إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

مذبـحة ابـو شوشة، لفـظها التـاريخ أخـيراً

نسخة للطباعة  | +  حجم الخط  - 2010-10-27

بعض المذابح التي اقترفها الصهاينة بحق شعبنا في فلسطين، غير معروفة لدى معظم السوريين في الوطن وعبر الحدود.

منها مذبحة أبو شوشة:

التاريخ اليهودي الحافل قديماً وحديثاً بالمجازر بحق شعبنا، ما تزال التنقيبات تكشف المزيد منه. وها هي مجزرة كاد يبتلعها بطن التاريخ لكنه ما استطاع هضمها لهولها وفظاعتها، فلفظها بعد مرور سبع واربعين عاماً عليها وانكشفت لتنضم إلى زميلاتها في دير ياسين وكفر قاسم وغيرها الكثير. أكثر من 50 مواطناً قضوا في قرية أبو شوشة عام 1948 ولم يكشف عنهم إلا أواخر العام 1994.

أبو شوشة، قرية وادعة في قضاء الرملة على الطريق التي تربط القدس بيافا، تضم 980 نسمة تأويهم عشرات البيوت. وللقرية تاريخ قديم حيث أثبتت الحفريات أنها مأهولة منذ أكثر من أربعة آلاف سنة. فجر الرابع عشر من أيار عام 1948، وقبل ساعات من إعلان قيام دولة "إسرائيل"، شنت وحدات من لواء جفعاتي وعصابات الهاغانا اليهودية هجوماً نهائياً على القرية بغية احتلالها وطرد أهلها. وبخوف وعجز راقب اهالي القرية وبعض أهالي صيدون المجاورة الذين اجتمعوا بهم، التعزيزات العسكرية التي كانت تتجمع في مستوطنة "جيزر" اليهودية القريبة في اليوم السابق للمذبحة. والوضع لم يكن هادئاً بطبيعة الحال، فالمناوشات المستمرة منذ أشهر عديدة حول القرية تخللتها حرب نفسية شنها مستوطنو "جيزر" تحت شعار اتفاقية "عدم اعتداء وسلام محلية"، هذه الاتفاقية التي عقدها اليهود مع وجهاء عشرات القرى ليأمنوا جانبهم ويكسبون الوقت لتركيز جهدهم على جبهات أخرى، ثم عادوا وانقلبوا على هذه القرى الواحدة تلو الأخرى وهجروا أهاليها بعد تنفيذ مجازر رهيبة. وكل ذلك تم وفقاً لخطة يهودية سميت الخطة "دالت" ومن بنودها: ضرورة احتلال قرى عربية والاحتفاظ بها ومسحها عن وجه البسيطة وتدميرها نهائياً بإشعال النار فيها، نسفها وزرعها بالألغام وبخاصة القرى التي يكون باستطاعة اليهود الاحتفاظ بها بشكل دائم. هكذا، وانطلاقاً من هذه الخطة، وقعت المذبحة تلو المذبحة مما دفع عشرات الآلاف من سكان القرى والمدن إلى الفرار حفاظاً على أرواحهم. وهكذا سقطت مدينة طبريا في السابع عشر من نيسان 1948 وبعد أيام سقطت حيفا وفي الثالث عشر من أيار من ذات العام سلمت يافا تسليم اليد إلى عصابات الهاغانا.

لكن أهالي أبو شوشة رفضوا الاستسلام وقرروا الدفاع عن قريتهم، وكان قرارهم صعباً، إذ أن الدماء التي سالت في دير ياسين لم تكن قد جفت بعد. وقرر المدافعون، وكان عددهم لا يتجاوز العشرين، إبعاد النساء والشيوخ والاطفال إلى المغاور الموجودة في القرية، اما السلاح فقد كان عزيزاً جداً، إذ لم يملك المدافعون سوى سبعين بندقية بحالة يرثى لها إضافة إلى رشاش واحد قديم.

فجر الرابع عشر من أيار 1948، بدأ اليهود قصف القرية بعنف بالمدفعية وغطى القصف كل أنحاء القرية. وتوقف القصف فجأة ليبدأ هجوم المشاة من الجهة الشمالية. واستطاع المدافعون استيعاب الهجوم لبعض الوقت فسقط منهم خمسة شهداء.

ولاختلال الموازين عدداً وعدة اضطر من بقي من المقاتلين عند هذه الجهة الانسحاب إلى وسط القرية. وفي هذه الاثناء بدأت وحدات يهودية بالتقدم من الجهات الأخرى.

سقط من المدافعين عن القرية عشرة شهداء آخرون. ودخل اليهود القرية، وشرعوا يطلقون النار على كل ما هو متحرك بشراً كان ام حيواناً، وبدات مطاردة العزل داخل المنازل وبين الأزقة ومن سلم من الرصاص، لم يسلم من ضربات البلطات التي كانت تفتح الرؤوس. مجموعة من أبناء القرية دخلت أحد المنازل للإحتماء حيث تبعها عدد من رجال العصابات اليهودية وقال لهم المسؤول: خسارة ان تموتوا بالرصاص، وشرعوا يضربونهم بالبلطات. مجموعة ثانية من اليهود كانت تفتش القرية عثرت على بعض الشبان فساقتهم أمام أحد الجدران وأمطرتهم بالرصاص. ولم تنته القصة هنا، إذ بعد سيطرة العصابات اليهودية على القرية، سيرت الدوريات بحثاً عمن تبقى من الأهالي. وبعد ثلاثة أيام عثر اليهود صدفة على النساء والشيوخ والاطفال المختبئين في المغاور فساقوهم وحجزوهم في المنازل وسمحوا للنساء بجمع جثث القتلى ودفنها. وقد عمد الغزاة إلى تفخيخ بعض الجثث فانفجرت بالنساء اللواتي حاولن تحريكها مما زاد في عدد الضحايا. مشاهد مؤثرة جداً، وعويل النساء وبكائهن يملأ الجو. أم خرجت مع ابنها البالغ من العمر ثلاثة عشر عاماً، أخذوا ابنها منها ولم يكترثوا لتوسلاتها وضربوا رأسه بالبلطة أمام عينيها. عجوز طاعنة في السن قتلوها امام باب دارها ليسرقوا لها بقرتين، وسيق عدد من العجز إلى مقر العدو ولم يعرف مصيرهم بعد ذلك. وهكذا حبس الباقون في المنازل لعدة أيام إلى ان امرهم اليهود بالحضور جميعاً إلى المركز اليهودي وهكذا حصل. فكان التهجير الاخير من القرية بمشهد أراده اليهود فولكلورياً ارهابياً، إذ اصطف الجنود شمالاً ويميناً ومر بينهما طابور الاهالي، فأخذ الجنود يطلقون الرصاص بين الأرجل مما أدى إلى استشهاد طفل، وأجهضت بعض النساء الحوامل وأصيب آخرون بجراح، وتوجه الجميع إلى قرية القباب التي كانت لا تزال تحت سيطرة الجيش الأردني. لكن خبر المذبحة انتشر كالنار في الهشيم فترك معظم الأهالي قراهم، حتى تلك التي كانت تحت سيطرة الأردنيين.

وظهيرة ذلك اليوم، يوم الرابع عشر من أيار، أي بعد سيطرة اليهود على قرية أبو شوشة بساعات وبدء المجزرة فيها، كان الكنيست اليهودي يصادق في تل أبيب على وثيقة إعلان قيام دولة "إسرائيل" وكان من بنود هذه الوثيقة أن سكان الدولة العرب "يتمتعون بالمواطنية التامة القائمة على المساواة والتمثيل المناسب في جميع مؤسسات الدولة". لكن قرية أبو شوشة، الواقعة ضمن حدود "إسرائيل"، لم تسمع بهذا البند لأن أصوات الرصاص المفرغ في الأجساد وضربات البلطات التي كانت تشج الرؤوس طغى على كل شيء آخر.

وتناقضت الشهادات فيما بعد حول مصير هذه القرية، فالبعض قال أن اليهود نسفوها بعد ذبح أهاليها، والبعض يقول أن القرية ظلت قائمة حتى العام 1967. أما اليوم فلا يوجد في المكان سوى بساتين للخوخ والمشمش، إذ أن القرية جرفت من أساسها وضمت أرضها إلى أراضي أربع مستوطنات يهودية أقيمت في ذلك المكان



 
جميع الحقوق محفوظة © 2017