شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2010-10-14
 

زيارة نجاد إلى لبنان: بين الخلفية والرسائل

العميد أمين حطيط - البناء

منذ ان اعلن رسميا وبشكل نهائي عن زيارة يقوم بها الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد، والمسألة تثير من المواقف ما يخرج الزيارة عن طابعها وحجمها العاديين كزيارة رئيس دولة مستقلة لدولة مستقلة، وظهر من بعض المواقف الاجنبية الغربية والصهونية ما يمكن ان يشكل استباحة اضافية لقرار لبنان المستقل وسيادته، فهذا يحذر من مجرد القيام بالزيارة وذاك يعتبرها مساً بالامن والاستقرار وآخر يرى فيها استفزازاً للمشاعر... الى غيرها من سلسلة المواقف السلبية الرافضة للزيارة مبدأ وفكرة، اوممارسة وتنفيذا، الامر الذي يطرح السؤال عن خلفية المواقف وما يخشاه اصحابها من الزيارة، فضلاً عن السؤال حول الرسائل التي يمكن ان توجهها زيارة احمدي نجاد للمعترضين وللمرحبين على السواء.

1. نبدأ بالخلفية حيث نرى في المواقف الغربية والصهيونية، وليس بعض العرب بعيدا عنها، نزعة حول ابقاء لبنان في الموقع السياسي الذي وضعه فيه انقلاب 2005 الذي تم بعد اغتيال رفيق الحريري، الانقلاب الذي نقل القرار اللبناني الرسمي من قرار وطني يجاهر بدعم المقاومة الدفاعية التحريرية، الى قرار ممسوك اميركيا ويجعل لبنان مستعمرة غربية تسقط العداء «لاسرائيل» وتستبدله بعداء لسورية وايران – محور الممانعة والمقاومة والمسمى اميركيا محور الشر على اميركا – وبهذه الخلفية تصدى هؤلاء للزيارة لانهم رأوا فيها «اقتحاما لهم في عقر دارهم» واختراقا استراتيجيا لمنطقة شاؤوا ان تكون حديقة خلفية ملحقة بمنطقة نفوذهم. لكن الذي نسيه هؤلاء ان الانقلاب الذي اجروه فقد زخمه في العام 2006، وفقد بريقه في العام 2008، وتتلاشى مفاعيله اليوم تباعاً الى الحد الذي يمكن من القول وفي احسن الحالات والصور لصالحهم، القول بأن قرار لبنان لم يعد لفريق معين، مع وجود حق الفيتو عليه ومع تغير في البيئة الاستراتيجية العامة فيه وفي المنطقة.

ولانهم لم يذكروا ذلك اوتناسوه فقد اتخذوا من المواقف التي ظنوا انها قد تلغي الزيارة، ما ارتد عليهم خذلاناً واهدوا به نصراً واضحاً للمرحبين بها والحاضين عليها، لذا قيل ان الزيارة نجحت قبل ان تبدأ، لان مجرد الإصرار عليها وتنفيذها يعني كسرا للاحتكار الاميركي للبنان ورفضاً للإملاء عليه، ولا يخفف من وطء هذه الخسارة – الهزيمة، عودة اميركا عن تحذيرها والتسليم بحق لبنان في استقبال من يشاء ممارسة لقراره المستقل، فهذا الموقف هو إنقاذ للذات وحفظ لماء وجه هدر وليس اعترافاً بحق سيادي لبناني.

2. اما في الرسائل والتداعيات فاننا نحصي منها داخلياً واقليميا ودولياً ما يلي:

أ‌. تشكل الزيارة بطبيعتها وبرنامجهاً دعما قويا للمقاومة التي هزمت «اسرائيل» والمستمرة على السلاح لمواجهتها، هذه المقاومة التي باتت تعتبر ركنا رئيسيا في الاستراتيجية الايرانية لانها تشكل رأس الحربة في المواجهة بين المشروع الهجومي الاحتلالي الغربي والمشروع الدفاعي التحرري المشرقي، وتزداد اهمية الدعم هذا في لحظة دقيقة تحيك فيها اميركا الدسائس والمؤمرات ضد هذه المقاومة خاصة من باب ما «يسمى المحكمة الخاصة بلبنان» وما يعد فيها الآن من تلفيق لقرار يتهم حزب الله باغتيال رفيق الحريري، فايران وعبر رئيسها تقول « لن نترك المقاومة ودعمها».

ب‌. ترتقي الزيارة بعلاقات ايران مع لبنان من علاقة بحزب وطائفة الى علاقة مع شعب ونظام ودولة قائمة فيه. وهي العلاقة التي كانت ولا زالت حتى الآن محل نقد من قبل فئات محلية وخارجية والتي كانت تعتبر ان في علاقة ايران بحزب الله تجاوزا للدولة وانتهاكا للسيادة، وهنا تبدو اهمية الاتفاقيات الـ 14 التي عقدت اثناء الزيارة والتي هي في معظمها لمصلحة لبنان كل لبنان ودعما لاقتصاده وتخفيفا من اعباء المعيشة فيه. وفي هذا ربط للبلدين بعلاقات فيها من المصالح ما يؤدي الى التقريب المتواصل بينهما.

ت‌. تؤكد الزيارة اهمية لبنان الاستراتيجية بالنسبة لايران، وموقعه في الفضاء الحيوي العام لها، لان لبنان في الفهم الاستراتيجي للجغرافيا السياسية لمنطقة الشرق الاوسط هو مدخل المنطقة وليس لأحد ان يطمئن الى حجم اقليمي معتبر إن لم يكن له فيه موقع ونفوذ..

ث‌. تشكل الزيارة عبر الحفاوة الشعبية المنقطعة النظير، رسالة للعرب مضمونها امكانية اتخاذ لبنان العربي منطقة لقاء وتعاون، بدل ان يكون مسرح صراع ومناكفة، طالما ان لكل من هؤلاء بابا اواكثر يمكن دخولهم اليه عبره.فلبنان بلد عربي من غير شك ولكن ديمغرافيته تؤكد على بعد اسلامي مؤثر، وهذا البعد لا ينحصر في فئة اسلامية معينة بل هو اوسع واشمل.

ج‌. كسرت ايران بالزيارة حلقة اخرى من حلقات الحصار الغربي حولها عبر توسيع رسمي لحدودها الاستراتيجية وفي بلد رأت اميركا فيه يوما انه المدخل لبناء الشرق الاوسط الاميركي الجديد ووضعت اليد عليه بشكل استعماري.

ح‌. وضعت الزيارة ايران وبشكل مادي جغرافي في تماس مباشر مع «اسرائيل» تضيفه الى التماس السياسي العسكري والدبلوماسي.. وهنا تكمن اهمية تنظيم مهرجان بنت جبيل على مقربة من فلسطين المحتلة وسير الرئيس نجاد في محاذاة الشريط الحدودي الشائك متوعدا «اسرائيل» بتنفيذ تهديداته يوماً.

خ‌. اما الرسالة الاخطر وذات البعد الاستراتيجي الكبير للزيارة فقد جاءت عبر الخطاب الهام في بيروت – الضاحية الجنوبية – حيث توجه الرئيس الايراني من خلالها الى ارباب المشروع الغربي الصهيوني، معلنا ان جبهة مقاومة الشعوب نشأت من لبنان وفلسطين وسورية والعراق وتركيا وايران، وهي جبهة مقاومة لن تكل ولن تهدأ الا بطرد اميركا واحتلالها، و»اسرائيل» واغتصابها، وفي هذا اعلان بدء مرحلة جديدة في الشرق الاوسط تختلف عن كل ما شهدته المنطقة منذ انتهاء الحرب العالمية الاولى ثم الثانية، وفي هذا من الاهمية ما يضيف الى اعلان دمشق في شباط 2010، بعدا استراتيجيا يتجاوز توصيفه العملاني (الحرب الشاملة ووحدة الجبهة) كما وتعبيره الاستراتيجي من محور مواجهة ليقول ان الشعوب هي التي تقود المواجهة وهذا ما عملت اميركا على منعه طيلة عقود من الزمن.

وباختصار يمكن القول ان الرئيس محمود احمدي نجاد قال لاميركا و«اسرائيل» عبر زيارته هذه، ان لبنان هو مدخل بناء» شرق اوسط لاهله» خلافاً لما اردتم من استعمار له وللمنطقة، واننا نسير قدما في توسيع فضاء محورنا الاستراتيجي المناسب لذلك، وان العقوبات والحصار على ايران لن تزيدها الا اصرارا واقداما على التحدي.. وكذلك انها زيارة دعوة للعرب للتعاون من الباب اللبناني، ودعوة للبنانيين بان يكونو معاً وايران تدعمهم جميعا، فان قبلوا الدعم كان الدعم للدولة وإن رفضوه استجابة للاميركي فان ايران ستستمر بدعم من دعمت حتى الآن – المقاومة وجمهورها – والخاسر من يرفض وايران لن تتراجع كما بات ظاهرا.



 

جميع الحقوق محفوظة © 2026 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه