إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

مقدمات.. ونتائج

محمد السهلي

نسخة للطباعة 2010-09-01

إقرأ ايضاً


يهدد المفاوض الفلسطيني بمغادرة قاعة المفاوضات فيما إذا قامت إسرائيل بمباشرة البناء الاستيطاني في الضفة. ولا نعلم هنا مصدر القوة التي ستجعله ينفذ تهديده وهو الذي لم يستطع أن يوجد أي صدى لمطالبه بشأن الاستيطان ومرجعية المفاوضات في بيان اللجنة الرباعية الذي صدر مؤخرا.

ويزداد موقفه صعوبة وتعقيدا مع تغييب دور الرباعية كجهة مفترضة للدعوة للمفاوضات وقد حلت محلها واشنطن على لسان وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون التي تجاهلت عن عمد الإشارة إلى بيان الرباعية ولم تجد ما تؤكد عليه سوى أن المفاوضات يجب أن تكون غير مشروطة، والمقصود طبعا إسقاط المطالب الفلسطينية في الوقت الذي أكدت مجريات الأمور أن هذا وقع نزولا عند اشتراطات نتنياهو.

فإذا كانت أوساط نتنياهو تعتبر أن انطلاق المفاوضات في سياقها هذا فوزا بالنقاط سجله رئيس الحكومة الإسرائيلية، فإنها تنتظر فوزا متمما في حلبة التفاوض.. ولكن هذه المرة بالضربة القاضية.

فقد بدأ بنيامين نتنياهو في إعلان رؤيته لمستقبل المفاوضات ونتائجها وقد حدد ما أسماه ثلاث لبنات تجب أن تقوم عليها هذه المفاوضات مشددا على أولوية الترتيبات الأمنية ويعتبر نزول الجانب الفلسطيني عند التصور الإسرائيلي في هذا المجال يشكل مفتاح نجاح التسوية السياسية. ومن الواضح أنه يرى في فرصة المفاوضات هذه والإطار الذي يحكمها ميدانا سيسعى فيه لتحقيق مكاسب غير مسبوقة يدعمها الترسيم الذي يمكن أن تحظى به من أوساط دولية وإقليمية.

فتحت عنوان الترتيبات الأمنية سيبقى الاحتلال العسكري الإسرائيلي جاثما في مناطق واسعة وهامة من الضفة الفلسطينية وبشكل خاص في غور الأردن على امتداد الحدود الشرقية للضفة الفلسطينية بغض النظر فيما إذا جاء ذلك عبر إعادة توزيع قوات الاحتلال أو كان بعقد إيجار لمدة طويلة وقابل للتمديد على أساس أن المسوغات التي أدت إلى إجازة هذا الوجود لم تنته. وقد طرح هذا الأمر في فترات سابقة ومن قبل حكومات إسرائيلية عدة. وإذا أضفنا هذا الأمر إلى الرؤية الإسرائيلية لمستقبل الاستيطان فإن ضم الكتل الاستيطانية الكبرى سيضعنا أمام مشروع دولة استيطانية في الضفة الفلسطينية بكل ما يعني ذلك من اقتطاع لمساحات واسعة ونوعية من أراضي الضفة والسيطرة على ثرواتها الطبيعية. يضاف إلى ذلك مدينة القدس التي استثنيت بالأساس من التجميد الجزئي للاستيطان وهي تعتبر ضمن الرؤية الإسرائيلية خارج إطار التسوية السياسية المطروحة. على ذلك، سنكون أمام مشهد لتجمعات فلسطينية محشورة ضمن هذا المثلث.

وهنا لا يجد الحديث أساسا عن قيام دولة فلسطينية مستقلة كنتيجة للمفاوضات طالما حُجبت عنها المرجعيات المطلوبة ولم يقترن انطلاقها ومسارها بالتشديد على الوقف الشامل والتام للاستيطان. وبهذه الآلية لا توجد قيمة عملية لما أكدت عليه اللجنة الرباعية الدولية في بياناتها السابقة من أن هدف المفاوضات «إنهاء الاحتلال الذي قام في العام 1967».

ولا يبدو الحديث عن مسألة الحدود في هذه المفاوضات مجديا لأن ما هو مطروح من ترتيبات أمنية بالإضافة إلى ضم الكتل الاستيطانية سيجعل من مسألة الحدود شأنا إسرائيليا خالصا لأن تل أبيب ترسم عمليا مجالات سيطرتها من خلال رسم خريطة تواجد الجيش والمستوطنين وبعد ذلك تترك ما تبقى للفلسطينيين.

وعندما يطرح بنيامين نتنياهو أن الدولة الفلسطينية القادمة يجب أن تكون منزوعة السلاح، فهو يتفق في هذا مع الرؤية الأميركية أساسا تجاه هذا الموضوع. وهو يرفض تواجد قوات دولية في أراضي الضفة لأنه يعتبر أن أمن إسرائيل يبدأ من حولها وليس من داخلها. لذلك يعطي لإسرائيل الحق الحصري في متابعة هذه المسألة من خلال زرع أجهزة إنذار مبكر في مناطق إستراتيجية في الضفة الفلسطينية والاحتفاظ بحق الطلعات الجوية فوقها متى وعندما تريد ذلك، وهي تراقب الحدود مع الأردن ليس فقط من خلال وجود جيشها بل وعلى المعابر من خلال المراقبة الدائمة لكل من وما يدخل من الضفة ويخرج منها.

وفي إطار الشروط التي يرى أنها عوامل نجاح المفاوضات، يطرح على الجانب الفلسطيني ضرورة الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل لأنه يعرف أن هذه المسألة ستعني إخراج قضية اللاجئين الفلسطينيين عن سكة قرارات الشرعية الدولية وخاصة القرار 194، وقد طرح بشكل صريح في اجتماع حكومته (22/8) أن حق عودة اللاجئين يجب أن يحسم في تخوم الدولة الفلسطينية.

إن قراءة أولية لما أسماه نتنياهو اللبنات الثلاث في نجاح المفاوضات تعني تقرير نتائجها قبل أن تبدأ، وفي حالة حصول اشتباك تفاوضي مع الجانب الفلسطيني تجاه هذه القضايا، فإنه يستند إلى سجل الفترة القريبة الماضية التي توجه فيها الفلسطينيون بالشكوى إلى الإدارة الأميركية وغيرها بشأن الاستيطان وما حصل من تراجعات لأطراف المجتمع الدولي أمام ما كان يطرحه نتنياهو من اعتبارات تتعلق بالأوضاع الداخلية في إسرائيل، إن كان داخل حزبه الليكود أو في إطار الائتلاف الحكومي. وهو يستعد منذ الآن لإطلاق جوقة اعتراضية منظمة بدأها وزراء من حزب ليبرمان ومن «البيت اليهودي» مطالبين بعدم تمديد فترة تجميد الاستيطان الذي ينتهي في 26/9 القادم. كما في جعبته جوقات أخرى تتعلق بمستقبل المستوطنات ومصير القدس، وهذه كلها سيوظفها في الدفاع عن اشتراطاته، مراهنا على تمريرها كما حصل بشأن الاستيطان وشروط انطلاق المفاوضات المباشرة.

على الرغم من كل المجريات التي سبقت الدعوة إلى المفاوضات المباشرة ودلالاتها الواضحة، لا يبدو أن المفاوض الفلسطيني قد تعلم الدرس ولا يزال متمسكا بفلسفته التفاوضية التي أثبتت دائما فشلها الذريع ولا يزال يراهن على طيب النوايا لدى الإدارة الأميركية ورئيسها الذي تراجع مرات عدة عن وعوده وتطميناته وبشكل معلن. فهو يعتبر أن المجتمع الدولي بأركانه الأساسية جاهز للضغط على إسرائيل في حال أعادت تنشيط الاستيطان متجاهلا أن واشنطن قد أزاحت اللجنة الرباعية جانبا وأصبحت هي المشرف الوحيد على هذه المفاوضات وأن أمام الإدارة الأميركية ملفات داخلية وخارجية شائكة أهم من هذه المفاوضات تحاول التصدي لها.

وربما ما يطرحه البعض من الرهان على قدرته في خوض معارك داخل قاعة المفاوضات إنما ينتسب إلى نوع من السذاجة السياسية إذا لم نقل منهجا متعمدا من التضليل والديماغوجيا. فمن تتوافر لديه القدرة على خوض معارك، فقد كان الميدان ولا يزال مفتوحا لخوض هذه المعارك وليس بالضرورة أن تكون جميعها معارك تفاوضية، فمعركة الاستيطان تبدأ حيث يبنى الاستيطان وحيث يبنى الجدار ويخوضها المتضررون وهم الشعب الفلسطيني في جميع أنحاء الضفة وكذلك الأمر بما يخص المعركة المفترضة ضد سياسات الهدم التي تتعرض لها منازل الفلسطينيين في القدس وغيرها. إنها معركة شعبية عارمة ينبغي خوضها حيث لا يجدي مع المقاومين هؤلاء لا ضغط الإدارة الأميركية ولا لاءات نتنياهو وليس لديهم اعتبارات مصلحية تحد من عزيمتهم في مقاومة الاستيطان، لكنهم يحتاجون إلى إسناد سياسي وبرنامجي وهذا مسؤولية الحركة الوطنية الفلسطينية بكافة قواها وفصائلها التي من واجبها أن تلتفت إلى الوضع الفلسطيني الداخلي فتعمل على تصويبه من خلال بذل الجهود الجدية من أجل وضع حد للانقسام واستعادة الوحدة الوطنية وبذلك تنهض قيمة عملية وسياسية للعامل الفلسطيني في إطار المعادلة الإقليمية والدولية بما يكفل إعادة الاعتبار للمشروع الوطني التحرري.

ومن أجل تحقيق ذلك يجب البدء بإغلاق باب المفاوضات في سياقها المطروح لأن دخولها يهدد بتبديد الحقوق الفلسطينية ويمكن إسرائيل من تحقيق أهدافها التوسعية.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026