يستطيع «الصبيان» أن يستمروا في شغل أوقاتهم الفارغة ببعض «العنتريات» الجوفاء، من نوع المطالبة باستقالة وزير الاتصالات شربل نحّاس. فالمسألة عند أكثرهم تشبه ألعاب الـ«بلاي ستايشن» أو غيرها من ألعاب الكمبيوتر، التي يصرفون فيها وقتاً طويلاً لاختبار قدرتهم على الفوز، وهي ـــــ بلا شك ـــــ ألعاب تفيدهم كثيراً في رفع معدّل الأدرينالين إلى المستوى الذي يحجب «سذاجتهم» الشديدة عند أداء وظائفهم المأجورة، البسيطة والهامشية والرتيبة أو الطائشة.
معظم أولئك «الصبيان» لا يفقهون شيئاً عن مضامين ودلالات البيانات التي تصدر بأسمائهم وألسنتهم بحق الوزيرين شربل نحّاس وجبران باسيل. ثلاثة أو أربعة منهم تعرّضوا للتأنيب الشديد عندما فهموا «غلط» هدف هذه البيانات، فاجتهدوا في إبداء الروح «الوطنية» ومحاربة «الفساد»، فانبرى أحدهم لاتهام شركة «إريكسون» بالتجسس لحساب إسرائيل، وذهب آخر إلى اتهام شركة «خطيب وعلمي» بدفع الرشى للحصول على العقود الرضائية في وزارة الاتصالات، فيما فبرك ثالث تحقيقاً في إحدى الصحف التابعة يتهم بنك عودة ـــــ سرادار وفرنسبنك بدفع 300 ألف دولار «لغاية في نفس عدنان وعادل القصار وريمون عودة وسمير حنّا وماريو سرادار... وشربل نحّاس طبعاً». وبلغ الأمر بالرابع إلى حدّ النيل من تركيا بتهمة استغلال «فساد باسيل» لاقتناص عقد «مشبوه» لتوفير طاقة كهربائية إضافية يحتاج إليها لبنان بإلحاح قبل الصيف المقبل.
الفوضى التي أحدثها «الصبيان» في صالون السرايا وبيت الوسط، استدعت من أولياء أمورهم تعيين النائب غازي يوسف عريفاً لصفّهم، ليس لميزة لديه سوى أنه يعيد هذا الصف منذ زمن طويل، وبالتالي حفظ دروسه عن ظهر قلب، وبات يمكنه أن ينتبه إلى رفاقه، ويحاول أن يشرح أن الهدف هو النيل من «تيار التغيير والإصلاح»، لا النيل من منظومة الفساد، التي لولاها لما كان بإمكان هؤلاء الصبيان أن يواصلوا لهوهم المدفوع، خارج أسوار السجون، في شوارع «سوليدير» وأزقتها والأحياء الفخمة الأخرى حيث يقيمون ويلتقون ويلعبون.
اضطر العريف إلى أن يستخدم أسلوباً صريحاً مع رفاقه، فشرح لهم أن «الشهيد» الذي يتلطون خلفه كان سعيداً دائماً بالعقود الرضائية، فهو منحها بكثرة لأصدقائه في شركة «خطيب وعلمي» و«دار الهندسة» وغيرهما، وأن مثل هذه العقود في كل الوزارات والإدارات والمؤسسات والمجالس والصناديق هي «الأحب»، وستبقى كذلك لدى دولة رفيق الحريري وفؤاد السنيورة والطبقة التي ينتميان إليها عموماً.
واضطر أيضاً إلى أن يسهب في الشرح أن «تيار المستقبل» الذي ينتمون إليه نشأ ليمثّل نموذج محاباة الشركات الخاصة على حساب الدولة، مهما كان نوعها، فاسدة أو على الطريق، محلية يرعاها سليم دياب أو يشارك فيها نبيل دو فريج أو يوزّع ريعها ميسرة سكر ومحمد زيدان، أو شركات أجنبية تعمل لحساب إسرائيل أو لحساب المافيات، أو كان قد أوصى بها بولتون الحائز درع ثورة الأرز من يد يوسف نفسه... لا فرق، المهم أن تبقى الدولة زائلة لكي تعيش الطفيليات وتنتشر وتتحكم وتستولي وتسرق وتنهب وتصادر... لقد اضطر إلى أن يروي لهم أن «المعلّم» له مصالح خاصة في تركيا لا يمكنهم أن يهددوها بحماستهم الصبيانية، وأوضح أمامهم أن «إريكسون» شركة فظيعة نالت كل عقودها في «الزمن الحريري الجميل»، وأن المصرفيين المتهمين برشوة نحّاس هم أصدقاء وشركاء وأكثر، فهم كانوا حاضرين في مأتم الشيخ زنكي... طبعاً، لم يتردد في القول لهم إن هدف الحملة على نحّاس وباسيل هو إيهام الرأي العام بأن ما يقومون به يتماثل تماماً مع ما قام به ويقوم به «الحريريون»، أي الفساد بوصفه الخيار الوحيد الممكن والمتاح، على قاعدة «إمّا عقود سوكلين وإمّا خلّي الزبالة تطمركم»، التي قالها الرئيس سعد الحريري في جلسة لمجلس الوزراء، أو كلامه أمام الهيئة المنظّمة للاتصالات على «بيع القطاع، وإلّا فالتعطيل الشامل والتام». سرعان ما تقلّبت عناوين الحملة. غابت أسماء الشركات والأشخاص، وأصبح «الصبيان» يعلمون أن هناك شيئاً اسمه «قوانين» يتهمون نحّاس وباسيل بمخالفتها لتسيير أعمال يُراد تعطيلها... لم يعد الكلام على فساد، بل على طريقة عمل، فانهالت الأسئلة النيابية التي صيغت بأسلوب متقن يسعى إلى استدراج الوزير نحّاس، تحديداً، للدفاع عن هذه الطريقة التي أرساها «الشهيد» وورثته، أي الحصول على إقرار منه بأنها طريقة صالحة لإخفاء مصير مليارات الدولارات التي أُنفقت بلا أي رقابة أو مساءلة أو كشف حساب!
ليست هناك حاجة إلى بذل جهد كبير للتأكّد من ذلك؛ فالنائب يوسف، الذي وجّه سؤالاً إلى الوزير نحّاس عن السند القانوني لقبوله ما سمّاها «هبة» بقيمة 300 ألف دولار من بنك عودة ـــــ سرادار وفرنسبنك، هو نفسه الذي كان موظّفاً في المجلس الأعلى للخصخصة، ثم مستشاراً للرئيس المغدور رفيق الحريري عندما قام بعملية «تأميم» شبكتي الهاتف الخلوي وموجوداتهما في عام 2001، وبالتالي هو يدرك تماماً أن سؤاله بلا معنى إلا انتزاع إقرار من نحّاس بأنه استخدم طريقة العمل التي طُبخت عند إنشاء شركتي MIC1 و MIC2 بأسلوب هجين، فهما لا تخضعان لقانون المحاسبة العمومية ورقابة ديوان المحاسبة، وبالتالي لا سلطة مباشرة لمجلس الوزراء عليهما، تماماً كحالة شركة طيران الشرق الأوسط التي تملكها الدولة. ويشغل يوسف منصب رئيس مجلس الإدارة ـــــ المدير العام لإحدى شركاتها التابعة «ميس»، على الرغم من أنه نائب تمنعه القوانين من أن يتبوأ أي منصب آخر في مؤسسات وشركات تابعة للدولة أو تُسهم فيها... وهاتان الشركتان أيضاً محررتان من شروط المحاسبة الخاصة التي يفرضها قانون التجارة، وذلك بهدف التحايل على هذا القانون بما يسمح بشفط الإيرادات كلّها إلى الخزينة كل يوم بيومه، لا عبر وضع ميزانية تقيم وزناً لميزان الربح والخسارة، وبالتالي يصبح لزاماً عدم تحويل أي إيرادات إلا عند إقفال الميزانية في نهاية كل سنة. هذا الأسلوب الهجين الذي أسهم يوسف في طبخه، قام على مبدأ حسم أجور المشغّلين وأكلافهم واستثماراتهم، عبر مبلغ مقطوع لتُحوَّل كل الإيرادات بعد الحسم المسبق إلى الخزينة العامّة، فلم تُسجَّل الموجودات الجديدة في أي مكان، وكذلك لم يُحتسَب التهالك. بمعنى آخر، لم تكن في الشركتين ميزانية حقيقية، وبالتالي فإن كل ما يدور فيهما لا يحتاج إلى أي قرار من مجلس الوزراء، بما في ذلك تنازل المصرفين عن مبالغ كانا يتقاضيانها من دون وجه حق لقاء عقدي ائتمان كلّفتهما الحكومة حينها تكوين الشركتين عبرهما.
لا شك في أن يوسف سيعاني الصدمة من الجواب الذي سيرده من الوزير نحّاس؛ فهو سيبلغه أن العقدين الذين ينتهيان آخر هذا العام سيُستبدلان بعقدين جديدين وهيكلة جديدة تعيد الشركتين إلى التزام القوانين والمعايير المحاسبية، تماماً كما فعل نحّاس في شأن أموال البلديات التي كانت تُسرق لتُحَوَّل إلى الخزينة العامّة كإيرادات لها، لا كأمانات للبلديات لا يجوز التصرّف بها تحت أي حجّة.
لا يمكن هؤلاء الصبيان أن يتولّوا معركة تفوق قدراتهم الذهنية والأخلاقية. بعضهم لا يمتلك التعليمات نفسها، فيذهب إلى كشف حقيقة الحملة، كالأمين العام للمجلس الأعلى للخصخصة زياد الحايك؛ فهو صرّح منذ أيام بأنه «ليس لدى المجلس أي مشروع لخصخصة أي قطاع إلا قطاع الاتصالات. وأشار إلى أن القطاع الوحيد القابل للخصخصة اليوم هو قطاع الاتصالات، مشيراً إلى أن ذلك جيد... لكن المشكلة أن وزير الاتصالات غير مقتنع بجدواها. وفي لبنان إذا لم يكن الوزير موافقاً على خطة أو مشروع، فمن الصعب جداً تنفيذه».
|