شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2010-11-11
 

عن شراكة فؤاد السنيورة ومحمد زيدان

محمد زبيب - الأخبار

ينظر البعض إلى قضايا الفساد وصرف النفوذ واستغلال السلطة وتضارب المصالح والإثراء غير المشروع وانتهاك القوانين واحتلال الملك العام والاستحواذ على المقدّرات ونهب الخزينة العامّة... كما لو أنها من الأعراف المقبولة، بل والضرورية، لاستمرار النموذج اللبناني القائم، وهو نموذج باهر واستثنائي عند هذا البعض نفسه، ويجسّد مفهوم «الشطارة» المتوارث عند اللبنانيين منذ أن اقترنت «الدولة» بصفتها «مزرعة» أو «مغارة» أو «قالب جبنة» أو «إمارة».

لم يعد هناك أي خط فاصل بين العام والخاص، فهؤلاء الذين يمجّدون «السرقة» باعتبارها محرّكاً للنمو وجاذباً للاستثمار وبديلاً للحرب، ما انفكّوا يتلاعبون بمخيّلات الناس ـــــ الضحايا عبر بثّ رسائل متلاعب بها عن إنجازات مزعومة. مثلاً، ماذا تعني وزيرة المال ريا الحسن عندما تدعو إلى المقارنة بين ما كان عليه وضع لبنان قبل عام 1993 وما بات عليه اليوم؟ ماذا تعني بذلك عندما تكون دعوتها إلى هذه المقارنة للردّ على المطالبين بمساءلة المسؤولين عن صرف المال العام منذ 1993 وحتى اليوم؟ فهل تريد أن تُقنع الأسر الفقيرة وأهالي المهاجرين والغارقين في العتمة والعطاشى والعالقين بزحمة السير وضحايا الحوادث المرورية والأحداث الأمنية والعاجزين عن إيجاد عمل وشقّة للسكن والمكتوين بنار الغلاء وجشع المحتكرين وأقساط المدارس والجامعات والرسوم والضرائب على الاستهلاك وأهالي الموتى على أبواب المستشفيات... هل تريد إقناعهم بأن حياتهم كانت أصعب بكثير لو لم يسكتوا عن نهب مدّخراتهم في المضاربات المالية والعقارية وهوامش الفوائد والأرباح الخيالية، ولو لم يقبلوا بمصادرة أملاكهم الخاصة والعامّة في وسط بيروت وفي أوساط أخرى كثيرة، ولو لم يتهافتوا على تصدير شبابهم لتمويل استهلاكهم، وبالتالي تمويل القلّة القليلة من المستثمرين في دين الدولة الذي ناهز 70 مليار دولار!

إنها المقايضة التي يُستَلَب اللبنانيون عبرها، وكأن «السرقة» هي الخيار الوحيد، وهو، تماماً، ما عبّر عنه رئيس الحكومة سعد الحريري في جلسة سابقة لمجلس الوزراء، عندما طرح تمديد عقود سوكلين، وإلّا «خلّي الزبالة تطمركم»، لا خيار ثالثاً، أو بمعنى آخر، لا خيار أمام الناس إلا القبول بتسديد أعلى كلفة لجمع نفاياتهم (أكثر من 160 دولاراً على الطن الواحد). ولا ضير في هذه الحال أن يكون «القبّان» هو سليم دياب، الذي يزن أطنان النفايات التي سيتقاضى كلفتها ميسرة سكّر. وللأسماء هنا دلالة تتجاوز التشهير أو الاستهداف الشخصي.

في هذا السياق تحديداً، يتّخذ ملف السوق الحرّة في مطار بيروت الدولي أهميته القصوى؛ فالمسألة لا تتصل إطلاقاً بما قد يكون محمد زيدان قد أنجزه على صعيد الديكور والصورة البهيّة التي يضفيها على المطار، أو تشغيل بعض الشابات والشباب أو بعدد علب السيكار الفاخر التي يوزّعها دورياً على السياسيين والأمنيين والإعلاميين ليُسهم في إبراز مظاهر الرفاه على وجه المدينة الثكلى! هذه هي حجّة الدفاع الأساسية التي تتلطّى بها «العصابة» للدفاع عن استمرار شركة «باك» باحتكارها لهذه السوق لمدّة 15 عاماً، خلافاً لأي قانون أو منطق أو مصلحة عامّة، وهي الحجّة نفسها التي تستخدمها «العصابة» نفسها للدفاع عن «سوليدير» و«سوكلين». أي إن الصور الحالية لا يقابلها سوى صور الدمار وأكوام النفايات... والتعويضات الباهظة التي يطالب بها زيدان، والتي تذكّر بما رتّبه فسخ عقدي الهاتف الخلوي في عام 2002!

المسألة تتصل بصور أخرى، مختلفة موضوعياً، فرجل الأعمال محمد زيدان ليس مجرد اسم في المشهد القائم، بل هو رمز يختصر طريقة عمل المنظومة التي تحظى بالحماية المطلقة (في كل العهود والمراحل) لمراكمة الثروة وإعادة توزيعها باتجاه «مفاتيح» السلطة والرأي العام. لذلك لا يمكن تجاهل الشراكة العضوية القائمة بينه وبين فؤاد السنيورة في أي نقاش يتناول ملف السوق الحرّة. فهذه الشراكة معروفة من الجميع، وقد وصلت أخيراً إلى شارع السادات في منطقة رأس بيروت، حيث اشترى الرجلان، مع أقاربهما، عقارات لبناء مجمّع تجاري وسكني ضخم... والسنيورة ليس رجل أعمال معروفاً، بل هو وزير للمال على مدى 12 عاماً، ورئيس للحكومة على مدى 4 أعوام. فهذه الشراكة في أي مكان آخر فيه فصل، ولو شكلياً، بين العام والخاص، كانت كفيلة بفتح المحاكمات والملاحقات القضائية بمعزل عن أي صورة أو تفصيل آخر. فالمبدأ العام يمنع أي مشتغل في الحقل العام من أن ينال عقداً إدارياً أو التزاماً عاماً أو صفقة أو امتيازاً، فكيف إذا كان هذا المشتغل العام هو مصدر القرار أو مشاركاً في صناعته... لمصلحته الخاصة.

هذه الشراكة سمحت لشركة «باك» بأن تستولي على عقد إدارة واستثمار السوق الحرّة بمبلغ 38 مليون دولار فقط لمدّة 15 عاماً (بالإضافة إلى علاوات سنوية ترتبط بعدد المسافرين فوق 1.5 مليون مسافر)، فيما الشركة تطالب الآن بتعويضات تبلغ 100 مليون دولار كربح فائت عن السنوات السبع المقبلة، إذا لم يُجدّد عقدها على مدى هذه السنوات. وتأتي هذه المطالبة بالتعويضات بناءً على اتفاق حبّي (رضائي) جرى في عام 2002، وقضى بأن ترفع الشركة دعوى على الدولة لإبطال قرار خفض مدّة عقدها إلى 4 سنوات (لا تزال الدعوى قائمة منذ ذلك الحين). في المقابل، عمدت الحكومة إلى قبول تسليم الشركة مساحات السوق الحرّة من دون اشتراط التنازل عن هذه الدعوى، بل تقاضت منها كامل المبلغ المحدد للاستثمار على مدى 15 سنة لكي تكرّس مطالبتها غير المشروعة بالتعويضات، وتعهّدت الحكومة في اتفاقها الحبّي (الرضائي) تجديد عقد هذه الشركة كل 4 سنوات من دون إجراء أي مزاد علني جديد، وهو ما كان قد حذّر منه مجلس شورى الدولة، إذ رأى في قراره الذي استند إليه مجلس الوزراء لإبرام هذا الاتفاق الحبّي (الرضائي) أن أي تجزئة لمدة العقد المطعون به هو عمل يخالف القانون.

لا تزال شركة «باك» تستثمر السوق الحرّة منذ 8 سنوات، وتجني أرباحاً خيالية، على الرغم من أن ديوان المحاسبة رفض التصديق على عقدها، فيما هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل أعلنت بطلان هذه العقد بطلاناً مطلقاً، وأصدر مجلس شورى الدولة قرارين اعتبرا أن تلزيم هذه السوق لمدّة تتجاوز 4 سنوات يخالف القانون حتماً... فهل تكفي هذه التفاصيل للملمة الصورة الأصلية وإعادة المسألة إلى نصابها الصحيح... أم أن دخان السيكار الموزّع على البعض بات يمنع الرؤية كلياً؟



 

جميع الحقوق محفوظة © 2026 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه