إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

يا حرمون … على العهد باقون

راجي سعد

نسخة للطباعة 2011-01-29

الارشيف

على جبينه كتبت بداية التاريخ وعلى اطرافه تعرفت البشرية على قيم التمدن. من هضابه الشمالية ابتدأ الاموريين التاريخ المتمدن من دمشق ومن سفوحه وشواطئه الغربية سير الكنعانيون الفينيقيون سفنهم من صور وعكا محملة بحروف ابجديتهم وفنون تجارتهم وثقافتهم، ومن هضابه واوديته الجنوبية اهتدت البشرية الى الله المحب السموح على نهر الاردن وانتصر دينه العادل الرحيم على اليرموك.

انه جبل حرمون الذي وصفته ملحمة جلجامش ب"أرض جبل الأرز حرمون هي أرض الخالدين" والذي اطلقت عليه عدة تسميات عبر التاريخ فسماه الاموريون جبل "شنير" والاشوريون "سفيرو" والفينيقيون "سيريون" والاراميين "طور ثلجا" او جبل الثلج واخيرا هناك اعتقاد بأنه تسميته الحالية بجبل الشيخ تعود إلى العقد الثالث من القرن السابع عشر أثناء حملة السلطة العثمانية ضد الأمير فخر الدين المعني الثاني. خلال حملتهم على وادي التيم داهم الاتراك عين عطا عدة مرات بحثا عن "الشيخ الفاضل" محمد أبي هلال، أحد كبار الدعاة الأولياء عند الموحدين الدروز، الذي كان قد لجا الى مغارة في السفح الغربي لحرمون واتخذها مركزا للتعبد والمذاكرة. في كل مرة كان يُسأل فيها الاهالي عن الشيخ كان الجواب "الشيخ في الجبل" وبات يعرف بعد ذلك بجبل الشيخ.

قبل لجوء الشيخ الجليل الى حرمون، كانت قد سبقته اليه الشعوب القديمة فبنوا اكثر من عشرين معبدا للتامل والرؤى. اهم هؤلاء الفينيقيون الذين اقاموا على اعلى قممه معبد "بعل حرمون" الذي يعرف اليوم بقصر شبيب ومعبد "بعل جاد" في بلدة كفر شوبا التي تحمل اسم اله الهواء شوب. كان الفينيقيون يقدمون القرابين في هذه المعابد في أواخر الصيف ويسكبون جرار الماء التي يحملونها من البحر على أرضه، لنيل رضى الإله حرمون، فيستمر بتزويد الينابيع بالمياه إلى آخر الصيف. السيد المسيح سار على الدرب ذاته فجاء في النص الإنجيلي انه "أخذ بطرس ويعقوب وأخاه يوحنا وانفرد بهم على جبل عال، وتجلى بمشهد منهم وأشرق وجهه كالشمس، وصارت ثيابه بيضاء كالنور، وبينما هو يتكلم ظللتهم سحابة مضيئة ".

هذه الجلالة لم تاتي من العدم فشموخ جبل الشيخ يدق باب 3000 متر ومن عليائه يرعى ابنائه من امامه وعلى يمينه ويساره بلا فواصل ولا حواجز. هكذا ارادت الجغرافيا وهكذا كان عبر العصور فقدر القدس ودمشق ان تكون عمق حيفا وعكا وصيدا وبيروت فتحمل رسالتها المتسامحة والمنفتحة الى العالم. هذه الهيبة الكبيرة جعلته ايضا يقف سدا منيعا امام الصحراء الزاحفة فترتد شرقا ليرسُم الخصب بشكل هلال في هذا المشرق، مع صنين وطوروس وزغروس. من نقاوة بياضه تنبعث الينابيع وتسير الانهار فتوزع الخير والبركات ٍٍعلى ابنائه بحق وعدل. في كل ربيع عندما تنساب السيول من اعاليه يسير قسم منها شمالا عبر نهري الزبداني والاعوج الى دمشق وينحرف قسم آخر غربا نحو لبنان عبر نهر الحاصباني ويسير القسم المتبقي جنوبا نحو فلسطين ليغذي بحيرة طبريا ومن ثم البحر الميت عبر نهري اليرموك والاردن.

في بداية القرن الماضي وفي غفلة من الزمن استطاعت قوى الحقد والاستكبار العالمي ان تتحدى الجغرافيا والتاريخ وان تفرض ارادتها عليك ففرق سايكس وبيكو بين ابنائك وتسنى لبلفور ان ينفذ وعده في 1949 ويشرد احفادك في الجنوب ليمهد بعد ذلك لان تجثم على اعلى قممك قوة غريبة عن تراثك العادل المتسامح في نكبة 1967. في هذه النكبة المائية بامتباز استطاعت قوة منغلقة على ذاتها، تعتبر نفسها فوق البشر وتاريخها ياخذ ولا يعطي، ان تسيطر على مصادر مياه نهر الاردن فحولته نحو مستعمراتها الجدد وتركت الفتات لابنائك.

رغم تكبيلك فما زالت اصداء المآذن والكنائس المقدسية ترتد من سفوحك الى فلسطين آيات صمود وثبات. ما زالت عينيك تستفيق في كل صباح على مشهد قبرص المنسابة امامك في البحر والتي استفقنا عليها مؤخرا عندما تقاسمت ثروتنا البحرية مع جلادك. ما زلت تناجي عجلون وقاسيون وصنين الى لقاء قريب فتزرع العنفوان والعز في ابنائك من عمان ودمشق الى بيروت وصيدا وصور. هؤلاء الابناء لم ينسوك ولو تاخروا عليك فها هم يتشبثون بارضهم في الجليل ويرفضون الهوية العنصرية في الجولان ويقاومون ويصدون بصدورهم اعتى قوة عسكرية على اعقابها في جنوب لبنان في 2006. وها هي دمشق، التي كادت تفك قيدك في 1973 لولا عبور العنصرية الدفينة المطلية بالديمقراطية للاطلسي لحماية رديفتها على المتوسط، باقية على العهد تحضن الاحرار والاشراف في هذا العالم.

يا جبل الشيخ رغم اننا لم ننساك فلم نرتقي بعد الى علاك في خيرك وحقك وجمالك الذي لا يعرف المذاهب ولا الاعراق ولا الكيانات المصطنعة. آن لنا ان نلم شملنا في مقاومة قومية شاملة تهتز لها منابر العنصرية والاستبداد، وتغدو نحو قممك صفوفا بديعة النظام لا يقف في وجهها طغاة الارض لانها القضاء والقدر.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017