إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

هل تنهي أميركا "العصر الحريريّ" في لبنان؟

العميد أمين محمد حطيط- البناء

نسخة للطباعة 2010-11-03

بات أمراً يقينياً أن أميركا تتخذ من تلفيقة "القرار الاتهامي" و"المحكمة الخاصة بلبنان" أداة رئيسية للتدخل، بل تكاد تكون الوحيدة الفاعلة في يدها على الساحة اللبنانية لملاحقة المقاومة و"اجتثاثها"، بعد أن فقدت احتكار القرار السياسي، وفشلت في القوة العسكرية، وهي تريد اليوم إشغال المقاومة في الداخل بفتنة تضرمها عبر اتهامها بقتل رفيق الحريري لتتآكل، ما يتيح لـ"إسرائيل" أن "تقضي عليها في أيام"، كما يقول فيلتمن. ويبدو أن أميركا لم تعد تستطيع صبراً على الواقع في لبنان، وهي ترى مواقعها تنحسر، ونفوذها يتراجع، وأدواتها تنهار... ويكفي على سبيل المثال النظر في صورة المحكمة الدولية، والتحقيق الذي لم يكن أحد في البدء يجرؤ على رفضه أو انتقاد مجرياته، أو الامتناع عن التعاون معه، أو حتى التلميح إلى عدم دستوريته... أما اليوم، فقد اتُخِذَ قرار بمقاطعة التحقيق من قبل من تستهدفهم أميركا بتلفيقها، ما أدى إلى تعطيل التحقيق، وفشلت كل الضغوط في تمرير تمويل المحكمة في مجلس النواب، وهو ما يفسَّر ضمناً برفض نيابي لهيئة أنشئت خارج موافقة المجلس. وتحرج أميركا أدواتها في ملف شهود الافتراء والكذب، المسمى "شهود الزور"، الملف الذي إذا فُتِحَ بنزاهة وتجرُّد، فسيفضي إلى كشف كل المؤامرة على لبنان منذ القرار 1559. يبقى أن نشير إلى الأصوات التي باتت تطالب مجلس النواب بإعلان عدم دستورية المحكمة الدولية، وتنصُّل لبنان صراحة منها لأنها تخالف دستوره...

إذاً، أمران تخشاهما أميركا اليوم: فتح ملف شهود الزور، واحتمال إسقاط المحكمة في مجلس النواب... وحتى لا يقع المحظور، يبدو أن أميركا تسرِّع وتيرة العمل في "وكالة جمع المعلومات الدولية"، المسماة "المحكمة الخاصة بلبنان"، لاستثمارها قبل سقوطها، وهي في ذلك تعمل على خطوط عدة:

- الأول، تجميد ملف شهود الزور وعدم إحالته على القضاء اللبناني المناسب والجدي (المجلس العدلي).

- الثاني، الإسراع في جمع اكبر قدر ممكن من المعلومات عن المقاومة وجمهورها، وصولاً إلى دراسة معدل الإنجاب والخصوبة لدى رجال المقاومة!!! والوقت المتوفر لهم للمبيت مع نسائهم، فضلاً عن الطاقة الشبابية والعمالية والمالية والاجتماعية والحالة المعنوية...

- الثالث، وهو الأهم، يتجسد في الضغط على بلمار لإصدار القرار الاتهامي الموضوع بصيغته النهائية منذ شباط 2008... ويبدو أن أميركا قد تراجعت اليوم عن وعدها للفرنسيين وللسعوديين بتأخير الأمر إلى آذار، وإن اقتضى الحال إلى تموز 2011، لأنها ترى أن التأخير لن يبقي للقرار قيمة ولن يؤدي عندها الغاية منه، ففي التأخير فرص تعطى لحزب الله لتعطيل المفاعيل كلها، بما في ذلك الفتنة، وخصوصاً أنه نجح في هجومه الاستباقي الذي بدأه في تموز الماضي، وفي أقل من 4 أشهر، في فضح المحكمة وتعطيل الانحراف في التحقيق، وقَلَبَ الوضع ليكون هو في موقع هجومي، من باب ملف شهود الزور.

أميركا إذاً، لن تستطيع صبراً يتجاوز كانون الأول المقبل، وتسير قدماً مُتَّكئة على أدوات في لبنان. وهنا نسأل هذه الأدوات، إن كانت قادرة على خدمة أميركا في سعيها، وتحمُّل المخاطر التي قد تتم مواجهتها.

من البديهي القول إن أحداً من جمهور المقاومة لن يسلِّم رأسها لأميركا، وإن المعني بالدفاع عن مقاومته جهَّز لكل مأزق حلاً، فإذا كانت أميركا تريد الفتنة والنار في لبنان، ولا يهمها إن "انقسم الجيش أو دُمر الوطن" جرّاء عدالة زائفة كاذبة تلفق هي و"إسرائيل" فصولها، فإن الوطنيين من أهل المقاومة وجمهورها لن يسمحوا للفتنة بأن تقع، وهم يحاولون منع أسبابها، وإن لم يستطيعوا، فإنهم سيحاولون منع انفجارها، ولكن إن فشلوا في ذلك، فهم لن يفشلوا في إخماد نارها وحسم الوضع الميداني؟!

وبالحسم يتغير كل شيء، لأن تغيُّر المشهد الميداني سيكون مستتبَعاً بتغيُّر المشهد السياسي، وهنا يطرح السؤال الكبير: هل ستدفع أميركا الأمور إلى وضع حد للعصر الحريريّ في لبنان؟ السؤال طبيعي، لأن اللبنانيين لن يقبلوا حاكماً لهم ارتضى أن يكون أداة لأميركا لقتلهم وتدمير بلدهم، بعد أن أغرقوه في الديون. أما القول بالعدالة، فأعتقد أن أحداً لا يُصدِّقهم في ادعائهم، وكيف نُصدِّق مَنْ أخرج قاتل رشيد كرامي من السجن، وهو المُسلِم السنّي، رئيس وزراء لبنان القائم بأعباء وظيفته، ويطالب اليوم بمعرفة الحقيقة المتعلقة بقتل نائب هو رفيق الحريري، كان قد غادر موقع رئاسة الحكومة.

أميركا تسابق الزمن لإحداث الانفجار "المدمِّر للمقاومة" برأيها، وشعب المقاومة وقادتها يقومون بما في وسعهم لردّ العدوان عن مقاومتهم، فهل تحصل المواجهة في كانون الأول المقبل كما توحي الحركة الأميركية؟ أم إن في الأمر تهويلاً فقط؟ ما زلتُ أميلُ إلى الاحتمال الثاني...لأني كما أرى في الحديث عن حربٍ على غزة في كانون الأول تهويلاً، أرى الحديث حتى الآن مشابهاً له في لبنان: التهويل؟؟؟



 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026