| شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2010-09-02 |
الفنان الأرجنتيني ريكاردو لونغيني: تعلمت من المقاومة اللبنانية حب الأرض والتمسك بها إلى آخر رمق |
|
أصعب ما يمكن أن تقوم به في حياتك ..أن تعمل عكس قناعاتك..تخيل حينها كم ستعاني...؟ هذه المعاناة حولها الفنان الأرجنتيني( ريكاردو لونغيني )إلى إبداع!كيف؟ (لونغيني) يناضل في كل عمل لأجل ذاته أولاً ..كل ما تعلّمه خلال سنوات دراسته وكرس لديه مفاهيم الحياة وفق منظومة قيم صدرتها البرجوازية ...بينما هو يعمل ويصيغ أعماله الفنية لتتماشى وتتفاعل مع الناس بأبسط شرائحهم، ولتتفاعل معهم، لتساعدهم على فهم أعمق للحياة،وعلى النضال الطويل... انه يصوغ أعمالا فنية تمتزج فيها الصورة الفوتوغرافية بالنحت أو بأشياء يستحضرها من موقع موضوع العمل الفني لتعطي لوحة تشكيلية من نوع مختلف أهم ما فيها أنها تقدم رسائل تقف مع العدالة الإنسانية في وجه قوى البطش الكبرى..التي تحاول أن تقتل الحياة.. درس الفن التشكيلي وهو لايزال في السادسة عشرة من عمره واستمر في دراسته لمدة عشر سنوات ..باكرا انتقل من اهتمامه بالفن لأجل الفن..إلى اقتناعه أن يحمل قضايا سياسية واجتماعية بدت في مشروع تخرجه...الذي أنجزه مع فنانين آخرين ليجسدوا منذ ذلك الوقت وحتى الآن ملامح نضال إنساني مختلف..كلما كانت قوى القمع كبيرة كلما ازدادت المواجهة شراسة ...وكأنهم خلقوا فقط ليواجهوا ويواجهوا... يزور سورية اليوم وهو يحمل حنينا مختلفا...ورغم أنها زيارته الثانية ..إلا أن الحديث معه ..يجعلك تعتقد أنه زارنا كثيرا واطلع عن قرب على حياتنا،على أفكارنا ..على قناعاتنا... اللقاء معه لم يكن رحلة إلى عوالم روحانية..بل هو يعيد التذكير وإحياء قيم ..لاتتعلق فقط بالعدالة الإنسانية وبرفعة الحق..بل وبإعلاء رؤى الفن الحقيقية التي مازالت ترى أن ما يؤمن به الإنسان غير قابل لأي مزايدة مهما علت أسعارها ..ومهما اشتدت الحاجة بالفنان ...!! اهتمامه بالقضايا العربية يلفت الانتباه اذ أنه يتحدث عنها وكأنه أحد أبنائها.. لم يكتف باهتمامه عن بعد ..بل حاول التعايش معها عن قرب من خلال زياراته المتكررة إلى لبنان وسورية , خاصة إلى المواقع التي خاضت فيها المقاومة اللبنانية الباسلة معارك التحرير ضد الاحتلال الصهيوني ..آخرها كانت الزيارة التي قام بها إلى سورية... - كيف بدأ اهتمامك بالقضايا العربية؟ --بدا اهتمامي بالقضايا العربية أولا من خلال القضية الفلسطينية التي اعتبرها قضية كل إنسان حر في العالم،ومن يبحث في خلفية هذه القضية يكتشف إلى أي درجة يعاني الشعب الفلسطيني من الاحتلال الإسرائيلي الوحشي، الذي يتفنن في أساليبه الوحشية وبشكل يومي... فيما بعد انتقل اهتمامي إلى قضايا عربية أخرى..حيث أشعر أن تلك القضايا تخصني وتمسني بشكل شخصي..فلا يمكن أن أنسى ما حدث لأطفال قانا عام(2006) شعرت أنهم أطفالي.. لايمكن إطلاقا أن أتصور أن ما يحدث لا يعنيني ..انه يعنيني جدا واشعر به.. حتى إنني عندما زرت بيروت للمرة الأولى لأشاهد ماذا فعلت إسرائيل ..كنت أبكي يوميا أكثر من خمس مرات...كنت عندما أرى المباني المهدمة أسمع من خلالها صرخات الناس الذين كانوا يعيشون فيها ولحظات رعبهم ...! أنا لا استطيع إيقاف التدمير وفي الوقت نفسه لا أستطيع إيقاف هذا الإحساس..لكن بإمكاني تجسيده فنيا ..في لوحات ترفض هذه البشاعة والوحشية... -كيف تجسد فنيا...اهتمامك بالقضايا العربية؟ - بعد اطلاعي على الواقع ورؤية الأشياء كما هي أستطيع أن أنجز اللوحة..لأن ذلك يجعلني أشعر بها .. أشم رائحتها فيتحرك الإلهام لدي... وأؤمن أن الموهبة التي أعطاني الله إياها من أجل خدمة العدالة وليست من أجل تزيين مكاتب الأغنياء.. - كيف تعمل على لوحتك الفنية حتى تبدو في هذا الشكل الذي يجمع ما بين المضمون المهم وما بين الشكل الفني البعيد عن المباشرة...؟ --العمل على لوحاتي معقد..خلال ثلاث سنوات لم أشتغل سوى ثمانية أعمال...لأن العمل يتطلب مرحلتين الأولى: تتعلق بالموضوع والثانية تتعلق بكيفية انجاز اللوحة، وماهي التقنية التي سأستخدمها...لأن التقنية تتطلب في الوقت نفسه أخلاقية في العمل...جزء كبير من لوحاتي بالإمكان تفككيها وإعادة تركيبها...ما يجعلني أواجه مشكلات تقنية من الصعب حلها.. - في الأرجنتين ..هل هناك فنانون آخرون يمتلكون نفس الروح؟ --لدينا تيار إيديولوجي يحافظ على قيم محددة ..تتعلق بالحياة الحرة.وبالعدالة الإنسانية وبدعم القضايا العادلة..والوقوف في وجه تلك القوى التي لا هم لها سوى سحق إرادة الإنسان وقمع كل تطلعاته في سبيل الحياة الحرة الكريمة.. وهو ليس تيارا جديدا..بل يمتد إلى عام (1920)حين نشأت مجموعة من الفنانين سموا أنفسهم(فناني الشعب) ما يسمى بالفن الاجتماعي السياسي ،كانوا أميين ولكنهم يمتلكون مواهب تطورت من خلال نضالهم العمالي ... - في الأرجنتين هناك لوبي صهيوني .. كيف تتحد مع الآخرين من الفنانين ومن الآخرين عموما لمواجهة هذا اللوبي ؟ --نحن نواجههم بشتى الوسائل الفنية..ونواجههم بمعرفتنا للحقائق عن تلك القضايا العربية العادلة .. وهم يحاولون الإساءة إلينا بشتى الوسائل..لكننا لا نهتم ..لأننا نؤمن بعدالة القضايا التي نتبناها ...ولأننا في المجموعة التي نعمل بها وتضم سبعة فنانين أصغرنا امرأة تجاوزت الخمسين وأكبرنا في التسعين من عمره..أي أنه لايوجد شيء يمكن أن نخسره..جمعنا الشيء الوحيد الذي نريد الحفاظ عليه كرامتنا..ورسالتنا. -أعمالك تبدو حزينة،حتى إن بعضها يبكي دما؟ --الواقع هو الذي يجعل أعمالي على هذا النحو..أنا لا أبحث عن الحزن..ولكن طبيعة المواضيع التي أتناولها هي التي تغرقها في هذه الأجواء..الفنان لايجب أن يفكر بنتائج أعماله على الإطلاق وخصوصا النتائج السلبية...الموهبة منحت له ليتكلم باسم جميع الأشخاص الذين لا يستطيعون أن يعبروا... - كيف استطعت الاحتفاظ بهذه القناعة كل هذا العمر؟ --هناك قصيدة للشاعر الاسباني لوركا...تتحدث عن أن هناك شخص محدد هو الذي سيستمتع بعطر الورود وسيرى النجوم..أفضل من أي شخص على وجه الأرض ..ولكن سيتحدث عن معاناتهم ..هذا هو الفنان هو الذي يعاني أكثر ويتكلم باسم الشعب...وهو الذي يتمتع بالنجوم وبالعطر.. أنا لست أذكى من الآخرين..ولكني مدرك أن أسوأ ما يمكن أن يحدث للفنان أن يخون قناعته وموهبته. - تبدو وكأنك استفدت من التكنولوجيا باستخدامك لتقنيات التصوير الحديثة.كيف يؤثر ذلك على اللوحة؟ --التكنولوجيا تقدم مساعدة كبيرة للفنانين للتعبير عن مواقفهم،ولكنها دون إيديولوجيا لالزوم لها... للأسف يستخدم أصحاب القوى الكبرى في العالم التكنولوجيا والضخ المعلوماتي العشوائي والتسارع اليومي لهذه المعلومات ... ليخلقوا نوعا من الارتباك لدى الشعوب لإلهائهم وتغييم مواقفهم... - كيف ترى العلاقات العربية – اللاتينية ثقافيا واجتماعيا ؟ أنا غير راض عنها ..يفترض أن تكون أعمق.. أنا واثق أن اللاتينيين..في لحظة إدراكهم للمحتوى الإنساني الهائل للشعب العربي...سينسجمون معا...هو التقط ذلك من خلال زياراته العديدة إلى دول الوطن العربي حيث يشعر أن الشعب قريب منه جدا..ولا يريد أن يفارق هذه البلاد رغم انه يكون قد أمضى فيها أسابيع ..بينما لايكاد يتمكن من الصمود ليومين في البلاد الغربية التي يشعر فيها بفراغ روحي هائل يصيبه بالضجر.. ويريد مغادرتها سريعا... - بعد أن زرت قانا وبنت جبيل والضاحية الجنوبية في لبنان ...كيف ترى المقاومة وما هو تقييمك الشخصي ؟ -- على الصعيد الشخصي تعلمت من المقاومة حب الأرض والتمسك بها إلى آخر رمق... وأرى أن المقاومين اللبنانيين هم مثال على التمسك بالأرض وحبهم الكبير لها ،وفي الوقت نفسه يمتلكون أبعادا إنسانية ..فرغم أنهم مهددون من قبل إسرائيل إلا أنهم يحافظون على حبهم للأرض والأسرة ويتمسكون بصداقة بعضهم البعض..الكم الإنساني الذي يمتلكه الجنوبيون يقلق الغرب ،بل ويجعله يشعر بالخطر ..أناس يتشبثون بالأرض ولديهم هذه القيم من المستحيل أن يركعوا ... كل هذا يجعلني أرى أن المقاومة بحال رائعة،وأرى أنها في تصاعد مستمر وهي قادرة على مواجهة إسرائيل بقوة لو فكرت في الاقتراب منها... مؤخرا عندما زرت بيروت ورأيت أن الضاحية الجنوبية قد تم اعمارها..كنت سعيدا جدا،لأن هذا بمثابة إعادة اعمار للأحلام والآمال التي كانت قد دمرت آنيا،بفعل النزعة الشريرة والوحشية لإسرائيل... -ماذا تقول للفنا نيين التشكيليين السوريين؟ --أقول لهم،كما أقول تماما للفنانين التشكيليين الأرجنتينيين...أن يحافظوا على موقعهم الإيديولوجي وعلى الكرامة ...لأن هناك فنانين كل همهم ان يرسموا لوحة ومن ثم يبيعونها ..هذه ليست مهمة الفن.... مهمته إيصال رسالة ، و طريقه طويل جدا وربما تنتهي حياة الفنان ولا يصل إلى نهايتها ... أنا منذ أربعين عاما ..كنت أبيع منحوتاتي ..ولكني اكتشفت مع مرور الوقت أنها كانت تحت سيطرة أشخاص لا يقدرون قيمتها كقطعة فنية..إنهم يضعونها في مكاتبهم ومنازلهم بغية عرضها فقط...لا لإيصال رسالة .فانسحبت إلى مكان آخر.أجد قيمة مختلفة لفني..وأشعر أنني أحقق ذاتي بعمق..وان أعيش مع الآخرين أهدافا وقيما كبرى أسهم في نشرها على طريقتي.. أنا لا أريدهم أ ن يفكروا مثلي...ولكن ليفكروا بفنهم...إنهم عندما ينساقون وراء متطلبات السوق، فانهم لا يقدرون فنهم...الذي يحتاج إلى مستويين من التعاطي الأول يتعلق بالمستوى الذي يطلبه الفنان من ذاته،والمستوى الثاني إيمانه بالرسالة التي يريد إيصالها إلى الناس... -بعد زيارتين إلى سورية ما الذي احتفظت به ذاكرتك وستحمله معك ؟ - -إنسانية الشعب السوري ...ولكن أكثر ما بقي في ذاكرتي من خلال زيارتي الأولى لسورية ...ما شاهدته في القنيطرة من دمار ..صحيح أنه لم يتمكن من القضاء على طبيعتها الرائعة ..لكنه يحيط بكل الأمكنة... شعرت بأنني دخلت إلى غابة من الحديد...ولكن في كل مكان كان هناك تاريخ وحكاية...تدعونا لنتعرف على الوجه الشرير للصهيونية،على وجهها الوحشي .. هذا الوجه جعلني أشعر بأنني يجب أن أقوم بعمل ما...وخاصة أنني اطلعت على الكثير من الأفلام الوثائقية التي تتحدث عن معاناة السوريين في الجولان وهم تحت الاحتلال الإسرائيلي..ومن الظواهر التي لن أنساها ..كيف أن ثمرة التفاح الجولاني تحولت إلى رمز ..واستغرب كيف أن العالم المتمدن يسكت عن كل هذه الجرائم التي تحدث...!! ترجمة : فادي معروف- وزارة الإعلام السورية
|
|
جميع الحقوق محفوظة © 2026 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه |