منذ أشهر، زلّ لسان سعد الحريري أمام وفد الهيئة المنظّمة للاتصالات، فقال في سياق حديثه «إن قطاع الاتصالات سيتعرّض لـ TOTAL COLLAPSE». يومها، كان الحريري يسعى إلى إخضاع شربل نحّاس ولجم خطواته «التغييرية». إلا أن عبارة مماثلة نطق بها غازي يوسف أمس، ما يعني أن الحريري لم يتراجع عن خطّته «التخريبية»، لكن هذه المرّة لأهداف أكبر: النيل من السلم الأهلي والأمن والاقتصاد... على قاعدة «من بعدي ما ينبت حشيش»
كان النائب غازي يوسف شديد الالتزام بقراءة النص المعدّ له في مؤتمره الصحافي أمس، والصدفة وحدها طبعاً، جعلت هذا النص شبيهاً، إلى حدّ التطابق «الحرفي»، مع تقريرين «صحافيين» نُشرا على يومين متتالين في صحيفة «النهار» ثم في صحيفة «اللواء»، بتوقيع اسمين مختلفين... لم لا؟ فمدوّن النص شخص واحد، هو عبد المنعم يوسف، الذي يشغل منصب مدير الصيانة والاستثمار في وزارة الاتصالات ورئيس مجلس الإدارة ـــــ المدير العام لهيئة إدارة واستثمار منشآت شركة راديو أوريان وتجهيزاتها، المعروفة باسم «أوجيرو»، وهي الهيئة التي حوّلها فريق «اليوسفين» إلى«ميليشيا أمر واقع»، وانتحل لها صفة «شركة أوجيرو تيلكوم» وسجّل باسمها ممتلكات عامّة، تمهيداً للانقضاض عليها وعلى قطاع الاتصالات عموماً.
كان النائب يوسف شديد الالتزام بقراءة النص لكي لا يرتكب أي غلطة، فمهمته هذه المرّة «خطيرة» جدّاً، إلى درجة أن تنفيذها قد يعرّضه للمساءلة القضائية، فقد وقع عليه الاختيار لإطلاق «الإشارة» العلنية لتنفيذ الخطّة الرامية إلى تعطيل الاتصالات في لبنان، بالتزامن مع خطط أخرى يُشغَل فريقه بتنفيذها، وتشمل إثارة النعرات المذهبية والإضرار بالنقد الوطني وزعزعة النظام المصرفي وبث الشائعات... لقد قرأ النص بارتباك شديد، وهو يعلن تعرّض الاقتصاد لما يُسمى «MELTDOWN» وهبوط شبكة الاتصالات «BREAKDOWN»، بما سيؤدّي إلى تعطيل استخداماتها في المنازل والمؤسسات والمصارف والفضائيات... والأجهزة الأمنية!
هل هناك وضوح أكثر من ذلك؟ ففريق «اليوسفين» يعمل ليل نهار على محاولة عرقلة أي حل «صائب» لمشكلة تسديد رواتب مستخدمي «أوجيرو» وفواتير المورّدين وثمن المحروقات... وفي الوقت نفسه، يدّعي الحرص على هذه المؤسسة، فيحرّض العاملين فيها على افتعال إضراب استباقي، ويحرّض المورّدين على عدم تزويد السنترالات بالمحروقات التي تحتاج إليها، بذريعة عدم وجود مال لتغطية مثل هذه النفقات، علماً بأن إدارة «أوجيرو» ليست موصوفة بأنها حريصة على تسديد ما يجب عليها في المواقيت المحددة عندما كانت تغرق بوفر مالي غير مبرر تحقيقه في مؤسسة عامّة لا تعمل إلا مع «زبون» واحد هو الدولة. وعلماً أيضاً بأنها تحتجز حالياً نحو 30 مليار ليرة بحجة تكوين مؤونات لتغطية فروقات تعويضات نهاية الخدمة لكل مستخدم ينهي مدّة خدمته القانونية، أي إن هذه «الإدارة» تريد أن تقنع المستخدمين بأنها حريصة على حقوقهم إلى درجة أنها تفضّل تكوين مؤونات لن يستحق صرفها إلا بالمفرق على مدى سنوات طويلة إلى الأمام، بدلاً من تسديد رواتب يحتاج إليها المستخدمون للإيفاء باحتياجاتهم المعيشية في نهاية هذا الشهر... أليست هذه المفاضلة مثيرة للشك؟
على أي حال، قرأ النائب يوسف النص، وبات الأمر بعهدة المؤسسات المعنية التي يجب عليها إجراء التحقيقات اللازمة لتبيان الحقائق والمحافظة على سلامة البلاد وأمن المواطنين ومصالحهم الحيوية.
إلا أن التزام النائب يوسف بالنص المكتوب، لم يجنّبه الغلط؛ فهو اضطر للإجابة عن أسئلة الصحافيين على عجل خلافاً لعاداته في إكثار الكلام حبّاً للظهور، فردّ باقتضاب على سؤال يتعلّق بصفقة تولّى عبد المنعم يوسف إبرامها مع شركتي الخلوي السابقتين «سيليس» و«ليبانسل»، بطلب من رئيس مجلس الوزراء السابق فؤاد السنيورة ووزير الاتصالات السابق مروان حمادة، وتقضي بتحميل المواطنين اللبنانيين كلفة تسديد نحو 50 مليون دولار من الضرائب المترتّبة على هاتين الشركتين من جرّاء قبضهما تعويضات سخيّة بعد قرار الرئيس الراحل رفيق الحريري تأميم شبكتي الخلوي في عام 2001... فاكتفى يوسف بالقول: «إن هذه تلفيقة من تلفيقات صحيفة الأخبار».
قول يوسف إن هذه «تلفيقة»، وهو العارف جيداً أنها حقيقة، يعني أن كل ما قاله في مؤتمره الصحافي مبني على أكاذيب تهدف إلى تضليل الراي العام. فالنائب يوسف يعرف أن وزيرة المال ريا الحسن أرسلت كتباً عدّة إلى وزارة الاتصالات تطالبها بتسديد هذه الضرائب نيابة عن الشركتين، وهي رفضت أن تعيد عرض الملف على مجلس الوزراء خوفاً من أن يتخذ قراراً مخالفاً لقرار السنيورة بمحاباة الشركتين وتكبيد اللبنانيين أعباءً غير مبررة، إلا بوصفها سرقة موصوفة.
وبحسب آخر كتاب أرسلته الحسن إلى وزارة الاتصالات، فقد طلبت حرفياً «تسديد الضرائب والرسوم المستحقة على الدولة جراء عقدي المصالحة الموقّعين بين الجمهورية اللبنانية ممثلة بكم وبين شركتي ليبانسيل وFTML»، ويتضمن هذا الكتاب عرضاً للضرائب المستحقة، وهي بقيمة اثنين وسبعين ملياراً وسبعمئة وخمسة وثلاثين مليوناً وأربعمئة واثنين وثمانين ألف ليرة لبنانية (72.735.482.000 ل.ل)، وهي مفصّلة كما يأتي:
أولاً: الضرائب والرسوم المترتبة عن العقد الموقّع مع شركة ليبانسيل:
أ ـــــ في ما يتعلق بالضرائب:
قيمة التعويض: 150.000.000 دولار (أي ما يعادل 226.125.000.000 ل.ل). ضريبة المادة 45: 22.612.500.000 ل.ل. ضريبة التوزيع: 22.612.000.000 ل.ل.
ب ـــــ في ما يتعلق برسم الطابع المالي: رسم الطابع المالي النسبي على العقد: 678.375.000 ل.ل. رسم الطابع المالي النسبي على التسديد: 678.375.000 ل.ل. المجموع: 1.356.750.000 ل.ل.
مجموع الضرائب والرسوم: 46.581.750.000 ل.ل.
ثانياً الضرائب والرسوم المستحقة على عقدي المخالصة مع شركة FTML:
أ ـ في ما يتعلق بالضرائب:
قيمة التعويض النهائي: 124.500.000 دولار. ضريبة المادة 45: 18.768.375.000 ل.ل. ضريبة التوزيع على حصة المساهمين المقيمين الذين يملكون نسبة 33.35% من رأس المال، التي تبلغ 62.592.530.000 ل.ل: 6.259.253.000 ل.ل. المجموع: 25.027.628.000 ل.ل.
ب ـــــ في ما يتعلق برسم الطابع المالي: رسم الطابع المالي النسبي على العقدين: 563.052.000 ل.ل.
رسم الطابع المالي النسبي على التسديد: 563.052.000 ل.ل.
المجموع: 1.126.104.000 ل.ل.
مجموع الضرائب والرسوم: 26.153.732.000 ل.ل.
مجموع قيمة الاعتماد المطلوب: 72.735.482.000 ل.ل.
هل يكفي هذا الدليل لإثبات «الأكاذيب»، لا شك في أن اللبنانيين ليسوا سذّجاً بالقدر الذي يتخيّله فريق «اليوسفين».
--------------------------------------------------------------------------------
67 مليون دولار
هي كلفة تجهيز شبكتي الخلوي بخدمة الجيل الثالث، بحسب العقود التي وقّعها وزير الاتصالات شربل نحّاس، إلا أن النائب غازي يوسف ادّعى أمس أن الكلفة بلغت 200 مليون دولار، مشيراً إلى أن هذا الإنفاق «بلا طعمة»، علماً بأنه اشتكى من تراجع مرتبة لبنان العالمية في هذا المجال!
--------------------------------------------------------------------------------
كرم الدولة
وُقِّع عقد مخالصة مع شركتي «سيليس» و«ليبانسيل» بتاريخ 26/5/2006، وقد نصّت المادة الثامنة منه على ما يأتي: «تلتزم الجمهورية اللبنانية، بصفتها فريقاً في الاتفاق الحاضر، بأن تتحمّل أي متوجّبات، رسوماً أو ضرائب مهما كانت طبيعتها ومهما كانت السلطة الصادرة عنها، بالنسبة إلى المبالغ المشار إليها في اتفاق المخالصة هذا، حتى في حال تحويل الأموال خارج لبنان...». ونصّت كذلك على أن «المبالغ المدفوعة بموجب هذا العقد تنطوي على طابع تعويضي... وإذا فرضت أي ضريبة تأخذها الجمهورية اللبنانية مباشرة على عاتقها».
|