يقفل الأسبوع على تداعيات ما كان قد بدأه من حَدَثين سياسيين بارزين استحوذا على مجمل النشاط السياسي والاعلامي في البلد، أولهما الحديث الصحافي لرئيس الحكومة سعد الحريري، الذي اعترف فيه بخطأ الاتهام السياسي لسورية في جريمة اغتيال والده، وتناول فيه موضوع شهود الزور أيضاً، وثانيهما المواقف التي أطلقها العماد ميشال عون من نابيه الأحد الماضي.
وإذا كانت عطلة الفطر ستشكل مساحة لمزيد من تثبيت الانفراج السياسي الذي ولّدته مواقف الحريري، فإن ما تطرق إليه العماد عون، وخصوصاً حول فرع المعلومات يبدو أنه آيل الى مزيد من ردود الأفعال، التي كان آخرها أمس من خلال ما يشبه "حرب" البيانات بين الفريقين، التيار الوطني الحر وتكتل التغيير والاصلاح من جهة ووزارة الداخلية من جهة أخرى.
وما من شك ان عطلة الفطر ستشكل مناسبة للأطراف لمراجعة مواقفها وحساباتها تمهيداً لتحريك الملفات الساخنة التي تشغل البلد، بدءاً من قضية المحكمة الدولية وما يتعلق بمقاربة ملف شهود الزور الى ما يتعلق بالقرائن والمعطيات التي كان الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله قد كشف عنها حول اتهام "إسرائيل" باغتيال الرئيس الحريري وما ستذهب إليه المحكمة في هذه القضية.
وتقول مصادر سياسية عليمة، إن الأسبوعين المقبلين سيظهران جدية فريق "الأكثرية" حول استعداده لترسيخ التهدئة الداخلية. أو أنه سيواصل الاستخدام السياسي للمحكمة الدولية والتهرب من فتح ملف شهود الزور من خلال خطوات عملية تصدر عن الحكومة وتدعو القضاء اللبناني الى مقاربة هذا الملف بكل ما يتطلبه ذلك من خطوات.
وتعتقد المصادر، أن المسؤولية الأساسية تقع في هذا الملف على رئيس الحكومة سعد الحريري، بعدما صدر عنه من مواقف ايجابية ومهمة شكلت انعطافة نوعية في مقاربته لملف المحكمة وشهود الزور، وصولاً الى الاعتراف بالأخطاء التي ارتكبت بحق سورية عبر اتهامها سياسياً.
وتضيف المصادر، ان الحريري مطالب باستكمال هذه المواقف الإيجابية بخطوات عملية، لأن الاكتفاء بما أعلنه لمنع الاستخدام السياسي للمحكمة من قبل الأميركيين و"الإسرائيليين"، وبالتالي منع هؤلاء من إشعال الفتنة الداخلية، عبر دفع المحكمة والقيمين عليها لإصدار قرار ظني يتهم عناصر من حزب الله باغتيال الرئيس رفيق الحريري.
وترى المصادر، ان الحريري مطالب بخطوات جدية لتصحيح مسار المحكمة، وذلك من خلال ثلاث خطوات أساسية، الأولى اعلان موقف سياسي يرفض فيه الاتهام السياسي ضد حزب الله، الثانية أن يبادر خلال جلسة مجلس الوزراء الى الطلب بتكليف أحد الأجهزة القضائية ـ كالمجلس العدلي مثلاً ـ أن يفتح ملف شهود الزور، لأن في ذلك خدمة للحقيقة التي يطالب بها، وأيضاً معرفة كل الحكاية التي حصلت في السنوات الماضية من "فبركة" شهود الزور ومن الذي قام بحمايتهم ودفعهم الى ذلك، والثالث ان يطالب المحكمة بأن تأخذ كل الفرضيات بعين الاعتبار في تحقيقاتها، وفي المقدمة فرضية اتهام "إسرائيل" بجريمة الاغتيال من خلال الأخذ بالقرائن والمعطيات، التي قدمها السيد نصرالله، والتحقيق مع كل من يجب التحقيق معه في "إسرائيل".
حزب الله: لا بد من التريث
وفي هذا السياق، برز كلام لافت لحزب الله أمس، على لسان النائب محمد رعد الذي قال: "سمعنا كلاماً في الأيام الأخيرة ولا نرى داعياً الى الاستعجال في التعليق عليه، لننتظر حتى نرى كم يصمد هذا الكلام، وكيف سيترجم الى أفعال في الأيام المقبلة، خبرتنا تقتضي منا بعض التريث حتى لا نخطئ في الأحكام"، مضيفاً: "إذا كان الكلام قد ترك انطباعاً مريحاً في أوساط الناس فنحن نرى أنه لا بد قبل التعليق من التريث والانتظار لنرى كيف ستترجم الأحاديث التي أدلي بها والكلمات التي قيلت".
وأكد رعد أننا "لا زلنا على قناعتنا بملاحقة ومحاكمة شهود الزور ومضللي التحقيق ومزوري الافادات ومفبركيهم ومصنعيهم وحماتهم ومموليهم ومكاتب السفر التي ترعى انتقالهم من بلد الى بلد وأجهزة المخابرات التي تحرسهم"، مشدداً على أن "هؤلاء ينبغي أن نكتشفهم بالكامل".
وقال: "نحن من أصحاب المعادلة التي تقول كلما كنت قوياً كلما أبعدت عن بلدك شبح الحرب، فقوة المقاومة واستمرارها ومواصلة جهوزها هي من أجل دفع العدوان ودفع العدو عن أن يفكر في شن عدوان على لبنان"، معتبراً ان البعض في لبنان يزعجهم هذا الجهوز، ويحاولون بشتى الوسائل صرف انتباهنا عنه والهاءنا بأمور أخرى".
وتعليقاً على ما طرحه البعض من مسحيي 14 آذار حول حصرية المحكمة في قضية شهود الزور قالت المصادر السياسية ان قول البعض ان لا أحد يستطيع التدخل في عمل المحكمة لا يقنع أحداً، ولا ينطبق على واقع الحال، لأن تجربة السنوات الخمس الماضية أثبتت عكس ذلك، وهذا ما تظهره تجربة شهود الزور، والتداعيات التي نتجت من قيام أطراف لبنانية وخارجية "بفبركة" هؤلاء الشهود وتلقينهم معلومات كاذبة، أوصلت الى الاتهام السياسي لسورية وتوقيف الضباط الأربعة، وأخذت البلاد طيلة أربع سنوات رهينة بيد الذين "فبركوا" شهود الزور والذين حركوهم في واشنطن والغرب للقيام بذلك.
عون و"المعلومات"
في هذا الوقت، بقيت مواقف رئيس تكتل التغيير والاصلاح العماد ميشال عون التي أطلقها من نابيه الأحد الماضي، موضع سجال سياسي على خلفية التداعيات التي رافقتها...
وأمس رد مكتب العماد عون على "تناول بعض السياسيين والاعلاميين لمواقف الجنرال وتصويرها وكأنها صراع على النفوذ، وطموح الى كسب المراكز، لافتا الى ان التيار الوطني الحر يهمه التأكيد على ان جوهر المسألة التي تناولها الجنرال هو الخلاف على الخيارات الوطنية، كالانفتاح على المحيط والتفاعل معه واصلاح المؤسسات وتحسين الأداء فيها في ظل هذا الفساد المستشري".
واستغرب التيار "عدم الاجابةعلى الأسئلة التي وجهها الجنرال الى الوزراء، معتبرا ان هذا دليل على انهم مهمشون ولا سلطة لهم، ولفت الى ان مدير عام قوى الامن الداخلي اللواء اشرف ريفي تخطى صلاحية وزير الداخلية وصرَّحَ للاعلام مشيدا بدور فرع المعلومات، الذي كشف شبكة للعملاء انما المطلوب كان الرد على عدم شرعية هذا الفرع حسبما يصنفه وزيره بالذات، وعدم احترامه للقوانين والاستمرار في بث الشائعات والمس بشخصيات وطنية".
اضاف بيان التيار: "ان التيار الوطني الحر اذ يربأ بنفسه عن هذا التعامل الرخيص يطالب الجهات المعنية بالكف عن التعاطي بهذه الخفة واللامبالاة وعدم الانجرار الى مواقع لا تخدم المصلحة العامة، والتقيد بمضمون ما قاله العماد عون والاجابة عليه".
وكانت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي قد ردت على ما صدر عن مكتب عون. وأوضحت أن "المادة 112 من القانون 17 الصادر في 6 أيلول 1990، أناطت بالمدير العام لقوى الأمن الداخلي وبقادة الوحدات إصدار التناويه، وفي هذا الإطار يصدر اللواء المدير العام وقادة الوحدات العديد منها سنوياً لمن يستحقها".
وذكرت بأن بعض التناويه التي تصدر عن المدير العام كانت تعمم عبر وسائل الإعلام، لاسيّما تلك التي تشيد بالإنجازات النوعية التي تم تحقيقها سواء من قبل قطعات أو من قبل رجال قوى الأمن الداخلي.
من ناحيته، اكد وزير الداخلية زياد بارود وفي اتصال هاتفي مع "النشرة وتعليقا على بيان شعبة العلاقات العامة لقوى الأمن الداخلي حول فرع المعلومات، أنه "لم يوافق على إصدار هذا البيان"، الذي يشكل تخطيا لصلاحيات المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، ولموجب الحصول على إذن مسبق من الوزير، وفقا لما يفرضه القانون.
وأوضح بارود أنه اتخذ التدابير المسلكية المناسبة، وقال إن "الموضوع مبدئي ومرتبط بانتظام عمل المؤسسات، التي أنا حريص عليها وعلى دورها". وأضاف: "لن أتوانى عن ممارسة صلاحياتي كما لم أتهرب يوما من مسؤولياتي".
جلسة طارئة
ونقلت "النشرة" عن امين سر تكتل "التغيير والاصلاح" النائب ابراهيم كنعان أيضاً ان هذا الأمر تجاوز خطير لكل المعايير القانونية التي تُخضع مديرية قوى الأمن الداخلي لسلطة وصاية وزارة الداخلية.
واعتبر كنعان ان هذا البيان يؤكد الاتهام الذي وجهناه الى قوى الامن الداخلي، واصفا اياه بـ"الأمر الخطير الذي يستدعي تحقيقا فوريا".
وحول قول المديرية في بيانها ان العميد فايز كرم اعترف بتعامله مع "اسرائيل"، اكد كنعان ان هذا الامر تجاوز لكل الأعراف لأن هذه المديرية ليست محكمة وليست لديها مصداقية قضائية، وهي تثبت ان تسريب التحقيقات هو تجاوز للأصول القضائية والجزائية وتجاوز للسلطة السياسية، متسائلا "هل حصل انقلاب في لبنان؟".
وطالب كنعان الحكومة والمجلس النيابي بالدعوة الى جلسة طارئة لبحث هذا الموضوع وحل هذا الامر، كما طالب "بأن يوضع المعنيون في قوى الامن الداخلي بتصرف الهيئة السياسية ، إذ هل يعقل ان تتحدث من دون معرفة وزير الداخلية؟".
وردا على محاولة مديرية قوى الأمن الداخلي في بيانها اظهار فرع المعلومات وكأنه شرعي، ذكّر كنعان انه لانشاء فرع المعلومات يجب ان يصدر قرار عن مجلس الوزراء حسب المادة 8 من قانون تنظيم قوى الامن الداخلي ولا يتم ذلك بقرار وزاري.
الملفات المطلبية
في جانب آخر، رأت مصادر في المعارضة ان الحريري وحكومته مطالبان بالعمل الجدي لمعالجة بعض الملفات المطلبية من حياتية واجتماعية، وليس ان تبقى الحكومة في حال "الغيبوبة"، وهي التي حددت لنفسها الأولوية في عملها على المستوى الاجتماعي والحياتي. وتقول المصادر انه إذا لم تتحرك الحكومة على مستوى الحد الأدنى من المعالجة لهذه المطالب فمسألة بقائها تصبح مطروحة على بساط البحث، خصوصاً ان الانتقادات لأدائها بدأت تظهر من جانب قوى أساسية تشارك فيها. وهو ما أشار إليه العماد عون في الفترة الأخيرة.
وتلاحظ مصادر نقابية في الاتحاد العمالي العام، ان ليست هناك جدية لدى الحكومة في معالجة القضايا المطلبية. ويقول قيادي شارك في الاجتماع الأخير بين الحريري وقيادة الاتحاد العمالي، ان رئيس الحكومة لم يعد الاتحاد بأي معالجات للملفات الاجتماعية والحياتية، وإن كان قد أبدى انفتاحه للحوار مع الاتحاد والاستعداد لاستكمال البحث في القضايا التي يطالب الاتحاد بوضع حلول لها. ويضيف هذا القيادي انه وإنطلاقا من مستوى مسألة ارتفاع أسعار المحروقات لم يكن هناك أي استعداد للبحث في هذا الملف لجهة اعادة النظر بالضريبة الكبيرة التي تأخذها الدولة عن كل صفيحة بنزين. وتقول ان الرئيس الحريري أعاد تقصير الحكومة الى الجو السياسي الذي تعيشه الساحة السياسية.
تهديدات العدو
على صعيد آخر، وفي سياق تهديدات العدو المتواصلة التي تشكل بحد ذاتها خرقاً للقرار 1701، كشف قائد قوات هذا العدو البرية الميجر جنرال سامي ترجمان النقاب عن تكثيف التدريبات التي يجريها الجيش "الإسرائيلي" استعداداً لمواجهة عسكرية محتملة مع حزب الله.
ولفت ترجمان الى أنه لأول مرة تقرر إجراء مناورة بالذخيرة الحية لألوية الاحتياط وفق سيناريو محتمل لوقوع مواجهة كهذه.
وأشار ترجمان الى أن حزب الله يشكل تحدياً عسكرياً لجيش "إسرائيل" لكنه أكد أن الجيش "الإسرائيلي" يواصل مسيرة تعاظمه من حيث تعزيز قواته وامداد أفراده وتكثيف برامجهم التدريبية.
|