| شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2010-08-30 |
تحليل آخر لل D.N.A عن الفرق بين التوطين في المصرف وبين التوطين في البلد |
|
تسمو الديمقراطية الحقيقية عادة عندما يلجأ المرء في البلاد الحرة والمتحررة إلى الحوار البنّاء مع مواطنيه ، فتنطلق الأحاديث عن أي موضوع كان ، إما ضمن حوارات هادئة إما من خلال سجالات حامية ولكنها في النهاية تبقى داخل إطر محددة تفرضها ضوابط معيّنة ؛ فإذا كانت المقولة الشائعة بين الناس هي أن لكل حادث حديث فالأمر الثابت في لبنان أن لكل حديث يمكن أن يستتبع له حادث وإن تأخر حدوثه فيبقى دائماً مرتقباً ؛ وموضوعنا اليوم هو عن التوطين وهوموضوع كل يوم منذ أكثر من ستين عاماً ، ساعة يخبو وساعة يطفو وتبقى حماوته تتراوح تارة بين معتدلة وخفيفة ، لتصل في بعض الأحيان إلى أوضاع متردية ومخيفة . إذاً ، إن موضوع التوطين في لبنان هو قديم يتجدد مع كل طرح يتعلق بالقضية الفلسطينية ، إما لحلها وإما لتعقيدها وكل ذلك تبعاً للتأثيرات الخارجية العالمية و الإقليمية منها ، وكل ذلك يتم بشكل ضغوطات خفية أحياناً وعلنية أحياناً أخرى ، إذ لا فرق ولا همّ لهذا العالم إن كانت طريق فلسطين تمر في جونية أم في عيون السيمان أم في الضاحية أم في الطريق الجديدة ، المهم قطعاً أن لا تمر، لا في القدس ولا في تل أبيب ولا في كريات شمونة !! ولمعرفة ما هو المقصود من إطلاق كلمة " التوطين " التي تترادف فيها مع إسم آخر دون أن يتناسبا في الماهية أو الهدف كعبارة توطين فواتير المياه أوالهاتف أوالراتب أو المحمول أو الأرضي كما لا ننسى توطين فواتير تقسيط الشقة والبراد والغسالة والبريستو وحتى آخر سفرة لبنت الجيران إلى شرم الشيخ والغردقة ... ولن أذهب إلى أكثرٍ معيبٍ من ذلك حتى لا يقال أنني خرجت أنا أيضاً عن الموضوع كما خرجت عبارة التوطين عن معناها ، لكل ذلك وجب بالطبع شرح عبارة التوطين مع الفرق بينها وبين التجنيس ليتمكن القارىء العزيز من إتخاذ الموقف المناسب من ذلك ، وعليه ، وطبقاً لشروحات جارتي التي تحمل ثلاث جنسيات مختلفة والتي تهوى الإستحصال على المزيد منها من الدول التي تنتقل إليها لتعيش فيها لفترة متوسطة نسبياً ، فإنها تقول أن التجنيس هو إستحصال شخص ما على جنسية أخرى من غير بلده الأصلي لقاء توافر شروط معينة دون أن يعني ذلك الإقامة النهائية فيه ، إذ يحتفظ مبدئياً بمقامه الأخير ضمن وطنه الأصلي ، وهذا يختلف بالطبع عن عبارة " التوطين " المشتقة من كلمة " وطن " والتي تعني غرس فئة من البشر في أرض وطن آخر غير وطنها الأصلي ، لعلة أن ليس لهذه الفئة وطن أم لم يعد لها وطن ، وتتكون هذه الفئة عادة من مهاجرين أو من لاجئين ، حيث ينطبق الجزء الثاني من هذه الفئة على وضع الأخوة اللاجئين الفلسطينيين في وطننا ، ولهذا يقوم " الدي ان آي " وهو الإسم الثلاثي في اللغة الأجنبية لمحسوبكم كاتب هذه المقالة بمقاربة الموضوع ضمن خطوطه العريضة ومن الناحية المبدئية فقط ، تعليقاَ على توطين العديد من فواتير الرسوم والسلع المتنوعة والمغزى من وراء ذلك ؛ فالسؤال المطروح من قبلي بكل بساطة ، هل إن من أطلق عبارة " التوطين " وطرحها في التداول بهذا الشكل الجارف على غالبية مفاصل حياتنا الإستهلاكية كان هدفه بريئاً أم بإشتراكه بالجرم كان جريئاً ؟؟ فالسؤال نطرحه لمرارة التجارب التي مررنا بها كون تنفيذ المكائد يتطلب غالباً دخولاً هادئاً دبلوماسياً إلى عقول الناس لتخديرها بعد تبيان فشل تنفيذ المؤمرات بالوسائل العسكرية ، وهذا الأسلوب الهادىء المتمادي الذي كانت تستعمله بريطانياً سابقاَ راعية وعد بلفور ، تستعمله إسرائيل حالياً وتنفذه على عدة مراحل لتصل إلى مبتغاها وهو تفتيت الوطن العربي عامة وتوطين الفلسطينيين في أماكن تواجدهم لتتهرب هي من حق الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم ، وحتى أكثر من ذلك فإن عرب عام 1948 مرشحون لإخراجهم من فلسطين المحتلة من قبل الطاقم الإسرائيلي المتشدد الحاكم حالياً ، لذا تابعوني لنرى كيف كانت تتصرف بريطانيا سابقاً وكيف يتصرف الكيان الصهيوني حالياً ؟؟؟ فبريطانياً كانت تخدر العقول للسيطرة على البلد الذي تستهدفه بعد إستفاقة الشعوب من سباتها واستحالة إخضاعها بالقوة بعد قيام النزعات التحررية المسلحة المطالبة بإستقلال بلادها ، فاعتمدت لذلك اسلوبين مهمين يتفاعلان مع بعضهما البعض ويتكاملان ببعضهما البعض ، الأول على الهواء والثاني على الأرض ، ففي الأسلوب الأول توجهت بريطانيا منذ الخمسينيات على أثير إعلامها الذكي والماكر في نفس الوقت ، إلى البلدان التي كانت تحت سيطرتها أو ضمن نفوذها ، معتمدة على إذاعتها الذائعة الصيت حينها المعروفة بالــ " البي بي سي " ، فكانت أخبارها مضرب مثل في دقة مواعيدها وفي كشفها لأدق التفاصيل حتى ولو كانت تختص بأسرار يمكن أن تضر بسمعة الأسرة المالكة أو بحكومتها ، ومن خلال تلك الأخبار التي كانت تصورها على أنها موضوعية ، تمكنت من التسلل إلى عقول مستمعيها في شتى البلدان ، وفي أي وقت كان يحين موعد تنفيذ أية مؤامرة ، كانت تبث تلك الإذاعة خبراً مثيراً عن هذا البلد أو ذاك تمهيداً للمباشرة بالتنفيذ وحتى لو كان حدوث الخبر بحد ذاته مستحيلاً أو أقله مستغرباً ، فكان كل من إستمع إلى تلك الإذاعة يردد الخبرالمستهجن بدوره أمام غيره بثقة تامة مؤكداً إياه بقوله " ولو، هيك قالت البي بي سي ".. أما في الأسلوب الثاني على الأرض ، فقد ساهمت أيضاً بواسطة إستخباراتها في ترويج الممنوعات المتنوعات ، من بيعها للسلاح للفئات المتخاصمة في البلد الواحد ، إلى فحش الليالي لسافر المنوّعات وإلى التفشّي الخطير لآفة المخدرات ، وهكذا ضربت مجتمعات تلك البلدان ومنعتها عملياً من التواصل مع غيرها من البلدان لمؤازرتها في مِحنِها حتى تبقى بحاجة دائمة إلى المساعدة البريطانية أما الكيان الصهيوني ومنذ وجوده ، فإنه يتّبع نفس الأسلوب ولكن بشكل مواز مع عملياته العسكرية التي لم تعد مؤثرة بعد هزائمه المتكررة في لبنان ، فتساهم إستخباراته بواسطة الإعلام العالمي من صحافة مقرؤة وبالصوت مسموعة وبالنظر مقشوعة بإشاعة أخبار كاذبة تنسبها لمصادر شتى بغية تسميم الأجواء تحضيراً للفتن ، وبالمقارنة أيضاً تتساوى هي بذلك بالمعادلة المعروفة سابقاً عن بريطانيا لمبدأ " فرِّق تسد " ؛ وعليه ، وفي العودة إلى مقاربة موضوعنا اللبناني ، فلا بد أن نعترف من أننا مخترقون في أكثر من مجال خاصة في مجالي الإعلام والأمن عامة ، وحالياً في مجال الإتصالات التي أصبحت في أيامنا هذه أهم ركيزة لتوطيد الأمن ، أو للإخلال به ، وصولاً إلى الحرب المفتوحة ؛ فكما تكلمْت عن طريقة تخدير العقول أعلاه ، لا بد من لفت الإنتباه إلى التعبير الخطأ أو إلى الخطأ في التعبير أو حتى الخطأ المقصود ، إذ لم نعد نعرف بالنوايا إن كانت صادقة أم مارقة بعد الذي تم كشفه عن مجموعات من العملاء في خلايا مستيقظة فاعلة ، وأخرى منتظرة نائمة وأخرى مستلقية ناعسة ، أي بين بين ، بين رغبتها بالعمل في العمالة وبين عجزها عن التنفيذ ؛ فما هو هذا التعبير الخطأ وأين تكمن خطورته وماهي مفاعيله ؟؟ الجواب على هذا السؤال واضح وصريح وإلا ما معنى التوطين في المصرف بغية تسديد فواتير إستهلاكية لرسوم معينة أولسلع إشتراها أحدهم أو إشترتها زوجته ؟؟ فإن من أطلق هذه التسمية لسداد دين ما على أحدهم ، ألم يكن بإمكانه إيجاد عبارة أخرى تفيد موضوع السداد بدل" التوطين"؟ كمقام السند مثلاً ، أو مسكنه ، أو موقعه أو تمركزه أو مركز فوترته أو مركز سداده أو ساحته أو بطيخه ، فيمكن أن يَصلُح أي تعبير كان ، إلا تعبير " التوطين " في هذا المجال تحديداً ، فهو بهذا ، ليس له لا فكهة ولا نكهة ، ويجب معرفة خلفية من كان أول من أطلق هذا التعبير وبالتالي من أجبر الآخرين على إعتماده وعلى فرض تداوله ؟؟ وكوني تكلمت أعلاه عن التعبير الخطأ فلا بد من الإشارة إلى أن ما من إنسان يرمي عبارة ما إلا ويكون له من ورائها مقصداً صريحاً أم خلفية مستترة ، ولكن المقصد الصريح يمكن أن يصاغَ بتعابير دبلوماسية لائقة منتقاة ، وسأذهب مثالاُ على ذلك إلى أسفل درجة منحطة بالتشبيه لأبيّن للمتتبع العزيز وجهة نظري ؛ فمن حسن اللياقة على الشاب الذي يدعو فتاة الهوى للخروج معه ، أن لا يقول لها صراحة تعالي معي لنمارس الجنس أو لنعمل كذا وكذا ، بل عليه أن يسألها عما هو رأيها بالخروج سوية لإرتشاف فنجان قهوة أو كافيه بلان إذا كانت القهوة تضرّها ، علماً أن من يدعوها إلى ذلك يعرف جيداً أن التي تمضع العلكة على طريقة الفم المفتوح والصدر الواسع ولا تلبس إلا العناوين مما يفترض أن تكون ثياباً ساترة ، والتي تقف على الرصيف في العاشرة ليلاً ، فهي بالطبع لا تنتظر مرور باص المدرسة ليقلها ، حتى ولو كانت المدرسة ليلية ؛ ولهذا يكون مطلوب إذاَ الدخول السيكولوجي إلى أي موضوع حساس بإستعمال المعايير والتعابيرالدبلوماسية ، ودائماً شرط أن يكون الهدف صريحاً وليس بخلفية مستترة ، إذ أن التجارب مريرة ، والأسلوب هو نفسه ، إذ يبدأ رويدأ رويداً بإستعمال عبارات لطيفة لتقريبها من متناول الناس حتى تصبح أليفة لديها ، وتكون هذه مرحلة التنغيم والتلحين ، محضّرة بذلك لمرحلة التدجين للوصول في النهاية إلى هدف التوطين ، حتى يأتي يوماَ يقال فيه للسياسيين والمواطنين معاً " لقد وطّنتم هاتفكم وراتبكم ومياهكم وبرادكم ومنزلكم وحتى مصاريف سفرتكم ... الخ ، ولم يبق شيئاً لديكم لم توطّنوه سوى هؤلاء اللاجئين المساكين ، فلماذا لا توطّنوهم وتنتهون من المشاكل المزمنة لقضيتهم " ؟؟ ولكننا قد حفظنا هذه الأمثولة من كافة دول الغرب ومن بعض أنظمة الشرق بما يخص القضية الفلسطينية ، من أن سياساتهم تبدأ أولاً بالتمييع لتمر لاحقاً بمرحلة التطويع لتصل في النهاية إلى مرحلة التطبيع ( وهذا ما حصل مع بعض العرب ) وإن من يرفض سياساتهم بقبول التوطين ، كلبنان مثلاً ، يكررون دائماً عليه محاولة التركيع ... التي لن تنجح أبداً بعون الله ؛ وما خصّني شخصياً هو رفضي المطلق لإطلاق عبارة التوطين في المصرف بدل إكتفائي بالتحفظ عليها لخشيتي يوماً من تحويل بعض الأموال الفائضة في المصارف والمخصصة أساساً برسم التعويض عن حق العودة والمودعة من قبل جهات تنتظر أمر المباشرة لتبدأ بدورها بأمر التحويل . إن طبول التوطين تقرع بقوة رغم عدم تصديق البعض ، فلا تترقبوا " الصوت " العربي المدوي حتى لا نلقى " الصمت " العربي المخزي إذ أن التغيير إقتصر لدى بعضهم على التغيير المناخي فقط وليس على التغيير المخاخي الذي ينتج فكراً وبُعد نظر. فبإسم دِيننا المسلم والمسيحي ، وبحجم دَيننا المالي البالغ ستين مليار دولار ، نقول نعم لقضية حق العودة إلى فلسطين ولا لقضية التوطين ، فإذا كان نجيب عازوري أول من حذّر العرب من الخطر الصهيوني في كتابه " يقظة الأمة العربية " الذي صدر في باريس عام 1905 ، فإن إبن عائلته محسوبكم دياب عازوري وبكل تواضع هو آخر من يحذّر العرب والعالم أجمع من خطر التوطين ، فصحيح أن لبنان قلبه واسع يتسع لمحبة الجميع ولكن رقعة أرضه صغيرة بالكاد أن تستوعب مواطنيه ، فكيف إذاً لو أعددنا عودة مهاجريه ؟؟ نعم نحب فلسطين ولن نتخلى عن حقوق شعبها في أرضها ، فعلى أرضها بيت لحم والمسجد الأقصى ، فبتأييدنا لحق العودة نكون فعلاً مع عودة الحق . * محامي وكاتب وباحث |
|
جميع الحقوق محفوظة © 2026 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه |