إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

ماذا بقي من الثورة الفلسطينية في ذكرى انطلاقتها ال46؟

زياد أبو شاويش

نسخة للطباعة 2011-01-01

إقرأ ايضاً


يصادف الفاتح من كانون ثاني (يناير) من كل عام ذكرى انطلاق الكفاح المسلح الفلسطيني الذي بادرت إليه حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" واستمر على مدار أربعين عاماً بين مد وجزر إلى أن وصلنا إلى ما نحن عليه سواء بالنسبة لواقع الحركة التي أطلقت شرارته الأولى أو بالنسبة لاستمرار قدرة الفصائل المسلحة على ممارسته ورغبة قيادتها في ذلك.

اليوم بات الحديث عن الثورة الفلسطينية وإمكانية تحقيق ما انطلقت من أجله مجالاً للتندر من جهة ومن الأخرى التحسر والبكاء على ذاك الزمان الذي كان شعار الجميع فيه "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، والذي امتلك "الفدائي" فيه قلوب الناس ووجدانهم.

المقاومة كلمة يتعزز معناها بممارستها فعلاً وبالنتائج العظيمة التي تحققها، لكنها تفقد معناها حين تصبح مجرد لفظ لا تصدقه الوقائع، أو كلمات لتغطية العجز عن الفعل أو للدعاية فقط.

جميع الفصائل بلا استثناء تعيش أزمة الفعل الثوري المقاوم منذ سنوات لأسباب يتعلق قسم منها بالظرف الموضوعي إقليمياً ودولياً، لكن القسم الأهم هو الذي يتعلق بالظرف الذاتي وميل هذه الفصائل للسكون والاستسلام للواقع نتيجة حالة الترهل والعجز من جهة، وبسبب البناء التنظيمي الهش والانفلاش من جهة أخرى. إن سياسة الرشوة المالية التي اتبعتها الولايات المتحدة وأوروبا الغربية تجاه الشعب الفلسطيني ومنظماته الأهلية كما تجاه السلطة ومؤسساتها قد أنتجت حالة فلسطينية غير مسبوقة من الاستسلام وتبرير الخضوع للظروف الموضوعية والضغوط التي تمارسها سلطات الاحتلال والمجتمع الدولي للتوقف عن المقاومة العنفية وأهمها الكفاح المسلح، وبات الخوف من تهمة الإرهاب يسيطر على عقول قادة نافذين لدينا.

إن أهم بنود الميثاق الوطني الفلسطيني ترتبط بشكل وثيق بكيفية تحرير فلسطين وتضع الكفاح المسلح كأولوية مطلقة على هذا الصعيد، تقول المادة التاسعة للميثاق: "الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين وهو بذلك استراتيجية وليس تكتيكا ويؤكد الشعب العربي الفلسطيني تصميمه المطلق وعزمه الثابت على متابعة الكفاح المسلح والسير قدما نحو الثورة الشعبية المسلحة لتحرير وطنه والعودة إليه وعن حقه في الحياة الطبيعية فيه وممارسة حق تقرير مصيره فيه والسيادة عليه".

وفي المادة الثامنة تشير لهذا حين تقول: "المرحلة التي يعيشها الشعب الفلسطيني هي مرحلة الكفاح الوطني لتحرير فلسطين ولذلك فإن التناقضات بين القوى الوطنية الفلسطينية هي من نوع التناقضات الثانوية التي يجب أن تتوقف لصالح التناقض الأساسي فيما بين الصهيونية والاستعمار من جهة وبين الشعب العربي الفلسطيني من جهة ثانية، وعلى هذا الأساس فإن الجماهير الفلسطينية سواء من كان منها في أرض الوطن أو في المهاجر تشكل منظمات وأفراد جبهة وطنية واحدة تعمل لاسترداد فلسطين وتحريرها بالكفاح المسلح".

وفي مواد أخرى يرد المعنى الذي أردنا توضيحه حول أهمية الكفاح المسلح الذي لا يخضع للتكتيك أو لتغير الظروف الإقليمية أو الدولية بما في ذلك الاتفاقات المؤقتة والمرحلية مع العدو التي ربما تفرضها تطورات الصراع وموازينه على الأرض.

إن خفوت الصوت المقاوم المترافق مع خفوت صوت البندقية المقاتلة يعبر عن جوهر الأزمة التي نتحدث عنها بعد 45 سنة من انطلاق الثورة الفلسطينية وهذا الأمر نجده بوضوح شديد حين نقارن حركة "فتح" اليوم بما كانت عليه حتى الأمس القريب.

لم تتعرض "فتح" للانقسام والانفلاش فقط، بل وكذلك لتغييب القيم الثورية الكبرى التي جعلتها تتبوأ مكانتها القيادية والرائدة على الساحة الفلسطينية.

يمكن رصد الأسباب التي أدت للحالة الراهنة للحركة وهي كثيرة ومتنوعة وليس هنا مجالها لكن الأهم اليوم ونحن نحتفل بذكرى الانطلاقة أن نبحث في المستقبل وكيف تستعيد حركة "فتح" عافيتها وتسترجع قيمها ومنطلقاتها الفكرية والوطنية كما الأسس التنظيمية التي قامت عليها. إن اضمحلال النضال الوطني في شكله المسلح والتعبئة التي تحدث عنها الميثاق تتحمل مسؤوليته قيادات الفصائل ومنظمة التحرير الفلسطينية على وجه الخصوص، وليس لأي أحد القدرة من هؤلاء على نفي هذا الاستنتاج، والواقع الراهن يدل على ذلك بصورة واضحة.

لقد لعب الجهل بقواعد حرب الشعب طويلة الأمد وكذلك انعدام الخبرة الكافية للمزج بين العمل العسكري واختيار أنسب الوسائل في الزمن المحدد والوسائل السلمية للنضال الوطني الدور الرئيسي في تهافت جميع التنظيمات وميلها للدعة وإهمال البحث عن أنسب الطرق لإبقاء جذوة العمل المسلح متقدة، وكل الكلام النظري عن الكر والفر وضرب العدو في الأماكن اللينة من جسده وتجنب المواجهة المباشرة بسبب تفوقه الكبير لم يتم الأخذ به، وبقيت دروس المواجهات العديدة في الداخل والخارج بعيدة عن البحث والتمحيص.

إن غياب المرجعيات في العمل السياسي يؤدي للإرباك وانحراف بوصلة النضال الوطني الأمر الذي نراه اليوم في الإخفاق الذي تواجهه القيادة الرسمية للسلطة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية بعد عشرين عاماً من نهج التفاوض العبثي تحت المظلة الأمريكية، ولو احترمت هذه القيادة تلك المرجعيات سواء بما تعلق منها بالبرنامج الوطني أو بالضوابط التنظيمية والنظام الأساسي للمنظمة وكيف تدار وكيف تتخذ القرارات.

وفي الشق العسكري أو العنفي من العمل السياسي والنضال الوطني ينطبق ذات القانون الذي يقول: إن غياب المرجعيات يعني الإرباك والانفلاش ومن ثم الفشل والإخفاق. المسألة كانت واضحة على هذا الصعيد في غياب أي برنامج وخطة طويلة الأمد لتصعيد الكفاح المسلح والحفاظ على ديمومته في حالات الجزر أو الاضطرار للانحناء، ناهيك عن غياب القيادة الموحدة القادرة على فهم المتغيرات والتكيف معها.

إن النتيجة المباشرة لهذا الفشل كانت اتساع الفجوة في ميزان القوة بيننا وبين "إسرائيل" بشكل فادح الأمر الذي قاد لكل التعقيدات التي نواجهها اليوم في سياق البحث عن حل عادل ومنصف لقضيتنا، أو الحصول على الحد الأدنى من حقوقنا كما وردت في إعلان الاستقلال عام 1988.

الإضافة النوعية للكفاح المسلح بظهور حركة "حماس" والجهاد الإسلامي واتساع التأييد الجماهيري لهما نتيجة الضربات الموجعة التي وجهتاها للعدو كان يجب أن تعيد لهذا الشق من نضالنا وهجه وموقعه، وهي قد فعلت ذلك من خلال عملياتها النوعية وعلى الأخص العمليات الاستشهادية التي أربكت العدو الإسرائيلي والولايات المتحدة الأمريكية وأرغمتهما على تقديم مقترحات جدية للحل السلمي بما في ذلك انسحاب قوات الاحتلال من غزة. لكن حالة الانقسام أعادت الوضع لما كان عليه بعيد اتفاق أوسلو المشؤوم، بل وأسوأ على صعيد الكفاح المسلح.

السؤال المهم كما يطرحه غالبية الفلسطينيون ورجل الشارع العربي: إلى متى سيبقى الحال على ما هو عليه اليوم من تقاعس واستخذاء أمام العدو الإسرائيلي؟ وهل يمكن إعادة الروح للكفاح المسلح بمضامينه الواردة في الميثاق القومي الفلسطيني؟

المقاومة وخاصة من أطلق شرارتها الأولى حركة "فتح" لم تستأذن أحداً من القادة العرب أو الأنظمة العربية للبدء في الكفاح المسلح، كما أنها أوجدت لنفسها القواعد والإمكانات اللازمة له وأسمت جناحها العسكري "العاصفة" واعتبرت نفسها ديمومة الثورة وشعلتها المضيئة فهل تقف هذه الحركة العملاقة مجدداً لتستأنف ما بدأته عام 1965 على ذات الأسس مع أخذ المتغيرات بالاعتبار والتكيف مع الظروف للاستمرار في المواجهة وليس للخضوع لهذه الظروف والمتغيرات؟ وهل تبادر كل الفصائل المسلحة لمثل هذا فتعمل بإخلاص وثقة على إعادة الوحدة الوطنية وتشكيل قيادة سياسية وعسكرية تضع الخطوط العريضة للنضال بكافة أشكاله، ومن ثم تكليف ذوي الاختصاص لوضع الخطط والتكتيكات التفصيلية لإنجاح الخطة العامة؟.

ما بقي من الثورة الفلسطينية المعاصرة كبير ويمكن البناء عليه والمطلوب قليل من الشجاعة وكثير من الحكمة لإعادة الأمور إلى نصابها في مواجهة مصيرية مع عدو لا يعرف غير لغة القوة وتسانده قوى غاشمة بوزن الولايات المتحدة وبعض أوروبا العجوز.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026