شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2010-09-08
 

عام القلق!... لتمرير التصفية او كسب الوقت؟

العميد أمين حطيط - البناء

كما بات معلوما، فرضت الظروف الاميركية الخاصة والعامة، الدعوة الملحة الى مفاوضات مباشرة بين "اسرائيل" وسلطة فلسطينية منتهية الصلاحية، مفاوضات يعول كل من المعنيين بها على تحقيق مكسب او مغنم منها، ووحدها القضية – القضية الفلسطنية – لا يملك اربابها او اصحابها الحقيقيون املاً أو حتى حلما بتحقيق اي مكسب، وفقدان الآمال هنا امر طبيعي في الظرف القائم لان منطق التفاوض هو ان يأخذ الطرف الى مائدة المفاوضات شيئا يترجم ما يمتلكه من اوراق قوة خارج القاعة يستطيع ان يستعملها على الطاولة، كاوراق ضغط ينتزع بها الحق المغتصب. اما في حال ضعف او انعدام اوراق القوة تلك، فان التفاوض اصلاً، ينقلب الى املاءات من جهة واستسلام واذعان من جهة اخرى، وفي احسن الاحوال امتناع عن قبول ما يرمى له من فتات – هذا ان سمح له - وهنا تكون وظيفة المفاوضات بيد الفريق القوي اداة تبرئة ذمة وكسب وقت يحتاج إليه في مكان ما او من اجل عمل آخر.

و نظرة على فرقاء التفاوض وراعيهم تقود من غير كبير عناء الى القول، ان الفلسطيني يذهب اعزل من اي ورقة او سلاح. بعد ان:

- تنازل في المبدأ وسلم لـ"اسرائيل" "بحقها الشرعي في الوجود" على ارض فلسطين.

- تنازل عن ورقة المقاومة وبات يدين اعمالها ويسميها ارهابا، مستعملاً القاموس "الاسرائيلي" ذاته.

- تنازل عن وحدة المواجهة وتنكّر لجبهة المقاومة والمواجهة التي لا تخشى "اسرائيل" في الواقع القائم سواها، مجتمعة او منفردة، خاصة ان فيها المقاومة التي تمتلك السلاح الذي يقلق "اسرائيل" في جبهتها الداخلية.

- تنازل عن حرية القرار ووضع نفسه رهينة المجموعة العربية "المعتدلة" التي ترى ان تصفية القضية الفلسطنية باي ثمن هي في مصلحتها الملحة، خاصة وانها انقادت لاميركا كليا في سياستها الرامية الى تغيير وجهة الصراع ليصبح ايرانيا عربيا، وهي بحاجة الى "إسرائيل" في هذه المواجهة، وتكون التصفية ضرورية لحفظ شيء من ماء وجه ذهب اكثره لاقامة التحالف ذاك.

- تنازل عن الكرامة والحرية الشخصية، ففي قراءة الوضع الشخصي للمفاوض الفسطيني نجده رهينة الاحتلال "الاسرائيلي" ورهينة الاعاشات الغربية المتمثلة بالاموال التي تستعمل رواتب وتقديمات لمن تولوا وظائف في سلطة رام الله.

في ظل هذا الوهن والارتهان الذي نجد المفاوض الفلسطيني عليه، لا يمكن ان نتوقع ان "يتبرع" "الاسرائيلي" بشيء يقارب منطق الحق، والاميركي غير قادر ولا يريد ان يفرض عليه ما لا يريد، وكيف تتراجع "اسرائيل" او تقبل بترك ما في يديها، في غياب قوة او خطر يلزمها بذلك ومن سيلزم اميركا بالضغط على "اسرائيل"؟ قد يقول قائل ان من مصلحة "الاسرائيلي" ان يعطي "محمود عباس" شيئاً يمكّنه من مواجهة حركة حماس بقوة، ويقنعها بصوابية سياسة التفاوض من اجل التحرير. هنا نرى الرد بسيطاً، ان حماس انكرت شرعية التفاوض لانه يبعد كثيرا عن السقف الذي ترفعه وهي تنصلت من نتائجه مسبقاً، وبالتالي فإن معاهدة مفترضة او يتصور ان يوقعها محمود عباس مع "اسرائيل"، لن تغير قناعتها. اذن لا شيء يكسبه الفلسطيني من المفاوضات ولا حل بالمعنى الحقيقي للقضية، وهنا نرى ان ليبرمان – وزير خارجية الصهاينة – قد عبر عن حقيقة الموقف عندما نعى هذه المفاوضات بعد ساعات على انطلاقتها معتبراً ان زمن الحلول لم يحن بعد. نعم زمن الحل لم يأت... لماذا المفاوضات اذن؟

منذ اللحظة الاولى رأينا ان المصالح الاميركية و"الاسرائيلية" الراهنة املت هذه المفاوضات في محاولة لتصفية القضية ان امكن، او لكسب الوقت في فترة ترتيب الاوراق استعدادا للمرحلة المقبلة الخاصة بكل منهما، سواء في الداخل الاميركي وما فيه من انتخابات نصفية او على جبهات الحروب الاميركية وما فيها من اخفاقات، او على الصعيد "الاسرائيلي" وما تحتاج إليه حكومة اليمين المتطرف من وقت لاستمرار خطتها التهويدية للقدس وابتلاع الضفة الغربية بالمستوطنات والترويج ليهودية الدولة. ومن اجل ذلك حددت للمفاوضات مهلة سنة متراخية الجولات مع سرية مطبقة. حيث ان السرية تساعد على التصفية، وتباعد الجلسات يساعد على كسب الوقت، لكن هذا بحاجة الى تحصين وحماية، ولم يجد الاميركي كما يبدو افضل من القلق ينشره في المحيط سلاحاً، في ظل غياب القدرة على الحرب. لكن القلق المصنع اميركيا لن تكون ساحة الفرقاء انفسهم بعيدة عنه. حيث سنجد في هذا العام ان كل المعنيين بالقضية الفلسطينية عرضة لموجات القلق، وهذه هي النتيجة الفورية للمفاوضات المباشرة التي ارادتها اميركا. قلق دائم او دوري يتجدد مع كل جولة مفاوضات، ولهذا اتجه الى تسمية العام الذي بدأ في اول ايلول 2010 "بعام القلق".

قلق سنلحظه على كل صعيد، على صعيد الدول، وعلى صعيد الهيئات والكيانات غير الدول وعلى صعيد الاشخاص. والسبب في ذلك، ان الذي يتحرك في التفاوض يخشى من ردة فعل المتربص به، والآخر الذي بقي خارج المائدة يكون قلقه على نوعين، قلق مما يدور في الغرف التفاوضية، وقلق من منتجات الغرف السوداء اخلالا بالأمن في هذا البلد او ذاك. وبالنسبة الى هذه الفئة او الشخص او ذاك. قلق على الحقوق. من حق العودة الى الحق بالتحرير، قلق على الامن الفردي والجماعي، قلق على الاستقرار، ولبعض الفئات قلق على المصير، وهنا يجب الانتباه الى ما يصاغ او يحضّر من ملفات اميركية لهذا الفريق او ذاك من اطراف جبهة المواجهة والمقاومة - من ايران الى سورية وصولا الى حزب الله وحركة حماس - وشخصياتها وقادتها، وفي المقابل فان اميركا وحلفاءها وتابعيها ليسوا اقل قلقا على منصب او دور او مشروع.

وللقلق المخطط له وظيفة تتجسد في حرمان الخصم من الوقت والفرصة لتعزيز اوراق قوته بانتظار ما سيكون بعد انتهاء "عام القلق". عندما يتشكل ما يوحي بالانطلاق الى المبادرات الهجومية. ولكن يستوقفنا هنا الموقف المفاجئ الذي اطلقه "ولي الدم" في لبنان، إذ اعترف بخطئه في اتهام سورية بقتل ابيه رفيق الحريري، واقراره بشهود الزور الذين استخدموا في حرف التحقيق عن الحقيقة، اذ قد يرى مراقب، انه موقف معاكس لهذا الطرح، فنرد عليه بالقول: ان على اهمية الموقف هذا ما يدعو الى الحذر والقلق بالنسبة الى جبهة المواجهة والمقاومة، اذ، لا يمكن ان تكون التبرئة في سياق تحييد سورية عن ملف يعد الآن لسواها من اطراف الجبهة؟ اي انه عمل يأتي ضمن خطة فصل التحالفات وفكفكة الجبهة! مع ان الكل يعلم ما يحضّر لسورية من ملفات في مواضيع اخرى كافية برأي معديها لانتاج القلق المطلوب بعد عزلها ان وقعت في الفخ.

في عام القلق المخطط اميركيا يجب الحذر حتى اكثر من زمن الحرب. ويجب ألا نأمن بسذاجة لمواقف وابداء رغبات ولعبارات مثل "الاستقرار" و"التهدئة" و"الكلمة الطيبة"، وهي كلمات تتوقف مفاعيلها عند تلقي اتصال بسيط من الخارج يفرض الخروج عنها، او اتصال معاكس يلزم بالعودة اليها. يجب الحذر لان منح ثقة لا تتوفر عناصرها امر خطر كما هو خطر الوقوع في استدراج يهدر الطاقات، ولنعلم ان العام هذا ليس عام العمليات الجراحية، بل هو عام التخدير الظاهر، تحضيرا للجراحة ان اكتملت ظروفها، لهذا اقول "قلقاً" فقط ولا اقول "خوفاً" او "رعباً" او "خطراً".



 

جميع الحقوق محفوظة © 2026 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه