على امتداد الأزمة اليمنية اتخذت الحكومة الأمريكية موقفاً مختلفاً عن مواقفها السابقة تجاه ثورة مصر وتونس، حيث لم تطلب رحيل الرئيس على عبد الله صالح وأبقت الباب مفتوحاً أمامه للتكيف مع مستجدات الواقع العربي والعمل على إصلاح ما أفسده خلال ثلاثين عاماً ونيف من حكمه الفاسد، ليس هذا فحسب بل تحدثت عن أهمية بقاء الرجل باعتباره أحد دعامات سياسة مكافحة الإرهاب التي تتبناها الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة والعالم.
الرئيس اليمني أوغل في دم الشعب اليمني وتطورت ردود فعله الغاضبة تجاه المنتفضين إلى حد استسهال عمليات القتل الجماعي التي شهدنا نموذجها الأخطر في مجزرة جمعة الرحيل التي سقط جراءها 54 قتيل وعشرات الجرحى الآخرين.
كانت تلك المقتلة حداً فاصلاً في تعامل أمريكا مع صالح ونظامه القبلي المتخلف، لكنها لم تصدر تعليماتها بشأن الرد على صالح إلا مؤخراً واكتفت بشجب عمليات القتل وطالبت في حينه بضبط النفس كالعادة. في الأيام الأخيرة أدركت إدارة أوباما انه لا مندوحة من استخدام نفوذها لإرغام صالح على الرحيل كونها تلقت معلومات تفيد بانتهاء مدة صلاحية النظام اليمني وأنه حان الوقت لتغيير يحفظ المصالح الأمريكية ولا يتصادم مع رغبة الشعب اليمني وطموحاته فأعلنت للمرة الأولى تخليها عنه وطالبت وبشكل واضح برحيل السيد على عبد الله صالح وتسليمه السلطة طوعياً. هذا الموقف كان لابد أن يجد تجلياته على الأرض فكيف العمل والولايات المتحدة مشغولة في عدة أزمات وأماكن أكثر أهمية وخطورة على مصالحها ومصالح ربيبتها "إسرائيل"؟ الحل متوفر حيث الحلفاء موجودين وجاهزين للقيام بالخدمة المطلوبة، ولذلك وجدنا أن المملكة السعودية بادرت بالتدخل "الأخوي" للتوسط بين الأطراف اليمنية المختلفة من اجل إيجاد حل للمعضلة الناجمة عن تمترس عبد الله صالح على كرسي الرئاسة وقد بدا كما لو كان التحرك السعودي بمعزل عن الرغبة والرضا الأمريكي وهذا خداع بصري ليس أكثر.
السعودية عملت منذ قضية الحوثيين وقبلها بكثير على إسناد على صالح بسبب تنازلاته الكبيرة في خلاف اليمن معها على ترسيم الحدود بين البلدين ناهيك عن التنسيق الأمني بين الدولتين والذي كان في الأساس لخدمة آل سعود ليس أكثر.
إن الدور السلبي للسعودية في اليمن يعرفه اليمنيون المعارضون والمؤيدون لكنهم جميعاً يتحاشون الحديث حوله بسبب الدعم المالي الذي تقدمه المملكة لليمن من ناحية وبسبب التوغل الأمريكي الأمني في اليمن والخشية من تلفيق التهم تحت عنوان الإرهاب ودعمه وهناك أسباب أخرى ذات طابع مختلف وترتبط بتواجد ما يزيد عن مليون يمني يعملون في السعودية.
إن التكليف للسعودية في أمر اليمن لن يخدم قضية الحرية هناك بل سيجعل تحقيق أهداف الشباب اليمني أقرب للمستحيل ذلك أن السعودية لن تعمل وفق أجندة الثورة ومتطلبات الانتقال السلمي لديمقراطية تكشف نظامها القروسطيِ بل ستعمل على بقاء اليمن ضمن التركيبة الخليجية المتخلفة والمحكومة من عائلات وقبائل ما أنزل الله بها من سلطان.
اليمن على وشك الانتقال لعهد جديد وتركيبة سياسية جديدة أسوة بالتغييرات الجارية في المنطقة العربية، وهذا التغيير الذي بقي حتى اللحظة في إطار الحراك السلمي نسبياً يجب أن تتم رعايته من قبل الحكماء اليمنيين والمثقفين في الدرجة الأولى ووساطة بعض الشخصيات العربية الوازنة والمعروفة بحرصها وإخلاصها لقضايا الحق والعدل والحرية ولا يخدم هذا الانتقال دخول المملكة على الخط مهما كانت الشعارات أو حتى المبررات لهذا الدخول.
إن تولي أمريكا الاستعمارية شؤون تابعيها من الأنظمة كاليمن أجدى وأكثر نفعاً لليمنيين من السعودية وغيرها من دول قبلت أن تكون مخلب قط في يدها لضرب مسار الثورة العربية كما يحدث في ليبيا والبحرين وغيرها، وهذا لا يعني قبول الاستعانة بأمريكا لا في اليمن ولا في أي بلد عربي تحت أي منطق أو مبرر ومهما كانت الظروف. نحن هنا نقارن نظرياً ليس إلا.
اليمن سيعود سعيداً إن تركته السعودية يطبب جراحه بنفسه وسيكون معول هدم لأنظمة التخلف حوله ومعول بناء لأشقائه الذين سبقوه لأخذ حريتهم واستعادة ما سرقه حكامهم منهم لعقود.
|