| شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2011-03-22 |
أين صُرفت الهبة الأوروبية؟ ديوان المحاسبة «يتفرّج» على فضائح وزارة المال |
|
تراجع الاهتمام الإعلامي بالفضائح المالية الكثيرة المعشّشة في وزارة المال؛ فقد نجح مثيرو هذه الفضائح بتحويلها إلى مادّة في السجال السياسي مع خصومهم، فيما المستفيدون من سرقة المال العام نجحوا في زرع بذور الشك بصدقية هذه الفضائح لدى شريحة واسعة من اللبنانيين... المسؤولية الأساسية عما آلت إليه هذه الفضائح تقع بالدرجة الأولى على ديوان المحاسبة الذي لا يزال يؤدي دور المتفرّج، ولم يلاحق حتى الآن أي متورط، علماً بأنه يجسّد في النظام اللبناني دور القضاء المالي كل يوم تخرج من أروقة وزارة المال فضيحة جديدة، حتى توقّف المراقبون عن العدّ... فالواقع يبدو أكثر سواداً مما يظنّ الجميع: فلتان إداري مصمَّم بدقّة لتسييب بيت مال اللبنانيين، نظام معلوماتي مصمَّم للتلاعب بالحسابات وإخفاء المعلومات ومنع تعقّب الأموال العامّة، مخالفات موصوفة للقوانين والأنظمة تكاد تجعل من أمّ الوزارات نموذجاً يتخطّى كثيراً الصورة الكاريكاتورية عن مغارة «علي بابا»، تخطي حد السلطة واستغلال النفوذ واختلاسات للمال العام، تسليم زمام الأمور للإدارة الرديفة غير المسؤولة وغير الخاضعة لأي قوانين أو أنظمة راعية وناظمة، لا وجود لأي مسك جدّي للحسابات حتى بمستوى مسك حسابات دكّان في آخر دسكرة في لبنان، مهل لا تُحترم، وأخطاء لا تحصى في القيود... الحصيلة المكشوفة بفعل جهود «الخيّرين» تمثّل فاجعة حقيقية: ـــــ رشوة بعض الأتباع ممن يسمّون «رجال أعمال» أو أصحاب «شركات خاصّة» لضمان الولاء، عبر التغاضي عن جباية ضرائب ورسوم مستحقة عليهم، تقدّر بمئات مليارات الليرات. ـــــ طمس مصير إيرادات مسجّلة زوراً كإيرادات خزينة بقيمة تصل إلى أكثر من 500 مليار ليرة. ـــــ عدم تسجيل هبات بقيمة تصل إلى 6000 مليار ليرة، وربما أكثر، ولا مستند يبرر كيفية صرف هذه الهبات، علماً بأن قانون المحاسبة العمومية واضح في فروض تسجيلها واستعمالها. ـــــ سلفات خزينة ضائعة، ولا قيود لها، بقيمة تتجاوز 8000 مليار ليرة. ـــــ فروق في احتساب القروض بقيمة تقدّر بنحو 9000 مليار ليرة. ـــــ وأمور أخرى لا يمكن تحديدها من دون تدقيق جدّي تتولاه جهة قانونية وتتصل بتجاوزات للاعتمادات وحوالات مشطوبة أو مكررة بالأرقام نفسها وتصحيحات للقيود والحسابات غبّ الطلب وشيكات مفقودة... كل ذلك، كتبت عنه الصحف، وجرى التداول به في لجنة المال والموازنة النيابية، وهو خاضع للمتابعة في اللجنة النيابية الفرعية، وبعضه أقرّت به وزيرة المال ريا الحسن في جلسات الاستماع المتكررة لها، وبعضها الآخر وردت إشارات إليه في تقارير صادرة عن ديوان المحاسبة أو النيابة العامّة التابعة له... لكن كل ذلك أيضاً لم يدفع السلطات المعنية إلى فتح التحقيق الجدّي والبدء بملاحقة المشتبه فيهم، ولا سيما من أجهزة ديوان المحاسبة، الذي يتصرّف حتى الآن كـ«المتفرّج» بانتظار القرار السياسي! آخر الفضائح التي تستوجب المتابعة السريعة، ما تكشّف عن «ضبابية» تخيّم على هبة بقيمة 30 مليون يورو منحها الاتحاد الأوروبي للبنان، وقُبلت بمرسوم صادر عن مجلس الوزراء في 3/10/2000. فهذه الهبة صُرفت، لكن ليس في قيود وزارة المال أي مستند يبيّن كيفية صرفها ووجهة هذا الصرف والمستفيدين منه! فضلاً عن أن مسار هذه الهبة جاء مخالفاً لكل القوانين والأنظمة التي ترعى قبول الهبات وصرفها وتسجيلها، وهو ما يدفع للاعتقاد بأنها سُرقت أو صُرفت في غير مكانها الصحيح في إطار شراء النفوذ أو الأصوات في الانتخابات. فالمادة الـ52 من قانون المحاسبة العمومية تنصّ بوضوح على أن الهبات «تقبل بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء (...) وتقيد في قسم الواردات من الموازنة. وإذا كانت لها وجهة إنفاق معينة، فتحت لها بالطريقة نفسها اعتمادات بقيمتها في قسم النفقات». وتنص المادة التاسعة من القانون الرقم 173 الصادر بتاريخ 14 شباط 2000 (قانون موازنة عام 2000) على ما يأتي: «تطبق في إنفاق القروض والهبات الخارجية الجارية مع مختلف الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات الأحكام المعتمدة لدى الجهة المقرضة، سواء أكان هذا الإنفاق من الجزء المحلي أم من الجزء الأجنبي، على أن تخضع لرقابة ديوان المحاسبة المؤخرة». وبالفعل، قُبلت الهبة الأوروبية بموجب المرسوم الرقم 3948 بتاريخ 3/10/2000، إلا أن المادة الثانية منه نصّت على أن «تقيد قيمة الهبة كإيراد خزينة ويُخصَّص مبلغ يعادل مليون يورو لتمويل احتياجات وزارة المال لتطبيق الضريبة على القيمة المضافة. أما باقي المبالغ، فتخصص حسب الحاجة بقرار من وزير المال والوزير المختص بعد موافقة مجلس الوزراء أو تبقى إيرادات من دون تخصيص لدعم وضع الخزينة». إلا أن الهبة كانت قد سُجّلت فعلياً في نظام المحاسبة، قبل ذلك، بتاريخ 25/8/2000، إذ أُودع المبلغ في حساب الخزينة لدى مصرف لبنان، ثم نُقل من الحساب الجاري لدى المصرف إلى قيد مؤقت للواردات، وسجّل بقيمة 40.554.000.000 ليرة، فيما كان يجب نقله إلى قيد الواردات، لا إلى قيد مؤقت للواردات. ولفهم السبب في هذا السلوك، حصل في 4/10/2000، أي في اليوم التالي لصدور مرسوم قبول الهبة، أن حُوّل المبلغ إلى حساب الأمانات، وهنا لبّ الموضوع، إذ إن حساب الأمانات هو الحساب الذي توضع فيه حقوق الآخرين، وبالتالي بدأت من خلال هذا الحساب عمليات صرف غير خاضعة للرقابة أو التدقيق، استمرت من 4/10/2000 حتى 3/8/2004، إذ كانت تُنقل المبالغ من حساب الأمانات إلى قيد الشيكات برسم الدفع، وإلى الصندوق، من دون تسجيل وجهة الصرف والمستفيدين منه، بحسب ما تبيّن من المركز الآلي. الثابت أن تسجيل الهبة في حسابات الخزينة، سمح بإصدار شيكات من دون فتح اعتمادات بقيمتها في الموازنة، وبالتالي لم يخضع إنفاق هذه الهبة لرقابة عقد النفقة وديوان المحاسبة. اللافت أن الاتفاقية الموقّعة مع الاتحاد الأوروبي تخصص هذه الهبة لدعم «جهود الإصلاح المالي»، إلا أن مليون يورو فقط منها خُصص في عام 2001 لتمويل احتياجات وزارة المال لتطبيق الضريبة على القيمة المضافة، فيما سجلات الوزارة المتاحة تبيّن أن مبلغ 32.360 مليار ليرة سُجل باسم الهيئة العليا للإغاثة (غير الخاضعة للرقابة) من دون تحديد وجهة الصرف. كذلك سُجل مبلغ بقيمة 6.835 مليارات ليرة باسم مشروع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) في وزارة المال بطلب من وزير المال حينها فؤاد السنيورة، علماً بأن فريق UNDP يخصص باعتمادات في الموازنة تغطّي أكلافه التي تتحملها الخزينة العامّة، وهناك مبالغ سجّلت باسم مجلس الإنماء والإعمار بالطريقة نفسها، أي من دون أي مستند أو إثبات. -------------------------------------------------------------------------------- 8964 مليار ليرة هو الفارق بين القروض الظاهرة في حساب الخزينة والقروض الظاهرة في حساب المهمة، الذي كشفه مدير المحاسبة العامّة المستقيل أمين صالح في ملاحظاته على مشروع قطع حساب 2005، فبلغ الرصيد في الحساب الأول 56774 مليار ليرة، وبلغ في الحساب الثاني 47810 مليار ليرة -------------------------------------------------------------------------------- ثقوا بالسنيورة في 28/6/2002، أرسل وزير المال حينها فؤاد السنيورة كتاباً رقمه 1223/ص1 إلى رئاسة مجلس الوزراء، يطلب فيه الموافقة على استعمال ما بقي من رصيد الهبة البالغ 6.8 مليارات ليرة لتنفيذ «الإجراءات والإصلاحات البنيوية والمتكاملة على جميع الصعد الاقتصادية والمالية»، إلا أن المبلغ سُجّل باسم فريق UNDP في الوزارة. واللافت أن كتاب السنيورة يشير إلى أن 33.68 مليار ليرة من أصل الهبة أُنفقت فعلياً، 1.32 مليار استعداداً لتطبيق الضريبة على القيمة المضافة، و32.36 ملياراً لدعم صناديق المدارس ورسوم التسجيل... لكن أي إثبات على صحّة ذلك ليس متوافراً!
|
|
جميع الحقوق محفوظة © 2026 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه |