والسياسية.

ضعف الولاء الوطني والقومي يعزّز الشعور بالضعف, وغياب الثقة بالنفس يدفع إلى الاستلحاق والاستتباع بالأجنبي على المستويات كافة. الاستتباع الذيلي في السياسة والرأسمال, في الاقتصاد والثقافة والفن.

ثقافة الانعزال والخوف من المحيط وثقافة الاعتماد على الأم الحنون الأجنبية: فالصديق هو الأجنبي والعدو هو العربي والسوري تحديداً.

هذه البيئة المنعزلة طائفياً والمهزومة نفسياً, الفاقدة للثقة بالنفس والمستسلمة للأجنبي, هي بيئة مريحة لتحرك الجواسيس والعملاء وحاضنة لهم.

الانسان الطائفي هو خائن بالقوّة, ومن السهل جداً تحويل هذه القوّة إلى فعل خاصة في ظروف الشحن والتعبئة الطائفية.

حين يتم تغييب العداء مع الكيان الصهيوني وهو العدو الأوحد, من قبل قادة سياسيين ودينيين وحركات سياسية كبيرة, وتوجه سهام العداء إلى حركات سياسية مقاومة لهذا العدو وإلى النظام السوري والنظام الإيراني الداعمين لحركات المقاومة, سيؤدي ذلك حكماً إلى إيجاد مناخ ملائم لحركة العملاء ونشاطهم.

خلال السنوات الماضية هل سمعتم بيانات صادرة عن جهات دينية أو سياسية, في الفريق الموالي للغرب, تندّد بالاعتداءات الصهيونية اليومية وتحذّر من الخطر الصهيوني، أم على العكس من ذلك, لم يكن من همّ لديهم إلا إضعاف المقاومة ونزع سلاحها؟

الطبقة السياسية التي تحكّمت بلبنان منذ إنشائه على يد الجنرال غورو 1920 لم تبن مجتمعاً ولا دولة, بل مزرعة طائفية عائلية، بل استسلمت لمشيئة وإرادة الاستعمار الأجنبي الإنكليزي – الفرنسي في ذلك الحين, والأميركي لاحقاً. مع محاولة التماهي بثقافته باعتباره المجتمع "المتمدّن" و"المتحضّر".

كان التعامل مع الأجنبي مجال تفاخر وتباه عند "كبار القوم" دينيين وسياسيين ولا يزال.

وقد بدأ التعامل مع الحركة الصهيونية قبل اغتصاب فلسطين, وتندرج في إطاره شخصيات دينية وسياسية متنوعة ومتعدّدة.

وجرت محاربة كل فكر وكل حركة مناهضة ومقاومة للإرادة الأجنبية, واضطهد أتباعها وحوربوا بشتى الوسائل, فقتل من قتل وأعدم من أعدم, فيما الجواسيس والعملاء يسرحون ويمرحون.

عندما لا يحاسب العملاء الذين تسبّبوا بتعذيب وقتل العشرات والمئات والآلاف من اللبنانيين, أو يحاسب بعضهم بعقوبات خفيفة ورمزية, وعندما يجد هؤلاء من يدافع عنهم ويبرّر جرائمهم من القادة السياسيين والقادة الدينيين, ألا يشجّع ذلك على المزيد من الخيانة والعمالة؟

عندما لا يشعر العميل وأهله ومحيطه بالخزي والعار ويظلّون شامخين برؤوس فارغة وعجرفة وقحة, ألا يشكّل ذلك بيئة حاضنة للخيانة والعمالة؟ .



 

جميع الحقوق محفوظة © 2026 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه