شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2011-01-26
 

حق العودة.. لا عودة

معاريف

إن مدونة الوثائق المسربة للسلطة الفلسطينية، التي توثق مواقفها في مفاوضة اسرائيل في العقد الأخير لم تُبسط كاملة وأخذ كل لاعب في الحلبة يشعر بأنها تقوي الموقف الذي اتخذه سلفا. فحماس ترى السلطة متعاونة جبانة مع اسرائيل، وافيغدور ليبرمان على ثقة من ان الوثائق تشهد فقط كون التسوية غير ممكنة. ويُخيل للناظر الموضوعي، اذا كان موجودا أصلا، انها تبرهن على مبلغ ضآلة الفرق بين مواقف اسرائيل ومواقف السلطة بعد نحو عشرين سنة من التفاوض: نسب ضئيلة من الارض وأعداد ضئيلة من اللاجئين يُسمح لهم بالعودة الى اسرائيل وهكذا دواليك، مشكلة أساسية بعد مشكلة أساسية. القليل جدا يفصل والاتفاق بعيد كثيرا.

لو كان الحديث عن تفاوض أعمالي لانتهى الامر منذ زمن. ففي هذا النوع من الحوار يعترف الطرفان سلفا بالربح الذي سيجنيانه من الصفقة: كلاهما يريدها برغم ان كل واحد مستعد للتخلي عنها اذا لم تُلبَ مطالبه الدُنيا. ولهذا فان السؤال الحقيقي المتعلق بالتفاوض الاسرائيلي الفلسطيني ليس هو: ما الفرق بين الطرفين؟ بل هل يريد أحد اتفاقا حقا؟.

يقول لنفسه كل من نشأ هنا: بالتأكيد. فالاسرائيليون رُبوا على الطموح الى السلام، والفلسطينيون على الطموح الى الاستقلال. والزعماء يريدون ترك أثر في التاريخ. لكن اذا كان هذا صحيحا فكيف لا ينجحون في ردم الهوّة الضئيلة بين 5.7 في المئة من الارض و6.8 في المئة؟ أيسقط السلام كل مرة من اجل هذا حقا؟.

يُخيل إلي أن لا. يحسن أن نتذكر في هذا السياق ان اولمرت بدأ محادثات السلام مع الفلسطينيين عندما كان رئيس حكومة مضروبا من جهة عامة بعد حرب لبنان الثانية وقُبيل تحقيقات الشرطة. مثل باراك حقا الذي بالغ في محادثات طابة بعد ان تقلص ائتلافه الى نحو ربع الكنيست وكانت الانتخابات التي أُبعد بها قد أصبحت قريبة. إن الزعماء الاسرائيليين الأقوياء يمضون على نحو عام الى خطوات من جانب واحد: جدار الفصل، وخطة الانفصال والانطواء الذي خطط له اولمرت. ويتركون الاقتراحات الجريئة للتسوية للوقت الذي لا تكون فيه عملية تماما.

والصورة عند الطرف الثاني ليست أفضل. فلو أراد أبو مازن تسوية حقا لانقض على مقترحات اولمرت ليفني كمن يجد غنيمة كبيرة وحشد ضغطا دوليا على اسرائيل لتحسينها من جهته في التفاوض النهائي. الافكار المهادنة التي طرحها مندوبوه في المحادثات كما كُشف عنها في وثائق 'الجزيرة' تبدو أكثر مثل لعبة وهمية في تفاوض اشخاص يعلمون ان الامر لن ينضج البتة ليصبح شيئا يضطرون الى الوقوف من ورائه. والاستنتاج واحد وهو ان الزعماء يريدون التحادث واجراء التفاوض وأن يتهموا بعد ذلك الطرف الثاني بإخفاقه. لا يريدون حقا أو لا يستطيعون الثبات لثمن التواصل الى تسوية حقيقية.

والسخرية المرة هي ان الشعوب في الطرفين قد وافقت منذ زمن على المخطط الممكن الوحيد للتسوية وهو العودة الى حدود 1967 مع تغييرات طفيفة، والحفاظ الفلسطيني على فكرة حق العودة لكن بغير عودة فعلية للاجئين الى اسرائيل، والاهتمام باحتياجات اسرائيل الأمنية والحل الدولي لمشكلة القدس. يحظى هذا المخطط منذ عقد تقريبا لدى الطرفين بأكثرية صلبة في استطلاعات الرأي، توافق على أن هذا ما سيكون وما يجب ان يكون. وتقول تلك الأكثرية ايضا إن هذا لن يحدث في أيامها.

لا يُحتاج من اجل القفز من فوق هاوية عدم الثقة هذه الى افكار بل الى شجاعة وزعامة. هذا ما ينقص قُرب مائدة التفاوض وفي الغرف التي تُتخذ فيها القرارات، لا الحلول الخلاقة لمشاكل أصبح حلها معروفا منذ زمن.




 

جميع الحقوق محفوظة © 2026 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه