لا جدال عندنا بصحة المثل القائل «الاعتراف بالخطأ فضيلة»، لأنه حين يعترف المرء بخطئه، فالفضيلة تكمن في تلاوة فعل الندامة وبعدم تكرار الخطأ..
لكن، المثل المذكور، لا يسري على شؤون السياسة ومصائر الناس والأوطان، ولذلك فإن اعتراف رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري بخطأ توجيه الاتهام إلى سوريا باغتيال والده، وبتضليل التحقيق من قبل شهود الزور، بعد سنوات خمس عجاف هدّدت استقرار لبنان ووحدة أبنائه، لا يعتبر فضيلة كاملة وكافية. لأن موقع سعد الحريري كرئيس لحكومة لبنان، يوجب علينا اعتبار هذا الإقرار «نصف فضيلة» مهددة بالتبرد إذ لم تتبعها إجراءات عملية تفضي إلى الاعتراف بكل الخطايا والأخطاء الأخرى التي كادت ان تدفع بالبلاد والعباد إلى الهلاك.
نعم، ليس ثمة خطأ واحد عنوانه اتهام سوريا وتضليل التحقيق، بل هناك كم كبير من الأخطاء التي اقترفت، وبات ضرورياً الاعتراف بها والاعتذار عنها وإصلاح كل ما نجم عنها.
ـ إن اعتقال الضباط الأربعة وآخرين، خطيئة قائمة بذاتها وفداحتها تجعلها جرماً مضافاً إلى جرم تضليل التحقيق، فالضباط استهدفوا قبل بدء التحقيق الدولي، وقد رفعت صورهم بوصفهم «قتلة» بعد ساعات على اغتيال رفيق الحريري!
ـ وإن اقصاء القضاة ومسؤولين كبار وآخرين، خطأ من الأخطاء الكبرى، وقد شكل هذا الأمر إرباكاً في مؤسسة القضاء، خصوصاً بعد استهداف عدد كبير من القضاة الأكفاء الذين يتمتعون بالنزاهة.
ـ وإن خوض الانتخابات النيابية الأخيرة كما انتخابات العام 2005، تحت شعار ان كل من يصوّت ضد لوائح 14 آذار، إنما يصوّت لقتلة رفيق الحريري، خطأ قائم بحد ذاته أيضاً، لأنه استثمار للدم في انتخابات ديمقراطية، وتصحيح هذا الخطأ يبدأ بتقصير ولاية المجلس النيابي الحالي والدعوة إلى إجراء انتخابات جديدة على اساس قانون عصري جديد للانتخابات النيابية.
ـ وإن تهريب نظام المحكمة الدولية من خلال حكومة فاقدة الشرعية كان خطأ جسيماً يشتمل على سوء النية، وهذا الخطأ قد يوجب على لبنان واللبنانيين دفع أثمان باهظة إذا استمر قائماً. لذا، المطلوب إعادة تقويم المرحلة السابقة وإسقاط كل القرارات التي اتخذتها حكومة السنيورة اللاشرعية.
ـ إن توقيع الاتفاقيات الأمنية مع الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا والتي تصنف في نصوصها حركات وأحزاباً مقاومة بأنها منظمات إرهابية، خطيئة ترقى إلى مستوى المس بالعقيدة الأمنية اللبنانية، التي يجب ان تسّلط فقط على مواجهة شبكات العملاء وليس في مواجهة المقاومين. لذلك مطلوب إلغاء الاتفاقيات المذكورة فوراً وبلا مماطلة وتردد.
ـ وإن خلق بيئة لبنانية أغفلت عن قصد الخطر المصيري المتمثل بـ«إسرائيل» ودأبت على نشر ثقافة الحياد وأن العداوة لـ«إسرائيل» مجرد وجهة نظر، كل هذا شكل مساً بمفاهيم الصراع المصيري المفروض علينا في هذه المنطقة من العالم، وشجع العديدين على ارتكاب فعل العمالة للعدو، ووصل الأمر إلى حد اختراق المجلس النيابي اللبناني بأشخاص لا يخجلون بالعمالة لـ «إسرائيل» من أمثال النائب سامي الجميل.
ـ إن خلق بيئة عنصرية يتنابذ فيها اللبنانيون ويتناحرون، وضد السوري والفلسطيني، شكل امتداداً لبيئة اغفال الخطر الصهيوني، ولتعبيد الطريق امام اعتبار «إسرائيل» مجرد جار للبنان.
ـ إن شمول «العفو الخاص»، أشخاصاً مدانين بجرائم قتل وتفجيرات، وبينهم رئيس حكومة، شكل ضربة صميمية للعدالة، والمطلوب الآن هو إعادة النظر «بالعفو الخاص» المسمى عفواً عاماً، عن مرتكبي جرائم اغتيال طالت قادة وطنيين كباراً.
ـ أليس خطأ جسيماً، حجب المساعدات المستحقة للبنانيين الذين تهدمت بيوتهم وتضررت أرزاقهم ودمرت قراهم، في تموز 2006 والتصرف بهذه المساعدات في سياق مشروع سياسي مرتبط بأجندة خارجية.
ـ ماذا عن الخطأ الذي يرقى إلى مستوى العمالة، والمتمثل بتلقي أموال من دول أجنبية بهدف تشويه صورة المقاومة، والتي اعترف السفير الأميركي الأسبق جيفري فيلتمان بها. إن الحملة الشعواء التي تشن على المقاومة وسلاحها والتي تستمر إلى الساعة، تأتي في هذا السياق، والمطلوب فتح تحقيق جدي لمعرفة كل شخص تلقى أمولاً أميركية وغربية لتشويه صورة المقاومة، وحينها يكتشف اللبنانيون أن خصوم المقاومة في الداخل هم مرتشون من الأميركي ومن حلفاء الأميركي وأتباعه.
وهناك أخطاء أخرى كثيرة جسيمة، ليس هنا المجال لتعدادها، لكنها تستأهل من المخطئين اعترافاً واعتذاراً وإعلان توبة عن تكرارها من اجل مصلحة البلد والناس.
أما لماذا نعتبر اقوال الرئيس الحريري نصف فضيلة فقط؟
لأن سعد الحريري هو ولي الدم، هذا الدم الذي جرى تحميله مشروع إعادة تشكيل المنطقة انطلاقاً من لبنان. وباسم البحث عن الحقيقة تسلل المندسون لإشاعة أجواء فتنوية من أجل تدمير لبنان وضمناً كل ما بناه الرئيس الحريري وسواه في هذا البلد.
لذلك، فإن اللبنانيين لا ينتظرون من سعد الحريري «نصف فضيلة»، بل فضيلة كاملة، وهذا يتم من خلال نزع عباءة الدم عن الذين يتظللونها للانقضاض على ثوابت لبنان وخياراته.
اعتراف سعد الحريري غير كاف. وهو بما يمثل، عليه أن يعترف بكل ما ارتكب من خطايا وأخطاء، وأن يؤكد التزامه الخيارات والتوجهات الإستراتيجية الصحيحة.
هل يفعلها الرئيس الحريري وينبري لفعل الفضيلة الكاملة المرتجاة؟
إنه سؤال أملته شجاعة «نصف الفضيلة».
|